تحميل الكتاب
الفهرس
- إهداء
- المقدمة
الباب الأول: الترسانة التي خانت غزة
- أسلحة كانت كافية لتغيير مسار التاريخ
- حزب الله: مئة وخمسون ألف صاروخ في سُبات عميق
- العراق: جيوش اختارت الصمت
- أبو عزرائيل: أسد على العُزّل جبان أمام الأقوياء
- اليمن: النخوة التي فضحت الجميع
- الأسد: الحارس الذي لم يُطلق رصاصة
- إيران: حين تحرّكت الصواريخ لكرامة طهران لا لدماء غزة
- واحد بالمئة فقط كان سيغيّر كل شيء
- الأرقام القاتلة: حين يتكلم الحساب ويصمت الشعار
- وحدة الساحات: العهد الذي تبخّر عند أول اختبار
- على من عوّلت حماس؟
- خذلتم غزة قبلنا — فلا تُلقوا فشلكم على أمّتنا
- الجدول الزمني: حين كان الصمت قاتلاً
- الإسناد: نجدة بعد الموت
- بأس غزة الموثّق... وادعاءات بلا شاهد
- جزاء التخاذل: حين التهم العدو من خذل غزة
- أسلحة دُمّرت في صناديقها
- سقوط الأسد: الحساب الذي لا مفرّ منه
الباب الثاني: حرب الاثني عشر يومًا
- لماذا تحركت إيران؟ السؤال الذي يكشف كل شيء
- ضربات أبريل: ستة أشهر من الإبادة لم تحرّك صاروخًا واحدًا
- اغتيال هنية: الفضيحة التي لا تُغسل
- ظاهرة صوتية بلا أثر: النمط المتكرر
- ما الذي حرّك إيران إذن؟
- عملية الوعد الصادق: ضربة واحدة ثم صمت
- أيام التوبة: حين انتُهكت إيران في عقر دارها
- حرب حقيقية بنهاية مسرحية
- البداية: قطع الرأس
- اثنا عشر يومًا من النار
- تبادل قصف الأماكن الفارغة
- ترامب يشكر إيران!
- غزة الغائبة عن شروط السلام
- أسئلة لم يُجب عنها أحد
- شهادات من الداخل — حين يشهد عليهم أهلُهم
- بعد الحرب: هل تغيّر شيء لغزة؟
- أسد على المسلمين... نعامة أمام أمريكا وإسرائيل
- الموت لأمريكا: شعار يقتل المسلمين لا الأمريكان
- بعبع أمريكا الزائف
- طبول الحرب الجديدة
- وقبل أن ننتقل إلى الباب الثالث تأمّل هذا المشهد الأخير الذي يختصر كل شيء:
الباب الثالث: جذور الداء — تاريخ التآمر على أهل السنة
- جذور الداء الذي أضعف الأمة
- ليست إيران وحدها... لكنها المستفيد الأكبر
- غزو العراق 2003: حين فتحت إيران الطريق لأمريكا
- التمكين: كيف مُكّن للشيعة فبطشوا بأهل السنة
- فلسطينيو العراق: حين طُرد أصحاب القضية من بيوتهم
- أهل السنة: من قاوم الاحتلال حقًا؟
- الموصل وما بعدها: حين قاتل الشيعة تحت الراية الأمريكية
- الثمن الذي دفعه أهل السنة: محو مدن من الخريطة
- لبنان: إسكات كل صوت سنّي
- سوريا: أربعة عشر عامًا من الإبادة
- مصر: الدور الخفي في إسقاط مرسي
- اليمن: انقلاب وتنكيل وصمت أمريكي
- إيران مع أرمينيا ضد أذربيجان: حين سقط القناع الأخير
- أربعة عشر قرنًا من التاريخ: أين البأس الشيعي المزعوم؟
- الحاضر يشهد: تسعة وتسعون بالمئة من الجهاد سنّي
- واللحظة تشهد: طوفان الأقصى صنعه رجال غزة
- التشيع تحت غطاء المقاومة: كيف تعمل الماكينة
- الاستغلال العاطفي: حين تُصطاد العقول بدماء الأطفال
- الهلال الشيعي: من طهران إلى بيروت على جثث أهل السنة
- كفى تلاعبًا بعقول الأمة
الباب الرابع: الفخ — لا تبع دينك بشعار
- غزة ذريعة للطعن في الصحابة: المشهد كما حدث
- الفخ: حين تُستخدم دماء الأطفال لتصفية حسابات عمرها أربعة عشر قرناً
- تفكيك المغالطة قطعة قطعة
- لمن يدافع عن المسيئين: هل تظن الله سينصرك وأنت تلمز أولياءه؟
- أهل غزة في طليعة المدافعين عن الصحابة
- مصطلح "الدول السنية": الفخ اللغوي الخبيث
- تحويل البوصلة: حين سرقت إيران الأضواء من غزة
- من يدفع الفاتورة؟ حين ينقلب الحليف ويُطلب منا الثمن
- نعم إيران دعمت غزة... فهل هذا يُسكتنا؟
- هل الدعم المادي يشتري السكوت عن العقيدة؟
- ماذا قدّم أهل السنة؟ تعالوا نُحصي!
- لا تخلطوا بين أنظمتنا وبيننا!
- لا تجعلوا الدعم صك غفران
- الخاتمة
إهداء
إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين حملوا هذا الدين على أكتافهم ونقلوه إلينا طاهرًا نقيًا، ففتحوا القدس ودحروا الأكاسرة وأقاموا العدل في الأرض... ثم كافأهم بعض أبناء هذه الأمة بالسبّ واللعن والجحود.
وإلى رجال غزة الصامدين، الذين ساروا على درب الصحابة فقاتلوا بإيمانهم حين خذلتهم ترسانات الكاذبين، وأثبتوا للعالم أن النصر من عند الله لا من عند طهران.
وإلى كل أسرة في غزة مُحيت من السجل المدني ولم تُمحَ من سجلات الحق.
إلى كل أب فقد أطفاله تحت الأنقاض.
وإلى كل أم ودّعت ابنها بدعوة وابتسامة وصبر لا يعرفه إلا من ذاق الفقد تحت القصف.
وإلى كل يتيم أصبح وحيدًا في هذه الدنيا.
وإلى كل طفل حفظ القرآن بين الأنقاض وسمّاه أبوه عمر أو خالدًا أو صلاحًا... فكان اسمه شهادة على أن هذه الأمة لن تنسى رموزها مهما اشتد الظلام.
لكم جميعًا هذا الكتاب.
وقبل أن نمضي أيها القارئ أريد أن أعقد معك اتفاقًا من أول سطر: سأحترم عقلك.
لن أطالبك بتصديقي ولن أطالبك بموافقتي.
سأعرض عليك وقائع حدثت أمام العالم بأكمله يسهل التحقق منها بضغطة زر ولا يستطيع إنكارها أحد مهما كان انتماؤه.
وسأجيب في هذا الكتاب على كل سؤال قد يخطر في بالك وأنت تقرأ، وكل اعتراض قد يقفز إلى ذهنك، وكل حجة قد تسمعها من الطرف الآخر.
لن أتهرب من سؤال صعب ولن أتجاهل اعتراضًا قويًا.
كل ما أطلبه منك أن تقرأ بعقل مفتوح وقلب منصف، ثم احكم بنفسك.
وأريد أن أقول لك شيئًا قبل أن نبدأ: ما ستقرأه في هذا الكتاب ليس كلامًا أنقله عن غيري ولا تحليلات أستعيرها من محللين ولا أخبارًا أجمعها من شاشات الفضائيات.
هذه أحداث عشتُها يومًا بيوم وتابعتُها لحظة بلحظة وكتبتُها وأنا أشاهدها تقع أمام عينيّ. سجّلتُها لا لأنني أبحث عن شهرة أو أسعى لإثارة جدل بل لأنني أعرف أن التاريخ يُزوَّر. أعرف أن ما يحدث اليوم أمام أعين الجميع سيأتي غدًا من يُعيد روايته بطريقة مختلفة. سيُجمَّل القبيح ويُشوَّه الجميل وتُقلب الأدوار ويصبح الجلاد ضحية والضحية متّهمًا. حدث هذا من قبل وسيحدث مرة أخرى. فأردتُ أن أضع هذه الشهادة بين يديك كما رأيتُها بعيني لا كما سيرويها غدًا من لم يكن هناك.
