أزمة مؤسسة الأسرة بين انهيار الغرب وحصانة الشريعة

بسم الله الرحمن الرحيم

أزمة مؤسسة الأسرة
بين انهيار الغرب وحصانة الشريعة

بحث تحليلي شامل في أسباب العزوف عن الزواج في الغرب، ومخاطر استيراد قوانينه إلى المجتمعات المسلمة

الفصل الأول

المشهد الغربي — حين ينهار البنيان

مقدمة: حين تتحوّل الأسرة إلى ساحة حرب

ليس ثمّة مؤسسة في تاريخ البشرية حملت على كتفيها ثقل الحضارة مثلما حملته الأسرة. هي النواة الأولى التي منها تنبت المجتمعات، وعليها تقوم الدول، وفيها يتشكّل الإنسان قبل أن يخطو خطوته الأولى نحو العالم. ومع ذلك، فإنّ هذه المؤسسة العريقة تعيش اليوم أخطر مراحلها في التاريخ الإنساني المعاصر، حيث باتت مهدّدة من الداخل والخارج، من الأفكار والقوانين، من الأنانية والجشع، ومن تيارات تريد أن تعيد تشكيل العلاقة بين الرجل والمرأة وفق نموذج لا يعرف القداسة ولا يحترم الميثاق الغليظ.

في هذا البحث، نقف وقفة متأنّية أمام ظاهرة مرعبة تجتاح العالم الغربي وتطرق أبواب مجتمعاتنا المسلمة: ظاهرة العزوف عن الزواج، وتحويل العلاقة الزوجية من رباط مقدّس إلى مجرّد عقد استثماري يخضع لحسابات الربح والخسارة. نتناول هذه الظاهرة بعمق وتحليل، ونعرض الحلّ الرباني الذي جاءت به الشريعة الإسلامية لحماية الأسرة من هذا الانهيار.

أولًا: أرقام تنطق بالكارثة

لم يعد الحديث عن أزمة الأسرة في الغرب مجرّد تحليل نظري أو رؤية تشاؤمية، بل هو واقع تؤكّده الأرقام والإحصائيات الرسمية التي تُصدرها المؤسسات الغربية نفسها. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، انخفضت معدّلات الزواج إلى أدنى مستوياتها التاريخية، وارتفعت نسبة الأشخاص الذين لم يسبق لهم الزواج إلى مستويات غير مسبوقة. وفي أوروبا، تتصدّر الدول الاسكندنافية قوائم العزوف عن الزواج، حيث أصبحت نسبة المواليد خارج إطار الزواج تتجاوز النصف في كثير من هذه الدول.

حقيقة صادمة: نسبة الطلاق في كثير من الدول الغربية تتراوح بين أربعين وستين بالمئة من مجمل الزيجات، وهي نسبة مرعبة تعني أنّ ما يقارب نصف الزيجات أو أكثر تنتهي بالفشل. لكنّ الأخطر من ذلك أنّ كثيرين لم يعودوا يُقدمون على الزواج أصلًا، وباتوا يفضّلون العلاقات المؤقتة أو المساكنة بدون أي رباط قانوني أو أخلاقي.

ثانيًا: القانون الذي أحرق المعبد

من أخطر الأسباب التي أدّت إلى هذا الانهيار، وربما أكثرها مباشرة وتأثيرًا، تلك القوانين التي تُلزم بتقسيم الثروة بين الزوجين عند الطلاق. ففي كثير من الدول الغربية، يحقّ للطرف الذي لا يملك ثروة أو يملك أقلّ أن يحصل على نصف ثروة الطرف الآخر أو جزء كبير منها عند وقوع الطلاق، بغضّ النظر عمّن بنى هذه الثروة أو من بذل الجهد في تحصيلها.

تحوّل هذا القانون إلى أداة ابتزاز خطيرة، وأصبح الزواج في نظر كثيرين مغامرة مالية محفوفة بالمخاطر. فالرجل الذي بنى ثروته بعرقه وجهده يخشى أن تأتي امرأة تتزوّجه لسنوات قليلة ثمّ تطلب الطلاق لتحصد نصف ما يملك. والعكس صحيح أيضًا في بعض الحالات. هذا الخوف المتبادل حوّل العلاقة الزوجية من علاقة مودّة ورحمة إلى علاقة ترصّد وحذر وتربّص.

المفارقة المؤلمة: القانون الذي وُضع — نظريًّا — لحماية الطرف الأضعف في العلاقة، أصبح هو نفسه السبب في تدمير العلاقة من أساسها. فبدلًا من أن يشجّع الناس على الزواج والاستقرار، دفعهم إلى الهروب من الزواج تمامًا خوفًا من العواقب المالية المدمّرة.

ثالثًا: حين يصبح عدم الزواج هو الضمانة

وصل الأمر في الغرب إلى مفارقة غريبة لا يكاد يصدّقها العقل: أصبح عدم كتابة عقد الزواج ضمانة أكبر لاستمرار العلاقة من كتابته! كيف ذلك؟ لأنّ كلا الطرفين حين يعيشان معًا بدون عقد زواج رسمي يعلمان أنّ بقاءهما معًا مرهون بحاجتهما الحقيقية لبعضهما البعض وبمشاعرهما الصادقة، لا بورقة قانونية يمكن استخدامها كسلاح في يوم من الأيام.

انظر إلى الأمثلة الصارخة في عالم المشاهير: لاعبون ورجال أعمال وفنانون بمليارات الدولارات يعيشون مع شريكاتهم سنوات طويلة وينجبون أطفالًا دون أن يُقدموا على خطوة الزواج الرسمي. ليس لأنّهم لا يحبّونهنّ، بل لأنّهم يعلمون أنّ عقد الزواج في ظلّ هذه القوانين الجائرة قد يتحوّل إلى حبل مشنقة يُلفّ حول أعناقهم يومًا ما.

ولعلّ أبرز مثال على ذلك هو اللاعب البرتغالي الشهير كريستيانو رونالدو، الذي تُقدَّر ثروته بالمليارات. يعيش رونالدو مع عشيقته منذ سنوات طويلة وأنجب منها أطفالًا، وهما في العلن يبدوان متوافقَين ومتحابّين، ومع ذلك لم يتزوّجها رسميًّا. والسبب واضح لمن يفهم اللعبة: لو تزوّجها بعقد رسمي ثمّ حدث طلاق يومًا ما، فقد تأخذ جزءًا هائلًا من ثروته التي تقدَّر بالمليارات. أمّا بدون عقد، فهو يضمن أنّها تبقى معه لأنّهما يحتاجان بعضهما فعلًا، لا لأنّ هناك ورقة قانونية تستطيع استخدامها لابتزازه.

تأمّل: تخيّلوا: قانون واحد كهذا حوّل العلاقة الإنسانية إلى حسابات مالية باردة، وجعل أشهر رياضي في العالم يفضّل أن يعيش في علاقة بدون زواج على أن يُقدم على زواج قد يكلّفه نصف ثروته!

هذا واقع مأساوي بكلّ المقاييس. حين يتحوّل عقد الزواج — الميثاق الغليظ — من أسمى العقود البشرية إلى أخطرها، ومن مصدر أمان إلى مصدر قلق، فاعلم أنّ هناك خللًا جوهريًّا في المنظومة كلّها. وقارن هذا المشهد المؤسف بما كان عليه المسلمون الأوائل حين كان الزواج أيسر الأمور وأبركها، وحين كان الرجل يتزوّج على تعليم سورة من القرآن أو خاتم من حديد، كما ثبت في السُّنّة النبوية الشريفة.