المقدمة
حين صارت دماء غزة جسرًا للطعن في الصحابة
في يوم السابع من أكتوبر 2023، حين اخترق رجال الله في غزة جدار الذل والحصار، وأذلّوا جيشًا كان يوصف بأنه لا يُقهر، اهتزت الأمة الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها. خفقت القلوب فرحًا، وانتفضت الشعوب هتافًا، وبكى الملايين دموع الفخر والعزة بعد عقود من الهزائم والانكسارات. شعر كل مسلم في تلك اللحظة أن شيئًا قد تغيّر، وأن زمنًا جديدًا قد بدأ.
لكن ما تلا ذلك كان أشد قسوة من كل ما توقعه أحد.
انطلقت آلة الحرب الصهيونية بكامل جبروتها، تقصف وتدمّر وتقتل بلا تمييز. سقط الأطفال تحت الأنقاض، واحترقت المستشفيات، وتحوّلت أحياء بأكملها إلى ركام. كان العالم يشاهد، والأمة تبكي، والموت يحصد أرواح الأبرياء كل ساعة... وكان الجميع ينتظر: أين المحور الذي وعد بالنصرة؟ أين الترسانات التي قيل لنا إنها أُعدّت ليوم كهذا؟
أين وحدة الساحات التي طُبّل لها وزُمّر؟
لم يأتِ أحد.
تُركت غزة وحيدة تواجه الموت بصدور أبنائها العارية. وانكشفت حقيقة مؤلمة لم يكن كثيرون يريدون رؤيتها: أن محور إيران الذي ملأ الدنيا ضجيجًا عن تحرير القدس وإزالة إسرائيل من الخريطة لم يكن سوى فقاعة صابون تلمع تحت الأضواء وتتلاشى عند أول اختبار حقيقي.
وحين جاء هذا الاختبار لم يفشل المحور فحسب بل اختار الطريقة الأكثر مهانة في الفشل: فضّل الزوال على أن يموت بشرف دفاعًا عن غزة!
حزب الله الذي هدّد بإشعال المنطقة انهار تحت الضربات الإسرائيلية ولم يُطلق صاروخًا واحدًا يغيّر المعادلة.
ونظام الأسد الذي كان يُقدَّم على أنه "قلعة الممانعة" سقط في أيام دون أن يُقاتل ودون أن تتحرك إيران لإنقاذه.
المحور كله تهاوى كبيت من ورق لكنه لم يتهاوَ وهو يقاتل من أجل فلسطين بل وهو يفرّ من المعركة!
كان يملك أن يسقط وهو يُقاتل فيُكتب له في التاريخ سطر واحد مشرّف. لكنه اختار أن يسقط وهو يتفاوض على بقائه ويساوم على رأسه. فلا هو نصر غزة ولا هو حفظ ماء وجهه.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح بكل وضوح على كل من لا يزال يراهن على هذا المحور:
إذا لم يتحرك الآن فمتى يتحرك؟ غزة كانت ولا زالت تُباد أمام العالم. شعب بأكمله يُقتل ويُجوَّع ويُهجَّر. المسجد الأقصى يُدنَّس كل يوم. القضية التي رفعتموها شعارًا لنصف قرن تُصفّى أمام أعينكم. فإن لم يكن هذا هو الوقت الذي تنتظرونه فأي وقت تنتظرون؟
أم أن الحقيقة التي لا يريد أحد أن يقولها هي أنه لا يوجد وقت أصلًا؟ لأن المحور لم يُبنَ يومًا لتحرير فلسطين بل بُني لتوسيع النفوذ الإيراني باسم فلسطين. وشتّان بين الأمرين.
لكن المأساة لم تقف عند التخاذل العسكري وحده.
في خضم هذا الألم، وبينما كانت الأمة تتابع بقلوب مكلومة مشاهد الدمار والقتل والتشريد، برز مشهد آخر لا يقل قبحًا عن مشاهد القصف.
مشهد لم يأتِ من العدو الصهيوني، بل جاء من داخل صفوفنا: أقوام استغلوا دماء أطفال غزة ونسائها وشيوخها لتمرير أجندة طائفية خبيثة، فجعلوا من مأساة فلسطين جسرًا للطعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسوطًا يُجلدون به المسلمين ويسبّونهم ويُخوّنونهم ويتّهمونهم بالتخاذل، وكأن الأمة التي تُقمع وتُسجن وتُحاصر من حكوماتها هي المسؤولة عن كل ما يجري!
ومن العجائب أننا ابتُلينا بأقوام سفهاء يريدون أن نسكت عن الإساءة لأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين. لماذا؟ لأن إيران وحزب الله وقفوا مع فلسطين بزعمهم! وكأن الدفاع عن حَمَلة الوحي ونقلة الدين الذين زكّاهم الله في كتابه صار جريمة في زمن الحرب!
وكأن الصمت عن الإساءة لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم صار واجبًا شرعيًا لا يجوز الخروج عليه، وكأن من يغضب من أجل الصحابة قد ارتكب خيانة عظمى، وكأن الولاء لهذه الأمة لا يكتمل إلا بابتلاع الإهانة والتطبيع مع الطعن في خيرة خلق الله بعد الأنبياء مجاملةً لمحور لم ينصر غزة حين كانت تستغيث!
ظهر من ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي إساءات صريحة وقحة لخيرة هذه الأمة بعد نبيها. ثم حين واجههم المسلمون بالإنكار والغضب المشروع، لجأوا إلى حيلة خبيثة: ربط الدفاع عن الصحابة بالتخاذل عن غزة!
فصار الرد على من يطعن في الصحابة جريمة، والسكوت عن الإساءة لرموز الأمة فريضة... بحجة غزة!
ومن أبرز من تصدّر هذا المشهد الممثل عمرو واكد الذي لم يكتفِ بالتعاطف مع القضية الفلسطينية كما يفعل كل مسلم شريف، بل اتخذها منصة للطعن في الصحابة واتهام المسلمين بعبادتهم! وراح ينبش في وقائع قديمة كحادثة السقيفة ويعيد تقديمها بقراءة شيعية خالصة تطعن في ذمم الصحابة ونواياهم وتشكّك في إيمانهم، وكأن مهمته في هذه الحرب ليست نصرة غزة بل نسف ثقة المسلمين بأصحاب نبيهم!
المغالطة المكشوفة
حدث ذلك أكثر من مرة أمام أعيننا جميعًا. فلما ثار عليه المسلمون غاضبين منكرين، لم يعتذر ولم يتراجع، بل غرّد قائلًا ما معناه: أمة لم تهتز من كل دماء غزة ولكنها اهتزت من تغريدة!
تأمّل هذا المنطق المعوج. تأمّل هذا الخبث في تحويل الموضوع وتلويث النقاش.
هذه مغالطة منطقية شهيرة تُسمى مغالطة الرنجة الحمراء: أي تعمّد تغيير الموضوع الأصلي إلى موضوع آخر مثير للمشاعر لصرف الانتباه عن جوهر الخلاف. يهرب صاحب الإساءة من مواجهة جريمته بالطعن في الصحابة، ويُحوّل النقاش إلى اتهام الأمة بالتخاذل عن غزة. يستخدم دماء الأطفال درعًا يختبئ خلفه بعد أن أساء لأولياء الله ورموز دينه. وحين يستكبر المرء ولا يريد الرجوع إلى الحق، فهو يلجأ لمثل هذه المناورات المكشوفة.
لكن المسألة التي تستعصي على الفهم حقًا ليست تصرف هذا الرجل وحده، فأمثاله كثيرون ومنطقهم مكشوف لكل ذي بصيرة. المسألة الأعجب هي قيام بعض المحسوبين على أهل السنة بالدفاع عنه! أناس يعلّقون قائلين إن معه الحق، وإن الأمة بالفعل متخاذلة، وإن من يغضب لتغريدة ولا يغضب لدماء غزة منافق!
فأسأل هؤلاء بكل هدوء: ما العلاقة بين التطاول على الصحابة الكرام وبين تخاذل بعض الأنظمة أو بعض المسلمين عن نصرة غزة؟
هل الطعن في أبي بكر الصدّيق وعمر الفاروق رضي الله عنهما هو انتصار لدماء غزة؟
هل سبهم والانتقاص منهم سيوقف القصف عن أطفال غزة؟
أم هو انتقام من الأمة بالطعن في رموزها وأوليائها وحملة الوحي، وكأن هذا بالضرورة سيجلب لنا النصر؟
أم ربما هي مجاملة لإيران التي ساندت غزة بزعمهم؟ وحينها فالأمر أيضًا غير مفهوم!