الفصل الثاني

الخطر على أبوابنا

أولًا: استيراد السمّ في قوارير العسل

المشكلة ليست فقط فيما يحدث في الغرب، فذاك شأنهم وقد اختاروا طريقهم. المشكلة الحقيقية أنّ هناك من يريد أن يستورد هذا النموذج المدمِّر إلى مجتمعاتنا المسلمة، ويقدّمه على أنّه تقدّم وعدالة ومساواة. وهناك أصوات ترتفع في بلادنا تطالب بتطبيق قوانين مشابهة تُلزم بتقسيم ثروة الرجل على زوجته عند الطلاق، بل وتُصوّر هذا الأمر على أنّه حقّ مشروع ومكسب للمرأة.

لكن ما لا يدركه هؤلاء — أو يتعمّدون تجاهله — أنّ هذا القانون لن يُنصف المرأة كما يزعمون، بل سيدمّر مؤسسة الأسرة بأكملها. سيخاف الرجال من الزواج، وستتحوّل العلاقة الزوجية إلى لعبة مالية، وسيفقد المجتمع ثقته في أقدس مؤسساته. وما يحدث في الغرب اليوم هو الدليل الحيّ الناطق على ذلك.

إنّ محاولة زرع هذا الفكر في مجتمعاتنا ليست مجرّد خطأ فكري، بل هي حرب حقيقية على الأسرة المسلمة. حرب تستهدف تفكيك النسيج الاجتماعي وتحويل العلاقة بين الزوجين من علاقة شراكة حياتية قائمة على التكامل والرحمة إلى علاقة صراع مالي لا يبقي ولا يذر.

وقد حذّرنا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من هذا الاتّباع الأعمى فقال: «لتتّبعُنّ سَنَنَ من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جُحر ضبّ لدخلتموه». قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟».

ثانيًا: سلاح ذو حدّين يقطع الجميع

يجب أن تدرك كلّ امرأة تفرح بمثل هذه القوانين أنّها سلاح ذو حدّين. فما تأخذه اليوم من مطلّقها قد يُؤخذ غدًا من أخيها أو ابنها أو أبيها. هذه القوانين لا تُفرّق بين ظالم ومظلوم، ولا بين محقّ ومبطل. إنّها آلة صمّاء تعمل في اتجاه واحد: تدمير الثقة بين الزوجين وتحويل العلاقة الزوجية إلى ميدان معركة.

حين يعلم الشابّ أنّ زواجه قد يعني خسارة نصف ثروته أو شقته في أي لحظة، سيفكّر ألف مرة قبل أن يتزوّج. وحين تنتشر ثقافة التربّص والابتزاز، ستتحوّل مجتمعاتنا تدريجيًّا إلى نسخة مشوّهة من المجتمعات الغربية التي تعاني اليوم من أزمات ديموغرافية خانقة وتحلّل اجتماعي مخيف.

النتيجة الحتمية: إذا عزف الشباب عن الزواج خوفًا من هذه القوانين، فمن المتضرّر الأوّل؟ إنّها المرأة نفسها التي يزعمون أنّهم يدافعون عنها! ستجد نفسها بلا زوج ولا أسرة ولا استقرار، في مجتمع فقد الثقة بمؤسسة الزواج تمامًا.

الفصل الثالث

ماذا يقول الشرع الحكيم؟

أولًا: الذمة المالية المستقلة — عدل ربّاني مُحكم

حين نعود إلى شريعة الله تعالى، نجد أنّها أسّست نظامًا ماليًّا للأسرة يقوم على العدل المطلق والتوازن الدقيق. ففي الإسلام، لكلّ واحد من الزوجين ذمّة مالية مستقلّة تمامًا عن الآخر. مال الرجل ملكه الخاصّ، ومال المرأة ملكها الخاصّ، ولا يحقّ لأحدهما أن يتعدّى على مال الآخر بغير حقّ.

هذا المبدأ العظيم يحمي كلا الطرفين ويمنع تحويل الزواج إلى شركة أموال أو عقد استثمار. فالزواج في الإسلام عقد مودّة ورحمة وسكينة، وليس عقد مضاربة ومرابحة. والقرآن الكريم يؤصّل لهذا المبدأ بقوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: 32]. فكلّ إنسان له ما كسب، لا يأخذ أحد حقّ غيره ولا يُظلم أحد.

وتأمّلوا في النموذج النبوي الأعظم: أمّ المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها كانت من أغنى نساء قريش وأكثرهنّ مالًا وتجارة. تزوّجها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وعاشا معًا خمسًا وعشرين سنة في أسعد زواج عرفته البشرية. وكان مالها ملكها، أنفقت منه بطيب نفسها في سبيل الله ونصرة رسوله، ولم يأخذ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من مالها شيئًا إلا بما جادت به هي. هذا هو النموذج الإسلامي: ذمّة مالية مستقلّة مع بذل طوعيّ يقوم على المحبّة والتكامل، لا على الإجبار والابتزاز.

وقد قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: 4]. فحتى المهر الذي هو حقّ خالص للمرأة لا يجوز للرجل أن يأخذ منه شيئًا إلا إذا طابت نفسها به — فكيف بمن يريد أن يأخذ من مال الرجل الذي كسبه بيده وعرقه بغير أي مسوّغ شرعي؟

ثانيًا: حقوق المرأة المالية في الإسلام — إنصاف لا مثيل له

لكن هل معنى هذا أنّ الإسلام ترك المرأة بلا حقوق مالية؟ بالعكس تمامًا. فالإسلام كفل للمرأة حقوقًا مالية لم تحظَ بمثلها المرأة في أيّ نظام بشري آخر:

  • المهر: حقّها الخالص لا يشاركها فيه أحد.
  • النفقة الكاملة: من زوجها طوال فترة الزواج بما يشمل السكن والكسوة والطعام والعلاج وكلّ ما تحتاج إليه.
  • الميراث: حقّها الذي فرضه الله تعالى.
  • حصانة مالها: لا يجوز للزوج أن يأخذ من مال زوجته شيئًا إلا بطيب نفسها ورضاها الكامل.

وقد قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في خطبة الوداع التي شهدها أكثر من مئة ألف صحابي: «ألا إنّ لكم على نسائكم حقًّا ولنسائكم عليكم حقًّا»، فجعل الحقوق متبادلة والواجبات متكاملة في ميزان عادل محكم.

بل إنّ مال المرأة في الإسلام محصّن تمامًا: لا يجوز للزوج أن يأخذ من مال زوجته شيئًا إلا بطيب نفسها ورضاها الكامل. فلو كانت المرأة من أغنى أغنياء العالم، لا يحقّ لزوجها أن يلمس من مالها فلسًا واحدًا بدون إذنها، بينما هو مُلزم بالإنفاق عليها من ماله الخاصّ.

شاهد نبوي: جاءت هند بنت عتبة رضي الله عنها إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تشكو زوجها أبا سفيان أنّه رجل شحيح لا يعطيها ما يكفيها وولدها، فقال لها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «خذي ما يكفيكِ وولدكِ بالمعروف». فانظر كيف حمى الإسلام حقّ المرأة في النفقة وجعله واجبًا لازمًا على الرجل لا يسقط بحال.

وتأمّل في حال الصحابيات رضي الله عنهنّ: كانت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما تعمل وتكدح مع زوجها الزبير بن العوّام، وكانت أمّ سُلَيم بنت ملحان تملك مالها وتتصرّف فيه باستقلال. لم يكن الإسلام يومًا ضدّ عمل المرأة (بضوابطه الشرعية) أو تملّكها أو تصرّفها في مالها، لكنّه وضع ذلك كلّه في إطار من العدل والتوازن لا يظلم أحدًا.