فهل سيؤدي طعننا في الصحابة وموافقة الشيعة في ذلك إلى حثهم على نصرتنا بدلًا من هذه الأمة التي يصفونها بالمتخاذلة؟
هل إذا سببنا عمر بن الخطاب فاتح القدس سيتحرك حزب الله لتحريرها؟
هل إذا لعنّا أبا بكر الصدّيق ستُطلق إيران صواريخها على تل أبيب؟
ثم السؤال الأخير والأهم لكل من يؤيد هذا المنطق المقلوب: هل تعتقد أن الله تعالى سينصرك وأنت تلمز أولياءه مجاملة للروافض؟ هل تظن أن النصر يأتي لأمة تتنازل عن ثوابتها وتبيع رموزها طمعًا في رضا من لم ينصرها أصلًا؟
الحقيقة التي يتجاهلونها
والحقيقة التي يتجاهلها هؤلاء عمدًا أو جهلًا أن الذين اهتزوا لدماء غزة هم أنفسهم الذين اهتزوا لتلك الإساءات الحمقاء. هم نفس الناس! المسلم الذي يبكي على أطفال غزة هو نفسه الذي يغضب حين يُسبّ أبو بكر وعمر. والمسلم الذي يتظاهر في الشوارع نصرة لفلسطين هو نفسه الذي ينتفض حين تُهان عائشة أم المؤمنين.
ليس هناك تناقض في ذلك إلا في عقول من يريدون أن يفصلوا الأمة عن ثوابتها.
أما الذين سكتوا عن تلك الإساءات ورحّبوا بها وصفّقوا لها، فكثير منهم هم من سكتوا أصلًا عن تلك الدماء الزكية، أو كانوا شركاء في سفكها في سوريا والعراق ولبنان واليمن. هي نفس المناورات الساذجة التي لاحظها كل من تعامل مع المتشيعين: إذا كلّمتهم بالمنطق وواجهتهم بالحقائق، انتهى بهم الأمر مقرّين بالتشيع الذي طالما كانوا ينكرونه. فكثير ممن يدافعون عن الطعن في الصحابة تحت غطاء فلسطين ليسوا متعاطفين مع القضية كما يزعمون، بل هم متشيعون يستغلون المناخ العاطفي لتمرير عقائدهم الباطلة.
فلسطين عقيدة... وفاتحها الأول هو من تسبّونه!
فلسطين في ديننا ليست مجرد قضية سياسية أو صراع على أرض. فلسطين عقيدة. هي مسرى النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة أسري به إلى المسجد الأقصى. هي أمانة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي فتحها بنفسه، ودخلها بتواضع العلماء وعدل الخلفاء، حتى شهد له العدو قبل الصديق بأنه من أعدل حكام الأرض.
فكيف يُعقل أن تُنصر فلسطين بالطعن في فاتحها الأول؟ كيف يستقيم في عقل عاقل أن نسبّ الرجل الذي حرّر المسجد الأقصى من أجل إرضاء من لم يحرر شبرًا واحدًا منه؟
بل لولا الله ثم عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما كانت فلسطين قضية إسلامية من الأساس! هو الذي فتحها وأدخلها في حوزة المسلمين وجعل الأقصى مسجدًا يُصلّى فيه بعد أن كان خرابًا. فالذي يسبّ عمر لا يسبّ صحابيًا فحسب، بل يسبّ الرجل الذي صنع القضية التي يزعم أنه يدافع عنها!
ولكن لنفهم جذور هذا البغض، فهو ليس عشوائيًا ولا عابرًا. إن الشيعة لا يبغضون عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقط لأنه خليفة من خلفاء المسلمين، بل يبغضونه لسبب أعمق بكثير: عمر بن الخطاب هو الذي أسقط الإمبراطورية الفارسية وأزال عرش كسرى إلى الأبد!
هو الذي فتح بلاد فارس ونشر فيها الإسلام وأنهى عصر المجوسية والتكبّر الفارسي. هذا الجرح لم يندمل في نفوس الفرس حتى اليوم. حين يلعن الشيعة عمر فهم لا يلعنون صحابيًا فحسب، بل ينتقمون من الرجل الذي أسقط إمبراطوريتهم ودمّر عرش أجدادهم وأطفأ نارهم التي كانوا يعبدونها.
ولذلك تجد في إيران حتى اليوم عيدًا يحتفلون فيه بمقتل عمر رضي الله عنه! يحتفلون باغتيال الرجل الذي فتح القدس وحرر فارس! فهل يُعقل أن ننتظر نصرة القدس ممن يحتفل بمقتل فاتحها؟
وأما صلاح الدين الأيوبي فالقصة أعجب وأكثر كشفًا. هل تعلم أن الشيعة يبغضون صلاح الدين أكثر من بغضهم للصحابة أنفسهم؟ والسبب مزدوج وعميق: صلاح الدين لم يحرر القدس من الصليبيين فحسب بعد أن بقيت في أيديهم قرابة تسعين عامًا، بل فعل قبل ذلك ما هو أخطر في نظرهم: أسقط الدولة الفاطمية الشيعية في مصر! تلك الدولة التي حكمت مصر وأجزاء من الشام واليمن وشمال أفريقيا لقرون، وكانت أقوى كيان شيعي في التاريخ. جاء صلاح الدين فأسقطها وطهّر مصر من التشيع وأعادها إلى الحضن السني، ثم انطلق منها ليحرر القدس.
تأمل هذا: الرجل الذي طهّر بلاد المسلمين من الدولة الشيعية ثم حرر القدس يبغضه الشيعة أشد البغض! وهذا يكشف لك جوهر المشكلة: هم لا يبغضون هذه الرموز لأسباب دينية بحتة كما يزعمون، بل يبغضونهم لأن هذه الرموز أسقطت مشاريعهم السياسية والمذهبية عبر التاريخ. عمر أسقط فارس، وصلاح الدين أسقط الفاطميين... فكيف يحبونهم؟
ومن يبغض محرر القدس ومسقط الدولة الشيعية، هل تتوقع منه أن ينصر القدس حقًا؟ أم أن تحرير القدس على يد أهل السنة هو كابوسهم الأكبر لأنه سيُعيد التاريخ الذي يكرهونه؟
اعرف عدوك جيدًا قبل أن تتهاون في عقيدتك وتقبل التطاول على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب موقف هنا أو هناك.
القضية الفلسطينية ليست صك غفران
إن الدفاع عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شرف لكل مسلم في كل زمان ومكان، لا يسقط بحرب ولا يتعطّل بأزمة ولا يتوقف بمصيبة. والقضية الفلسطينية ليست صك غفران لأحد مهما كان. لا يحق لفنان أو سياسي أو مشهور أن يسيء لرموز الأمة ثم يحتمي بغزة. ولا يحق لأحد أن يجعل من التعاطف مع فلسطين بوابة للتشيع أو مدخلًا للتطاول على الثوابت.
ولن نقبل الإساءة لأبي بكر وعمر بحجة أن فنانًا أو فنانة أو شخصية مشهورة تعاطفوا مع قضيتنا. الولاء للأمة يبدأ من احترام رموزها. ومن لا يحترم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحق له أن يتحدث باسم أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
حذاء أبي بكر وعمر رضي الله عنهما خيرٌ من جميع الميليشيات الإيرانية وقياداتها وكل مؤيد لهم يطعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذه ليست مبالغة ولا غلوًا، بل هي حقيقة مؤسسة على نصوص قطعية لا يماري فيها مسلم:
قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾.
رضي الله عنهم! ليس رضا بشر يتبدّل بل رضا الله الذي لا يرضى إلا عن أهل الصدق والإيمان.
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾.
بيعة الرضوان التي شهد الله لأصحابها بالإيمان وأنزل السكينة عليهم.
وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾.
وصفهم الله بالشدة على الكفار والرحمة فيما بينهم، فمن يصفهم بغير ما وصفهم الله به فقد ردّ على الله كلامه.
وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾.
والصحابة هم أول من دخل في هذا الخطاب وأولى من انطبق عليه.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تسبّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهبًا ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه."
فأخبر النبي أن جبل أُحد ذهبًا من أحدنا لا يساوي حفنة طعام من صحابي واحد. فكيف بمن يسبّهم ويلعنهم؟
وقال صلى الله عليه وسلم: "الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا بعدي، فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم."