الحقّ الماليفي الإسلامفي القوانين الغربية
ملكية المرأة لمالهاذمّة مالية مستقلّة تمامًاثروة مشتركة تُقسم عند الطلاق
المهرحقّ خالص للمرأة يُدفع لهاغير موجود
النفقة أثناء الزواجواجبة على الزوجمشتركة أو حسب الاتفاق
عند الطلاقتأخذ مهرها وما ملكتهتأخذ نصف ثروة الزوج
الميراثحقّ مفروض بنصّ قرآنييخضع للوصية فقط

ثالثًا: الزواج ميثاق غليظ لا صفقة تجارية

وصف الله تعالى عقد الزواج بأنّه «ميثاق غليظ»، وهو وصف لم يستخدمه القرآن إلا في مواضع قليلة تدلّ على عظمة هذا العقد وقداسته. قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: 21]. فالزواج في الإسلام ليس مجرّد اتفاق بين طرفين على العيش معًا، بل هو عبادة يتقرّب بها العبد إلى ربّه، وسُنّة من سنن الأنبياء والمرسلين، ونظام إلهي لحفظ النسل وبناء المجتمع.

قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «النِّكَاحُ من سُنَّتِي فمَنْ لمْ يَعْمَلْ بِسُنَّتِي فَليسَ مِنِّي، وتَزَوَّجُوا؛ فإني مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ».

وانظر كيف كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يعامل أزواجه: كان يساعد أهله في بيته، يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويحلب شاته. سُئلت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يصنع في بيته؟ قالت: «كان يكون في مهنة أهله — أي خدمة أهله — فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة». هذا هو النموذج الأعلى للزواج: شراكة قائمة على الحبّ والرحمة والتعاون، لا على الحسابات والمكاسب.

وكان صلّى الله عليه وسلّم يقول: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». فجعل معيار الخيرية هو حسن المعاملة في البيت، لا حجم الثروة ولا قيمة العقد المالي. وكان يُسابق عائشة رضي الله عنها ويمازحها ويناديها بأحبّ الأسماء إليها. هذه هي روح الزواج في الإسلام التي يريد المفسدون أن ينتزعوها ويستبدلوها بعقود مالية جامدة.

حين نحوّل هذا الميثاق الغليظ إلى مجرّد عقد مالي، نكون قد انتزعنا منه روحه وجوهره، وحوّلناه إلى قشرة فارغة لا معنى لها. القرآن يقول: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]. السكن والمودّة والرحمة — هذه هي أركان الزواج في الإسلام، لا الحسابات المالية والمكاسب الاقتصادية.

قاعدة نبوية: قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «تُنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك». فجعل الدين هو المعيار الأوّل في اختيار شريك الحياة، لا المال ولا الحسابات المادّية.

الفصل الرابع

العواقب الكارثية — نظرة مستقبلية

أولًا: انهيار معدّلات المواليد وشيخوخة الأمّة

لا يحتاج المرء إلى خيال واسع ليتصوّر ما سيحدث لو انتشرت ثقافة العزوف عن الزواج في مجتمعاتنا. يكفي أن ننظر إلى ما يحدث في الغرب اليوم. دول أوروبية كبرى تعاني من أزمة ديموغرافية حادّة، معدّلات المواليد انخفضت إلى مستويات لا تكفي لتعويض الوفيات، والهرم السكاني انقلب رأسًا على عقب حيث أصبح كبار السنّ يفوقون الشباب عددًا.

هذه الدول التي كانت تتباهى بقوّتها وتقدّمها أصبحت تستجدي المهاجرين لسدّ العجز في قواها العاملة ولتعويض النقص في مواليدها. وهي اليوم تبحث يائسة عن حلول لأزمة لم تستطع حلّها رغم كلّ إمكاناتها المادّية والتقنية، لأنّ الأزمة في جذورها أزمة قِيَم ومنظومة حياة، لا أزمة موارد أو تقنيات.

ثانيًا: التفكّك الاجتماعي وضياع الأجيال

حين تتفكّك الأسرة، ينهار كلّ شيء خلفها. الأطفال الذين ينشأون بدون أسرة مستقرّة هم أكثر عرضة للمشكلات النفسية والسلوكية والتعليمية. الجريمة ترتفع، الإدمان ينتشر، الاكتئاب يصبح وباءً، والعزلة الاجتماعية تتحوّل إلى سمة عامّة للمجتمع.