فمن يطعن في هؤلاء لا يطعن في بشر عاديين. يطعن في قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ورضي عنهم في كتابه وحذّر النبي من إيذائهم. فمن أنتم حتى تطعنوا فيمن رضي الله عنه؟
أهل غزة أوّل المدافعين عن الصحابة
ومن المفارقات التي يجب أن تُذكر وتُؤكد: أهل غزة أنفسهم، الذين يُقتلون كل يوم ويتحملون ما لا يتحمله بشر، هم من أكثر الناس حبًا لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة رضي الله عنهم. يسيرون على نهج الفاتحين الأوائل، ويسمّون أبناءهم بأسماء الصحابة، ويحفظون القرآن الذي جمعه عثمان، ويتّبعون السنة التي نقلها أبو هريرة وعائشة وابن عمر وأنس رضي الله عنهم أجمعين.
أهل غزة لا يقبلون أن تُستغل مأساتهم لتصفية حسابات أيديولوجية لا تخدم إلا أعداءهم. وقد كانوا هم أنفسهم في طليعة من ردّ على تلك الإساءات حين ظهرت.
فمن يزعم أنه ينصر غزة بسبّ الصحابة، فليسأل أهل غزة أنفسهم ماذا يقولون في ذلك.
هذه ليست نصرة بل متاجرة مفضوحة ومكشوفة وتصفية حسابات فكرية لا علاقة لها بغزة.
كفى تلاعبًا! القضية أطهر من أن يلوثها أصحاب الأجندات المشبوهة.
ومن أراد أن يوجّه سهامه فعليه بالعملاء والمنافقين والمتخاذلين والداعمين للصهاينة والمطبّعين مع العدو والساكتين عن دماء المسلمين، لا بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم!
وساعتها لن يردّ عليكم أحد ولن تجدوا منا إلا كل دعم ومساندة، بل نحن نفعل ذلك بالفعل ولم نتوقف يومًا عن فضح المطبّعين والمتآمرين على القضية.
لكن الفارق بيننا وبينكم أننا نعرف عدونا الحقيقي ولا نخلط بينه وبين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كاشفة لخفايا القلوب
هذه المسألة كاشفة لخفايا القلوب. هي تمحيص للمؤمنين واختبار للصادقين. بها نعلم الصادق من الكاذب، والثابت من المتذبذب، والمؤمن الحقيقي من المنافق المتلوّن.
فمن ثبت على ولائه لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته ولم يساوم على عقيدته تحت ضغط المشاعر والأحداث والابتزاز العاطفي، فهذا هو المؤمن الحقيقي الذي يستحق أن يُقتدى به.
ومن تزعزع وبدأ يتنازل ويجامل ويقبل الإساءة لرموز الأمة مجاملة لمحور لم ينصر غزة أصلًا كما سنثبت في هذا الكتاب، فقد وقع في الفخ الذي نُصب له بعناية فائقة.
وحتى لو وحاكمنا الأمر بمقاييس السياسة التي يمارسها هؤلاء، فإن أولى الناس بالتوقير والتعظيم والدفاع عنهم هم الصحابة رضي الله عنهم.
فأبو بكر الصديق هو الذي حمى دولة الإسلام من الانهيار في أخطر لحظة في تاريخها حين ارتدّت قبائل العرب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فثبت حين تزلزل الجميع وأنقذ هذا الدين بعد الله من الزوال.
وعمر بن الخطاب هو الذي فتح بيت المقدس الذي تتباكون عليه اليوم وأسقط إمبراطورية فارس التي تحاولون إحياءها. فبأي منطق وبأي عقل تسبّون من حفظ لكم دينكم وفتح لكم قدسكم؟
ومن عجائب هذا الزمان أن الذين يرقّعون لإيران وحزب الله كل جرائمهم البشعة في سوريا والعراق ولبنان واليمن ويبتلعون مجازرهم بحق مئات الآلاف من المسلمين ويبرّرون لهم كل فضيحة ويتأولون لهم كل جريمة... هم أنفسهم من يفتحون ملفات التاريخ القديم ويحاسبون الصحابة هم أنفسهم يتسامحون مع من كان يكبس البشر بالمكابس الحديدية في سجن صيدنايا، ويؤيدون ويترحمون على من ذبح الأطفال في القصير وحلب وحمص وقتل الفلسطينيين في مخيم اليرموك.
لن نخدع فدماء أهل سوريا والعراق لم تجف بعد!
لماذا هذا الكتاب؟
أقولها بكل وضوح ووضعها أمام الله شهادة: والله لو كان الثمن أن أترك كل نشاطي الإعلامي، فلن أنحاز يومًا للكيان الصهيوني، ولا يمكن أن أكون ما حييت مؤيدًا أو مباركًا لإجرامهم حتى ضد ألدّ وأخبث أعدائي وعلى رأسهم إيران.
نعم. نحن نفرح بكل ضرر يصيب الكيان الصهيوني ونتمنى زواله من كل قلوبنا. لكن هذا لا يمكن أبدًا أن يكون على حساب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. لا يمكن أن يكون على حساب العقيدة والثوابت والهوية.
نعم، نرفض الاحتلال الصهيوني وندعو إلى مقاومته بكل الوسائل ونشجع على ذلك رغم عجزنا وقلة حيلتنا وخيانة وتآمر حكامنا. لكننا لا ننسى سجل إيران الطويل في إذكاء الفتن في بلادنا ودعم الأنظمة القمعية وتدمير بلدان عربية سنية بأكملها. وهذا بالمناسبة أحد أسباب ضعفنا وقوتهم.
لذلك جاء هذا الكتاب.
في هذا الكتاب سنكشف الصورة الكاملة بلا رتوش ولا مجاملة. سنكشف أن محور إيران الذي يُراد منا أن نبتلع الإساءة لرموزنا مجاملة له، هو نفسه المحور الذي خذل غزة في أحلك لحظاتها وتركها تواجه الموت وحيدة.
سنثبت بالوقائع أن هذا المحور استخدم القضية الفلسطينية وقودًا لمشروعه الطائفي التوسعي، وأنه لم ينصر غزة بالفعل بل تاجر بدمائها. سنعود إلى التاريخ القريب الذي يحاولون محوه من الذاكرة لنكشف كيف تآمر هذا المحور مع أمريكا على أهل السنة في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وسنكشف كيف أن أمريكا انقلبت عليهم الآن ويريدون منا نحن أهل السنة أن ندفع الفاتورة معهم!
سنكشف مسرحية حرب الاثني عشر يومًا التي قاتلت فيها إيران دفاعًا عن كرامتها لا عن غزة، ثم قبلت بوقف إطلاق النار دون أن تذكر غزة في شروط السلام. سنكشف التحالف الأمريكي الشيعي الذي دمّر العراق وسوريا واليمن ولبنان. وسنكشف كيف يُستغل كل ذلك لنشر التشيع والطعن في رموز الأمة.
رفقًا بعقول الناس
هذا الكتاب ليس دعوة للفتنة بل دعوة للوعي. ليس هجومًا على فئة بل دفاعًا عن أمة تُستهدف ثوابتها تحت غطاء القضايا المشروعة. وليس هدفه صرفك عن تمني أي ضربة تصيب العدو الصهيوني ولا هدفنا تأييد الاعتداء الأمريكي الصهيوني المرتقب على إيران، بل هدفه أن تعرف الحقيقة كاملة وألّا تُضخّم الأحداث وتغلفها بالدين وتُلبسها لباس العقيدة فتفتح باب فتنة جديد على العامة.
والله يعلم أننا ما أردنا كتابة هذا الكتاب ولا تمنّيناه. في زمن تقصف فيه غزة ويجوع أهلها، وكنا نتمنى أن تُصرف كل طاقاتنا لنصرتها لا للرد على من يستغل دماءها. لكنه ردّ فعل فرضه علينا من أبى إلا أن يخلط الأوراق ويطعن في رموزنا ويستغل جراحنا. فُرض علينا فرضًا حين رأينا الفتنة تتسلل إلى عقول شبابنا ورأينا من يبيع ثوابت الأمة في سوق المزايدات على حساب القضية. ولو سكت هؤلاء عن الصحابة وعن جلد الأمة لسكتنا، ولو وجّهوا سهامهم للعدو الحقيقي لكنا معهم لا عليهم.
لذلك نقول في ختام المقدمة: رفقًا بعقول الناس، فالعقل لا يغيب في لحظات الغضب، والبصيرة لا تُغلق عند اشتعال الحروب.
الوعي لا يعني أن نغض الطرف عن ظالم لأنه يقاتل ظالمًا آخر. بل يعني أن نساند القضية العادلة ونرفض الاحتلال دون أن نزيّن موالاة أعداء الإسلام أو يكون ذلك على حساب العقيدة.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
الباب الأول: الترسانة التي خانت غزة
في الليلة الأولى من القصف، جلست أمٌّ في غزة تضمّ أطفالها الأربعة إلى صدرها. كانت الأرض ترتجف تحتهم والسقف يتشقق فوقهم والظلام يبتلع كل شيء. همس ابنها الأصغر: "ماما، متى يجيء الناس يساعدونا؟" نظرت في عينيه ولم تجد ما تقوله. لأنها كانت تسأل نفسها السؤال ذاته.
كانت تعرف أن هناك مئة وخمسين ألف صاروخ في لبنان. سمعت عنها في الخطابات. كانت تعرف أن هناك جيوشاً في العراق وسوريا وإيران. رأتهم على الشاشات يستعرضون. كانت تعرف أن هناك عهداً اسمه وحدة الساحات. قرأت عنه في الأخبار.
لكنها لم تكن تعرف أن كل ذلك كان وهماً.
لم تكن تعرف أن تلك الصواريخ ستبقى في صناديقها حتى يأتي العدو ويدمرها. ولم تكن تعرف أن تلك الجيوش لن تطلق رصاصة واحدة. ولم تكن تعرف أن ذلك العهد سيتبخر عند أول اختبار.
هذا الباب يروي قصة تلك الخيانة. خيانة الترسانة التي نامت. والوعد الذي تبخّر. والمحور الذي خذل غزة.
أسلحة كانت كافية لتغيير مسار التاريخ
لنضع المشاعر جانباً. لنضع الشعارات والخطابات الحماسية ومقاطع الفيديو الدعائية في درج مقفل ونفتح بدلاً منها ملف الحقائق المجردة. ملف الأرقام التي لا تكذب ولا تُجامل ولا تعرف الولاء لطائفة أو محور. لنسأل سؤالاً بارداً حاداً كحد السكين: كم كان حجم القوة العسكرية التي كان يملكها محور إيران في لحظة اندلاع طوفان الأقصى؟
الجواب على هذا السؤال هو مفتاح فهم كل ما سيأتي في هذا الكتاب. لأنك حين تعرف حجم ما كانوا يملكون، ستفهم حجم ما كانوا يستطيعون فعله. وحين تفهم حجم ما كانوا يستطيعون فعله، ستدرك حجم الخيانة التي ارتكبوها بحق غزة وأهلها.
حزب الله: مئة وخمسون ألف صاروخ في سُبات عميق
بنى حزب الله على مدار أكثر من عقدين ترسانة عسكرية لم يشهد لها تاريخ الميليشيات غير النظامية مثيلاً. ليست هذه مبالغة أو كلام إنشائي، بل هي تقديرات صادرة عن أجهزة استخبارات غربية وإسرائيلية، نشرتها مراكز أبحاث دولية محترمة وأكدتها تقارير عسكرية رسمية.
أكثر من مئة وخمسين ألف صاروخ ومقذوف من مختلف الأنواع والأحجام والمديات. تأمل هذا الرقم جيداً: مئة وخمسون ألفاً! ليست هذه ألعاباً نارية، بل صواريخ حقيقية بعضها بدائي قصير المدى وكثير منها متطور دقيق قادر على ضرب أي نقطة في العمق الإسرائيلي. صواريخ قادرة على الوصول إلى تل أبيب وحيفا وديمونة ومطار بن غوريون وكل المنشآت الحيوية في الكيان الصهيوني.
لكن الصواريخ لم تكن كل شيء. كان لدى الحزب منظومة عسكرية متكاملة تشمل أنفاقاً محصّنة بُنيت على مدار سنوات طويلة تحت الأرض اللبنانية، بعضها يمتد لكيلومترات ويحتوي على غرف عمليات ومستودعات ذخيرة ومراكز قيادة وسيطرة.
كان لديه منظومات دفاع جوي قادرة على تهديد الطيران الإسرائيلي. وكان لديه مسيّرات مسلحة متطورة بعضها إيراني الصنع وبعضها مُصنّع محلياً.
وكان لديه أسلحة مضادة للدروع والدبابات. وكان لديه آلاف المقاتلين المدربين على أعلى مستوى، كثير منهم اكتسب خبرة قتالية حقيقية في ميادين سوريا والعراق.
كل هذا السلاح، كما قيل لنا سنوات طويلة ودون انقطاع، كان مُعدّاً ليوم الحسم. ليوم تتعرض فيه الأمة لخطر وجودي. ليوم تحتاج فيه فلسطين من يقف معها في وجه آلة الإبادة الصهيونية. ليوم مثل السابع من أكتوبر وما تلاه بالضبط.
فأين كان هذا اليوم؟ لماذا لم يأتِ؟ ولماذا بقيت هذه الترسانة الهائلة نائمة في مخازنها بينما كانت غزة تُباد حياً بعد حي ومستشفى بعد مستشفى ومخيماً بعد مخيم؟
والأنكى من ذلك، والأمَرّ والأشد إيلاماً، أن هذا السلاح الذي قيل لنا إنه لمواجهة إسرائيل لم يكن نائماً دائماً. بل كان مستيقظاً نشطاً فاعلاً حين كان الهدف مختلفاً.
كان مستيقظاً حين استُخدم في قمع أهل السنة في لبنان نفسه!
كان مستيقظاً في مايو 2008 حين احتلّ حزب الله بيروت الغربية بقوة السلاح من أجل المناصب.
كان مستيقظاً حين واجه الشيخ أحمد الأسير فكّ الله أسره وأنصاره بكل وحشية لأنهم تجرأوا على المطالبة بحقوق أهل السنة في لبنان ودعموا الثورة السورية.
كان مستيقظاً حين أُرسل إلى سوريا ليقتل الشعب السوري الثائر ويحمي نظام الأسد المجرم.
كان السلاح مستيقظاً لكل شيء إلا للشيء الذي صُنع من أجله كما زعموا: مواجهة إسرائيل في لحظة الحقيقة!
العراق: جيوش اختارت الصمت
في العراق المشهد لا يقل فداحة. تنتشر في هذا البلد المنكوب عشرات الميليشيات المسلحة المدعومة إيرانياً بشكل مباشر. بعضها منضوٍ تحت ما يسمى بالحشد الشعبي وله غطاء رسمي وميزانية حكومية وتسليح متقدم. وبعضها يعمل خارج أي إطار رسمي كأذرع إيرانية خالصة لا تدين بالولاء إلا لطهران ومرشدها الأعلى.
هذه الميليشيات ليست تشكيلات رمزية أو مجموعات صغيرة. هي جيوش بأكملها. عشرات الآلاف من المقاتلين المدججين بالسلاح. صواريخ كاتيوشا بمختلف الأحجام. مسيّرات انتحارية ثبتت فعاليتها في عمليات سابقة. صواريخ مضادة للدروع. منظومات إلكترونية متقدمة. ومنظومة لوجستية ومالية ضخمة تموّلها إيران وتموّلها عائدات النفط العراقي المنهوب.
والأهم من كل ذلك أن هذه الميليشيات تملك شيئاً لا يقل أهمية عن السلاح: الخبرة القتالية الحقيقية. خاضت حروباً فعلية في العراق وسوريا. عرفت ميدان المعركة وذاقت طعم الحرب. ليست ميليشيات نظرية تتدرب في المعسكرات فحسب، بل قوات مارست القتال الحقيقي لسنوات.
لكن ضد من مارست هذا القتال؟ هنا الطامة الكبرى. هذه الخبرة القتالية اكتُسبت في قتال أهل السنة! في العراق وسوريا. في الموصل والأنبار وصلاح الدين وحلب ودرعا وحمص ودمشق. الخبرة التي كان يمكن أن تُستخدم ضد العدو الصهيوني استُخدمت في ذبح المسلمين السنة وتهجيرهم وتدمير مدنهم.
ومع كل هذه القدرات والخبرات والأعداد، حين جاءت ساعة الحقيقة في غزة، ماذا فعلت هذه الميليشيات؟
لا شيء. لا شيء يستحق الذكر.
لا صاروخ واحد باتجاه العدو. لا عملية واحدة ذات معنى عسكري حقيقي. فقط بيانات تضامنية على مواقع التواصل الاجتماعي مثل عامة الناس. فقط شعارات نارية وخطب حماسية وتصريحات تتوعد وتهدد. بينما الأطفال يموتون في غزة كل يوم. بينما المستشفيات تُقصف والمدارس تُدمّر والأسر تُباد بأكملها. كانت الميليشيات العراقية بكل ترسانتها وكل مقاتليها وكل خبراتها تجلس في ثكناتها وتكتفي بالمتابعة وبعضها يقاتل في سوريا ضد أهل السنة.