شاهد من الواقع: في الولايات المتحدة، تشير الدراسات إلى أنّ الأطفال الذين نشأوا في أسر مفكّكة أو بدون أب حاضر هم أكثر عرضة بأضعاف للانخراط في السلوكيات المنحرفة والجريمة والإدمان. هذه ليست مصادفة، بل هي نتيجة حتمية لتدمير مؤسسة الأسرة.

فهل نريد أن نرى هذا المشهد المظلم في مجتمعاتنا؟ هل نريد أن نفقد أجيالنا القادمة لأنّنا استوردنا نموذجًا فاشلًا ثبت فشله في بيئته الأصلية؟

ثالثًا: المستفيد الوحيد — أعداء الأمّة

لا بدّ أن نسأل أنفسنا سؤالًا جوهريًّا: من المستفيد من تدمير مؤسسة الأسرة المسلمة؟ بالتأكيد ليس الرجل المسلم، ولا المرأة المسلمة، ولا أطفالهما، ولا المجتمع المسلم ككلّ. المستفيد الوحيد هم أعداء هذه الأمّة الذين يريدون إضعافها من الداخل، وتفكيك نسيجها الاجتماعي، وتحويلها إلى مجتمعات هشّة لا تملك مقوّمات القوّة والاستمرار.

إنّ الأسرة المسلمة المتماسكة هي أقوى سلاح تملكه هذه الأمّة. هي المصنع الذي يخرّج الأجيال المؤمنة القويّة، وهي الحصن الذي يحمي القيم والأخلاق والدين. ولذلك فإنّ استهداف الأسرة ليس مصادفة ولا خطأً في التقدير، بل هو مخطّط مدروس يعرف تمامًا أين يضرب.

الفصل الخامس

الحلّ — عودة إلى المنبع الصافي

الحلّ ليس معقّدًا ولا بعيد المنال. الحلّ موجود بين أيدينا منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا. الحلّ في العودة إلى شريعة الله التي أنزلها رحمة للعالمين، والتي وضعت نظامًا متكاملًا للأسرة يحفظ حقوق الجميع ويمنع الظلم من كلّ الأطراف.

أولًا: تعزيز الوعي الشرعي

يجب أن يعرف كلّ مسلم ومسلمة ما هي حقوقه وواجباته الشرعية في الزواج. يجب أن نعلّم أبناءنا وبناتنا أنّ الزواج عبادة ومسؤولية، لا صفقة تجارية. يجب أن ننشر الوعي بأنّ النظام المالي الإسلامي للأسرة هو الأعدل والأحكم، وأنّ الذمّة المالية المستقلّة ليست ظلمًا للمرأة بل هي حماية لها وللرجل معًا.

ثانيًا: مقاومة موجات التغريب

يجب أن نقف بحزم في وجه كلّ محاولة لاستيراد قوانين غربية ثبت فشلها في بيئتها الأصلية. ليس من الحكمة ولا من العقل أن نستورد سمًّا قتل غيرنا لنجرّبه على أنفسنا. والمجتمعات الغربية نفسها اليوم تراجع كثيرًا من هذه القوانين بعد أن اكتشفت آثارها المدمّرة، فلماذا نبدأ نحن من حيث فشلوا؟

والله تعالى يقول: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50]. فمن ترك حكم الله واتّبع أحكام البشر القاصرة فقد رضي بحكم الجاهلية على حكم الرحمن.

ثالثًا: بناء ثقافة الزواج الصحيح

نحتاج إلى ثورة ثقافية حقيقية تعيد للزواج مكانته وقداسته في نفوس الناس. نحتاج أن نعلّم الشباب أنّ الزواج ليس عبئًا بل نعمة، وأنّ بناء الأسرة ليس تضحية بل استثمار في أعظم مشروع يمكن أن يقوم به الإنسان.

وقد حثّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على تيسير الزواج فقال: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوّج، فإنّه أغضّ للبصر وأحصن للفرج». وزوّج صلّى الله عليه وسلّم رجلًا من أصحابه على ما معه من القرآن، وأمهر بعض نسائه متاعًا بسيطًا، وقال: «أعظم النساء بركة أيسرهنّ مؤنة». فهذا هو منهج الإسلام في الزواج: التيسير لا التعسير، والبركة في القليل لا التباهي بالكثير.