وحين جاءت مرحلة ما سُمّي بالإسناد المتأخر، كان صمت العراق هو الأكثر فداحة. عشرات الآلاف من المقاتلين المسلحين. صواريخ ومسيّرات وعربات مدرعة وخبرة قتالية. كل هذا كان متاحاً وجاهزاً. لكن القرار ليس في بغداد. القرار في طهران. وطهران التي تتحكم بهذه الميليشيات كما يتحكم سائس الخيل بجواده، لم تأذن بالتحرك لأن مصلحتها لم تكن في التصعيد. مصلحتها كانت في الحفاظ على ملفها النووي وعلى نفوذها الإقليمي.
فبقيت عشرات الآلاف من البنادق في مخازنها. وبقيت الشعارات فقط مجرد جعجعة بلا طحين. وبقيت البيانات النارية على مواقع التواصل. وبقي أطفال غزة يموتون كل يوم. ولم يتغير شيء.
أبو عزرائيل: أسد على العُزّل جبان أمام الأقوياء
ولعل أبلغ تجسيد لهذه المهزلة العراقية هو المجرم أبو عزرائيل، ذلك المشخصاتي الذي ملأ الشاشات سنوات طويلة باستعراضاته المقززة وهو يحمل سيفه ويصرخ ويتوعد ويمثّل بجثث أهل السنة في العراق أمام الكاميرات متفاخراً متباهياً. الرجل الذي فعل الأفاعيل بالمسلمين السنة العُزّل ونكّل بهم تنكيلاً يشيب له الرأس. كان ينكّل بأهل السنة العراقيين لا بالأمريكان ولا بالصهاينة! كان يقتل المسلمين ويمثّل بجثثهم أمام الكاميرات وطائرات أمريكا تساعده وتمهّد له الطريق!
هذا الرجل نفسه، حين اشتعلت غزة، خرج يستعرض أمام الكاميرات ويتأهب ويوهم الناس أنه ذاهب إلى القتال. فرح به المخدوعون وصفّقوا له وقالوا ها هو البطل قادم!
ثم ماذا؟
خرج بعدها بأيام يقول بكل وقاحة: لا طاقة لنا بأمريكا وإسرائيل! وصار يهاجم كل من يطالبه بالذهاب إلى لبنان أو إلى أي جبهة حقيقية ويتهمهم بأنهم يريدون إلقاءه في التهلكة!
تأمّل هذا المشهد جيداً: رجل كان أسداً على المسلمين السنة العُزّل يذبحهم ويمثّل بجثثهم دون أن يرتجف له جفن، وحين جاء العدو الحقيقي صار نعامة تدفن رأسها في الرمل وتقول لا طاقة لنا! شجاع أمام الضعفاء جبان أمام الأقوياء.
وهذا هو حال المحور بأكمله مختزلاً في شخص واحد.
اليمن: النخوة التي فضحت الجميع
في خضم هذا المشهد المخزي كان هناك استثناء واحد يجب الاعتراف به إنصافاً للحق.
يملك الحوثيون في اليمن ترسانة عسكرية فاجأت كثيراً من المراقبين بحجمها وتطورها. صواريخ باليستية أثبتت فعاليتها حين استهدفوا منشآت أرامكو السعودية عام 2019. مسيّرات متطورة يمكنها التحليق لمسافات بعيدة والوصول إلى أهداف كان يُظن أنها بعيدة عن متناولهم. قدرات عسكرية حقيقية لا يمكن إنكارها.
وحين اشتعلت غزة، كان الحوثيون الطرف الوحيد في محور إيران الذي التزم فعلاً بشيء يشبه وحدة الساحات. تحرّكوا ضد الملاحة في البحر الأحمر واستهدفوا سفناً تجارية مرتبطة بإسرائيل وحلفائها. أطلقوا صواريخ ومسيّرات وصل بعضها إلى تل أبيب نفسها، وأحدثوا إرباكاً حقيقياً في التجارة الدولية وأجبروا السفن على تغيير مساراتها. وهذا أمر يُسجّل لهم ولا ننكره.
وهنا يجب أن نكون منصفين: الحوثيون كانوا الأكثر التزاماً بوعد وحدة الساحات من بين كل أطراف المحور الإيراني. كانوا الوحيدين الذين فعلوا شيئاً يُذكر فعلاً.
وللمفارقة اللافتة فإن أصولهم الزيدية واليمنية لعبت دوراً كبيراً في تفسير هذا السلوك المختلف عن باقي المحور. الزيدية أقرب المذاهب الشيعية إلى أهل السنة في كثير من المسائل العقدية والفقهية. والطبيعة القبلية اليمنية المعروفة بالنخوة والحمية والنجدة لعبت دوراً لا يمكن إنكاره. فالنجدة عند اليمنيين طبع متأصل قبل أن تكون قراراً سياسياً من طهران، ولعل هذا ما يفسّر تحركهم بينما جمد الآخرون.
لكن حتى هذا التحرك جاء متأخراً عن اللحظة الحاسمة، وكان تأثيره الفعلي على مسار الحرب في غزة محدوداً. أطلقوا بعض الصواريخ والمسيّرات باتجاه الأراضي المحتلة واستهدفوا الملاحة في البحر الأحمر، وهو جهد يُشكرون عليه ولا ننكره. لكنه في المحصلة كان أشبه بورقة ضغط اقتصادية بعيدة المدى على الملاحة الدولية لا بعملية عسكرية حاسمة تغيّر واقع الميدان في غزة حيث كان الأطفال يموتون تحت الأنقاض كل ساعة. لم يتوقف صاروخ إسرائيلي واحد عن السقوط على غزة بسبب صاروخ حوثي.
ومع ذلك نقول إنصافاً: الحوثيون فعلوا أكثر مما فعل كل محور إيران مجتمعاً. من بين كل أطراف محور إيران الضخم بكل ترساناته وميليشياته وأذرعه المنتشرة في أربع دول، كان الحوثيون وحدهم من فعل شيئاً يُذكر. وهذا بحد ذاته أكبر إدانة لباقي المحور لا مدحٌ للحوثيين.
ولا ننسى أيضاً أن الحوثيين أنفسهم، قبل أن يتحولوا إلى أبطال في نظر البعض، نفّذوا انقلاباً مسلحاً في اليمن بدعم إيراني. وكان من أولى أعمالهم بعد الانقلاب اعتقال نشطاء أهل السنة وقادة حزب الإصلاح (الإخوان المسلمون) والتنكيل بطلاب العلم الشرعي وتهجيرهم من مناطقهم ومدارسهم في دماج وغيرها. جرائم بحق أهل السنة لا تُعد ولا تُحصى، ارتُكبت بينما كانت أمريكا تغض الطرف تماماً عن كل ذلك، بينما كانت مسيّراتها الأمريكية مشغولة فقط بقصف جنود وقادة محسوبين على أهل السنة في المحافظات اليمنية!
الأسد: الحارس الذي لم يُطلق رصاصة
ولا يكتمل مشهد الترسانة النائمة دون الحديث عن الطرف الذي كان يُفترض أنه الأقرب جغرافياً للعدو والأكثر قدرة على الفعل: نظام بشار الأسد في سوريا.
سوريا ليست مجرد حليف لإيران في هذا المحور. سوريا هي الجسر البري الذي يربط إيران بحزب الله. هي الممر الذي عبرت منه الأسلحة والصواريخ والمقاتلون لعقود. هي الحلقة المركزية في سلسلة ما يسمى بمحور المقاومة. ونظام الأسد كان شريكاً مؤسساً في هذا المحور منذ عهد الأسد الأب حافظ الأسد.
وسوريا تملك جيشاً نظامياً بمئات الآلاف من الجنود، ومنظومات دفاع جوي روسية الصنع، وصواريخ باليستية، وقوات خاصة، وجهاز استخبارات ضخم. وحدودها مع الأراضي المحتلة هي حدود مباشرة! الجولان المحتل على بعد كيلومترات من دمشق! لا يحتاج الأمر إلى صواريخ بعيدة المدى ولا مسيّرات تطير ساعات. مجرد مدفعية تقليدية كانت كافية لتشكيل ضغط حقيقي على العدو.
فماذا فعل نظام الأسد حين اندلعت حرب غزة؟
لا شيء. لا شيء على الإطلاق!
لم يُطلق صاروخاً واحداً على العدو الذي يحتل أرضه هو نفسه! تأمّل هذا: الجولان السوري محتل منذ عام 1967، وهناك دولة تدّعي أنها جزء من محور المقاومة وحدودها ملتصقة بالعدو المحتل لأرضها... ولم تفعل شيئاً حين كانت غزة تُباد! حتى الدعاية الإعلامية لم يتقنها نظام الأسد. لم يكلّف نفسه حتى عناء إطلاق قذيفة رمزية لحفظ ماء الوجه كما فعل حزب الله!
بل الأمر أسوأ من ذلك بكثير. فبينما كانت إسرائيل تُبيد غزة كانت تقصف سوريا نفسها بشكل شبه يومي! غارات إسرائيلية متكررة على مواقع عسكرية ومطارات ومستودعات أسلحة في العمق السوري. إهانة تلو إهانة. انتهاك تلو انتهاك. وبشار الأسد يبتلع كل ذلك بصمت مطبق كأنه لا يرى ولا يسمع. يمتص الضربات واحدة تلو الأخرى ولا يردّ بحرف واحد.
النظام الذي ذبح شعبه بالبراميل المتفجرة والأسلحة الكيماوية لأنهم طالبوا بالحرية، لم يجد في نفسه الشجاعة لإطلاق رصاصة واحدة على العدو الذي يحتل أرضه ويقصف مواقعه ويغتال ضباطه!
والجيش الذي حاصر أحياء حلب وحمص ودرعا وجوّع سكانها وقصفهم بلا رحمة لم يستطع أن يرد على غارة إسرائيلية واحدة!
والقوات الخاصة التي اقتحمت بيوت المدنيين السوريين في جنح الظلام واعتقلت الآلاف وعذبتهم حتى الموت في سجونها السرية لم تجرؤ على الاقتراب من حدود الجولان المحتل!
إيران: حين تحرّكت الصواريخ لكرامة طهران لا لدماء غزة
وأخيراً نصل إلى رأس الأفعى: إيران نفسها، راعية هذا المحور بأكمله وممولته وموجّهته ومرجعيته العليا.
تملك إيران ترسانة صاروخية باليستية ضخمة هي من الأكبر في الشرق الأوسط. صواريخ قادرة على حمل رؤوس حربية ثقيلة والوصول إلى مسافات تشمل كامل الأراضي المحتلة. ومسيّرات متطورة أثبتت قدرتها وفعاليتها في أكثر من مناسبة وهناك تقارير عن تصديرها إلى روسيا. ومنظومة عسكرية متكاملة يعمل عليها عشرات الآلاف من العسكريين والمهندسين والخبراء.
وقد أثبتت إيران فعلاً أن هذه الأسلحة قادرة على الوصول إلى تل أبيب نفسها وإلى أي نقطة في الأراضي المحتلة. أثبتت ذلك حين قررت الرد على إسرائيل في وقت لاحق. أطلقت مئات الصواريخ والمسيّرات ووصل بعضها إلى العمق الإسرائيلي.
لكن متى فعلت ذلك؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يسأله كل مسلم لنفسه ولا يتوقف عن سؤاله حتى يجد الجواب الصادق.
لم تفعل ذلك حين كانت دماء أطفال غزة تصبغ الأرض كل يوم لأشهر متواصلة. لم تفعل ذلك حين كانت المستشفيات تُقصف والمدارس تُدمّر والأسر تُباد. لم تفعل ذلك حين كان الجوع يقتل من لم يقتله القصف. لم تفعل ذلك حين كانت غزة تستغيث وتصرخ وتنادي: أين وحدة الساحات؟ أين محور المقاومة؟ أين الوعود؟
فعلت ذلك فقط حين مُسّت كرامتها الخاصة. حين اغتال العدو قادتها وانتهك سيادتها ومرّغ كرامتها في التراب.
واغتيال إسماعيل هنية على الأراضي الإيرانية هو الفضيحة التي يجب أن تُكتب بحروف من نار في تاريخ هذا المحور. ضيفهم! ضيف الجمهورية الإسلامية! رئيس المكتب السياسي لحماس الذي جاء إلى طهران ليحضر مناسبة رسمية! قُتل في عقر دارهم وتحت حمايتهم المزعومة! وماذا فعلوا؟ لم يطلقوا صاروخاً واحداً ثأراً له! لم يحركوا طائرة مسيّرة واحدة! اكتفوا بالتصريحات النارية والوعيد والتهديد، تلك الجعجعة الفارغة التي اعتادت عليها الأمة ولم تعد تخيف أحداً.
تابعنا خطاباتهم الحماسية بعد مقتل قاسم سليماني فكانت ردود أفعالهم هزيلة. وتابعنا تصريحاتهم النارية بعد استشهاد هنية فكانت أكثر هزالة. وفي كل مرة نفس السيناريو: تهديدات ضخمة تملأ الشاشات ثم ردود لا ترقى لمستوى الإهانة التي تعرضوا لها.
انتظرت إيران حتى توسّع العدو أكثر فأكثر. حتى ضرب حزب الله ودمّره. حتى اغتال نصر الله. حتى اخترق كل شيء وأهان إيران إهانة تلو الأخرى ومرّغ أنفها في التراب أمام العالم أجمع. عندها فقط، وفقط عندها، ظهرت غريزة البقاء. لم يكن بأساً جهادياً ولا نصرة لغزة ولا تحريراً للأقصى. كان ردة فعل القط المحشور في الزاوية الذي لم يبقَ أمامه خيار إلا أن يخدش وجه من حاصره.
الترسانة التي ادُّخرت لعقود بحجة تحرير القدس لم تتحرك حين كانت القدس تستغيث. تحركت فقط حين أُهينت طهران. وأسلحة حزب الله التي قيل لنا إنها ليوم الحسم استُخدمت في قمع سنة لبنان وذبح أهل سوريا قبل أن تُدمّر في مخازنها دون أن تُطلق رصاصة واحدة على العدو الذي صُنعت لأجله!
وفيلق القدس الذي سمّوه بهذا الاسم ليوهموا العالم أنه أُسّس لتحرير القدس لم يطأ جنوده أرض فلسطين يوماً واحداً، لكنه وطئ أرض العراق وسوريا ولبنان واليمن ليقتل المسلمين فيها. فيلق سُمّي بالقدس وكل ما فعله كان في الاتجاه المعاكس للقدس!
واحد بالمئة فقط كان سيغيّر كل شيء
أريدك أن تتخيل معي مشهداً. أريدك أن تغمض عينيك وتستحضر هذا المشهد بكل تفاصيله، لأنه المشهد الذي كان يمكن أن يحدث ولم يحدث. المشهد الذي كان سيغيّر كل شيء:
صباح السابع من أكتوبر 2023. الساعة السادسة والنصف فجراً. ينطلق آلاف المقاتلين من كتائب القسام وسرايا القدس وباقي فصائل المقاومة عبر السياج الحدودي. يقتحمون المواقع العسكرية الإسرائيلية ويسيطرون على عشرات المستوطنات. الجيش الإسرائيلي في حالة صدمة وارتباك لم يشهد لها مثيلاً منذ حرب أكتوبر 1973. القيادة الإسرائيلية لا تعرف حجم العملية ولا كيف تتعامل معها. هناك نافذة ذهبية من الفوضى والارتباك الإسرائيلي.
والآن تخيل أنه في هذه اللحظة بالذات، وليس بعد أسابيع أو أشهر، بل في هذه اللحظة:
تنطلق ألف صاروخ من جنوب لبنان باتجاه القواعد العسكرية الإسرائيلية في الشمال والمطارات العسكرية ومراكز القيادة والسيطرة. ألف صاروخ فقط من أصل مئة وخمسين ألفاً. أقل من واحد بالمئة من الترسانة.
في نفس اللحظة، تُطلق عشرات المسيّرات المسلحة من العراق واليمن باتجاه مواقع استراتيجية إسرائيلية. منشآت نفطية، قواعد جوية، مراكز اتصال.
في نفس اللحظة، تعلن إيران رسمياً وبلا مواربة: أي رد إسرائيلي مفرط على غزة سيُقابل بضربة صاروخية إيرانية مباشرة على العمق الإسرائيلي.
واحد بالمئة فقط من الترسانة المشتركة لمحور إيران. واحد بالمئة! ما الذي كان سيتغيّر؟
كل شيء. كل شيء كان سيتغيّر.
أولاً: لما استطاع الجيش الإسرائيلي تركيز كل قوته على غزة وحدها. كان سيُضطر إلى تقسيم جيشه على عدة جبهات في وقت واحد، وهذا بالضبط هو الكابوس الاستراتيجي الذي تخشاه القيادة العسكرية الإسرائيلية أكثر من أي شيء آخر. حرب متعددة الجبهات هي السيناريو الأسوأ الذي يتدرب الجيش الإسرائيلي على تجنبه لا على مواجهته.