نماذج نبوية: عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه لمّا هاجر إلى المدينة لم يملك شيئًا، فتزوّج بمهر نواة من ذهب — وهو مبلغ يسير جدًّا — فبارك الله له حتى أصبح من أغنى أغنياء الصحابة. والزبير بن العوّام رضي الله عنه تزوّج أسماء بنت أبي بكر وليس عنده إلا فرسه وناضح يسقي عليه، فعاشا في سعادة وكفاح وبنيا أسرة مسلمة قويّة. هذه هي النماذج التي يجب أن نقدّمها لشبابنا، لا نماذج الغرب المنهار.

نحتاج أن نيسّر الزواج ونزيل العقبات من أمام الشباب، وأن نحارب ثقافة المغالاة في المهور والتبذير في الأعراس التي أصبحت هي الأخرى عائقًا أمام الزواج. وقد قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: «لا تغالوا في صدقات النساء». وحذّر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من التعسير في الزواج لأنّه يفتح أبواب الفتنة والفساد على المجتمع.

الحلّ يبدأ من التربية، ويمرّ بالتعليم، ويصل إلى التشريع. وفي كلّ مرحلة من هذه المراحل يجب أن يكون المرجع هو شريعة الله التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: 32]. فالله تعالى وعد بالغنى والبركة لمن أقدم على الزواج بنيّة صادقة وتوكّل على الله.

خاتمة

صرخة أخيرة

هذا ليس مجرّد مقال أو بحث. هذه صرخة من القلب إلى كلّ مسلم ومسلمة يهمّهما مستقبل هذه الأمّة. نحن أمام مفترق طرق خطير: إمّا أن نحافظ على هويّتنا ونحمي أسرنا بشريعة ربّنا، وإمّا أن ننجرف خلف نماذج فاشلة ندفع ثمنها أجيالنا القادمة.

الأسرة هي خطّ الدفاع الأوّل عن الأمّة. حين تسقط الأسرة، يسقط كلّ شيء خلفها. وحين نحمي الأسرة، نحمي الدين والمجتمع والمستقبل. فلنكن على قدر هذه المسؤولية، ولنتّق الله في أنفسنا وأهلينا وأمّتنا.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]

وقفة أخيرة

وعيد شديد وتحذير خطير لمن يُقرّ هذه القوانين أو ينخرط فيها

وقبل أن نختم هذا البحث، لا بدّ من وقفة صريحة ومباشرة، لا مجاملة فيها ولا تلطيف، مع كلّ من يسعى إلى إقرار هذه القوانين الدخيلة أو يروّج لها أو يرضى بها أو ينخرط فيها بأيّ شكل من الأشكال. فليعلم هؤلاء أنّهم يلعبون بالنار، وأنّ الأمر أخطر بكثير ممّا يتخيّلون.

  • أوّلًا: من حكم بغير ما أنزل الله أو دعا إليه فقد تعرّض لوعيد رباني مخيف. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: 45]، وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 47]، وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44]. ثلاث آيات في سورة واحدة جمعت الكفر والظلم والفسق لمن ترك حكم الله واتّبع أحكام البشر.
  • ثانيًا: من استحلّ أموال الناس بغير حقّ شرعي فقد أكل سحتًا ونارًا. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188]. وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «كلّ لحم نبت من سحت فالنار أولى به».
  • ثالثًا: من أفسد بين الزوجين وسعى في التفريق بينهما فقد ارتكب كبيرة من أعظم الكبائر. قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «ليس منّا من خبّب امرأة على زوجها». فكيف بمن لا يكتفي بالإفساد بين زوجين، بل يسعى لتدمير مؤسسة الزواج في المجتمع كلّه من خلال قوانين تجعل كلّ زوج يتربّص بالآخر؟
  • رابعًا: من تسبّب في إشاعة الفاحشة بين المسلمين بصرفهم عن الزواج الشرعي ودفعهم نحو العلاقات المحرّمة، فقد باء بوعيد قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: 19]. ولينتبه كلّ من يروّج لهذه القوانين: أنت حين تجعل الشباب يخافون من الزواج، فأنت تدفعهم — شئت أم أبيت — نحو الحرام.
  • خامسًا: من تشبّه بالكفار في قوانينهم ونظمهم التي تخالف شريعة الله فقد حذّره النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أشدّ التحذير. قال صلّى الله عليه وسلّم: «من تشبّه بقوم فهو منهم». قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أقلّ أحوال هذا الحديث التحريم وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبّه بهم.
  • سادسًا: لتعلم كلّ امرأة تفرح بمثل هذه القوانين وتروّج لها أنّها لا تحمل وزرها فقط، بل تحمل وزر كلّ من عمل بها واقتدى بها إلى يوم القيامة. قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من سنّ في الإسلام سنّة سيّئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء».
  • سابعًا: وليعلم كلّ مشرّع أو قاضٍ أو مسؤول يُقرّ مثل هذه القوانين أنّه يتحمّل أمام الله مسؤولية عظيمة لا يتحمّلها جبل. قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيّته». وقال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: «لو أنّ بغلة عثرت في العراق لخشيتُ أن يسألني الله عنها: لِمَ لم تُسوِّ لها الطريق يا عمر؟».
  • ثامنًا: ونحذّر تحذيرًا أخيرًا بالغ الشدّة — لكلّ رجل وامرأة — أنّ من أعان على ظلم ولو بشطر كلمة فقد أشرك في الإثم. قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].

تحذير أخير: فليتّقِ اللهَ كلُّ من يقرأ هذا الكلام. فإنّ الله لا تخفى عليه خافية، وإنّ الظلم ظلمات يوم القيامة، وإنّ أموال الناس لا تحلّ إلا بطيب نفس، وإنّ من أخذ حقّ امرئ مسلم بغير حقّ لقي الله وهو عليه غضبان.

قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «اتّقوا الظلم فإنّ الظلم ظلمات يوم القيامة». وقال صلّى الله عليه وسلّم: «من اقتطع حقّ امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرّم عليه الجنة». فيا ويل من يأكل أموال الناس ظلمًا، ويا ويل من يُعين على ذلك، ويا ويل من يسنّ له قانونًا ويا ويل من يسكت عنه!

النتيجة والخلاصة

خلص هذا البحث إلى نتائج جوهرية يمكن تلخيصها فيما يلي:

أوّلًا: فشل النموذج الغربي
إنّ قوانين تقسيم الثروة عند الطلاق في الغرب أثبتت فشلها الذريع وأدّت إلى تدمير مؤسسة الأسرة بشكل غير مسبوق، وتحوّلت من أداة حماية إلى أداة هدم.
ثانيًا: خطر الاستيراد
إنّ محاولة استيراد هذه القوانين إلى المجتمعات المسلمة هي خطر وجودي على الأمّة، وليست تقدّمًا ولا عدالة كما يزعم المروّجون لها.
ثالثًا: عدل الشريعة
إنّ الشريعة الإسلامية قدّمت نظامًا ماليًّا متكاملًا للأسرة يقوم على الذمّة المالية المستقلّة مع ضمان حقوق المرأة كاملة من خلال المهر والنفقة والميراث.
رابعًا: قداسة الميثاق
إنّ الزواج في الإسلام ميثاق غليظ قائم على المودّة والرحمة، ولا يجوز تحويله إلى عقد استثماري أو شركة أموال.
خامسًا: حماية المستقبل
إنّ الحفاظ على مؤسسة الأسرة هو حفاظ على الأمّة بأسرها، وإنّ تدميرها هو تدمير لمستقبل الأجيال القادمة.

والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.

فاللهمّ احفظ أسرنا ومجتمعاتنا، ووفّقنا لما تحبّ وترضى. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

تم بحمد الله

نصرة للحق وإعلاءً لكلمته