ثانياً: كان الردع الجماعي سيدفع إسرائيل فوراً إلى طلب هدنة وتدخل دولي لوقف إطلاق النار. فإسرائيل دولة صغيرة المساحة لا تحتمل حرباً على عدة جبهات. اقتصادها يتأثر بشكل كارثي بأي صراع مطوّل. ومجتمعها هشّ نفسياً أمام الصواريخ التي تسقط على مدنه كما ثبت في كل مواجهة سابقة.
ثالثاً: لما تجرأ العدو على استخدام سياسة الأرض المحروقة في غزة بهذه الوحشية. لما قصف المستشفيات والمدارس ومخيمات النازحين وبيوت العائلات والأبراج السكنية. لأنه كان يعلم أن الثمن سيكون باهظاً على كل جبهاته. حين يعرف العدو أنه محاصر من كل الاتجاهات يتصرف بشكل مختلف تماماً عمّا يتصرف به حين يعرف أنه آمن من كل الجهات ما عدا واحدة.
رابعاً: لما استمرت الحرب شهراً واحداً فضلاً عن أشهر وأشهر من الإبادة الجماعية المتواصلة التي لا تزال مستمرة. كان الضغط الدولي سيتصاعد بشكل هائل، وكانت أمريكا نفسها ستتدخل لإيقاف التصعيد حفاظاً على مصالحها في المنطقة.
لم تكن المشكلة في غياب السلاح. كانت الأسلحة موجودة بأعداد مهولة. ولم تكن المشكلة في غياب الفرصة. كانت الفرصة سانحة وذهبية ولن تتكرر. المشكلة كانت في غياب الإرادة. والإرادة غابت لأن غزة لم تكن يوماً الأولوية الحقيقية لهذا المحور.
الأرقام القاتلة: حين يتكلم الحساب ويصمت الشعار
دعونا نتوقف عن الكلام لحظة ونتحدث بلغة الأرقام. لأن الأرقام لا تُجامل أحداً ولا تنحاز لطرف ولا تخجل من قول الحقيقة:
ستة أشهر كاملة من الإبادة المتواصلة في غزة. مئة وثمانون يوماً من القصف والقتل والتجويع والتدمير. عشرات الآلاف من الشهداء. عدد صواريخ محور إيران التي أُطلقت نصرة لغزة خلال هذه الأشهر الستة: صفر. صفر صواريخ. صفر مسيّرات فعّالة. صفر عمليات حقيقية. صفر مقاتلين. صفر.
لكن حين اغتُيل قاسم سليماني عام 2020 جاء الرد خلال أيام. وحين أُهينت كرامة طهران تحركت الصواريخ خلال ساعات. ستة أشهر من ذبح أطفال غزة لم تستحق صاروخاً واحداً. لكن إهانة واحدة لكرامة النظام الإيراني استحقت ترسانة كاملة!
حزب الله كان يملك مئة وخمسين ألف صاروخ. مئة وخمسين ألفاً! ترسانة يتباهى بها في كل خطاب ومناسبة ومقابلة. وُصفت بأنها أكبر ترسانة لحركة غير نظامية في العالم. جُمعت على مدى عقود بحجة يوم الحسم مع إسرائيل. فكم صاروخاً أُطلق منها نصرة لغزة حين جاء يوم الحسم؟ لا شيء ذا قيمة عسكرية حقيقية. قذائف رمزية على مواقع فارغة ومسيّرات تضرب أعمدة الإنارة وعمليات إسناد لا تُقدّم ولا تُؤخر. ثم دُمّرت تلك الترسانة في مخازنها دون أن تُطلق رصاصة واحدة في المعركة التي صُنعت من أجلها!
إيران أرسلت ما بين عشرين ألفاً وثلاثين ألف مقاتل إلى سوريا لقتل المسلمين. جنّدت ميليشيات من العراق وأفغانستان وباكستان ولبنان وأرسلتهم لذبح أهل السنة في حلب وحمص والغوطة وإدلب. عدد المقاتلين الذين أرسلتهم لنصرة غزة: صفر.
عدد الجنود الإيرانيين الذين سقطوا في ذبح أهل سوريا: آلاف. عدد الجنود الإيرانيين الذين سقطوا نصرة لغزة: صفر.
الأرقام لا تكذب. الشعارات تكذب. والخطابات تكذب. والمسرحيات تكذب. لكن الصفر لا يكذب. والصفر هو ما قدّمه محور إيران لغزة حين كانت تُباد.
وحدة الساحات: العهد الذي تبخّر عند أول اختبار
والآن نصل إلى الحقيقة التي باتت مكشوفة لكل ذي عينين: إيران وحزب الله كانا قد أبرما حلفاً مع حماس فيما سُمّي بوحدة الساحات. هذا الحلف لم يكن مجرد تفاهم عام أو تصريحات إعلامية. كان اتفاقاً واضحاً ومحدداً ومعلناً: إن ضربتم فنحن معكم. إن بدأتم المواجهة فنحن سنفتح الجبهات الأخرى لمساندتكم.
هذا الاتفاق في نظري هو الذي شجّع المقاومة في غزة على تنفيذ عملية بهذا الحجم الهائل وهم يعلمون تبعاتها جيداً.
رجال الطوفان، رجال الله الأبطال الذين خططوا لهذه العملية ونفذوها، لم يكونوا انتحاريين أو متهورين. كانوا يعلمون أن عملية بهذا الحجم ستستدعي رداً إسرائيلياً وحشياً. لكنهم ظنوا، بناءً على مبدأ وحدة الساحات، أن هناك بأساً شيعياً يمكن أن يستندوا عليه. ظنوا أن وحدة الساحات ستعمل كما وُعدوا، وأن الجبهات الأخرى ستُفتح لتخفيف الضغط عن غزة ومنع العدو من التفرد بها.
فلما ضربت حماس وشنّت عمليتها التاريخية ماذا حدث؟ ماذا فعل هذا المحور العظيم بكل ترساناته وميليشياته وشعاراته؟
تُركت غزة وحدها. وحدها تماماً.
أطلّت عليهم جبهات إسناد غادرة تنصّلت من الاتفاق وارتجفت فرقاً عندما حضرت حاملة الطائرات الأمريكية إلى شرق المتوسط. مجرد ظهور حاملة طائرات واحدة كان كافياً لإسكات كل تلك الترسانات وإخراس كل تلك الشعارات وتبخير كل تلك الوعود!
اكتفى حزب الله برفع العتب تحت مسمى الإسناد. عمليات رمزية على الحدود لا تُقدم ولا تُؤخر. قذائف هنا ومسيّرة هناك. يضرب أعمدة الإنارة ويقصف مواقع فارغة بينما غزة تحترق. مسرحية مضحكة مبكية في آن واحد.
أما الميليشيات العراقية فلم تكلف نفسها حتى عناء المسرحية. صمت تام كأنهم لا يسمعون ولا يرون.
وهكذا خذلوا أهل غزة في أحلك ساعاتهم. رجال المقاومة أقدموا على عملية طوفان الأقصى بإيمان صادق وشجاعة لا تتزعزع، وكان من حقهم أن يتوقعوا من حلفائهم الوفاء بالعهد بعد سنوات من الوعود والمواثيق. لكن الذين وعدوا اختفوا حين حضر الامتحان. تبخرت الوعود كأنها لم تكن. وبقي رجال غزة وحدهم يواجهون أعتى آلة عسكرية في المنطقة بصدور عارية وإيمان لا يتزعزع. لم يكن ذنبهم أنهم وثقوا بمن أعطاهم العهد، بل الذنب كله على من أعطى العهد ثم نكثه. على من قال نحن معكم ثم جلس في ثكنته يتفرج على المجزرة. على من بنى ترسانات بحجة يوم كهذا ثم حين جاء اليوم اكتشفنا أن تلك الترسانات لم تكن إلا ديكوراً لمسرحية طويلة سقطت ستارتها أخيراً.
على من عوّلت حماس؟
وهنا يجب أن نوقف تلك الأسطوانة المشروخة التي يرددها أنصار المحور الإيراني ليل نهار: أين العرب؟ أين الأنظمة العربية؟ أين الدول السنية؟ لماذا لا تتحرك الجيوش العربية لنصرة غزة؟
هذا السؤال في ظاهره مشروع لكنه في حقيقته مخادع خبيث يُراد به صرف الأنظار عن التخاذل الحقيقي.
لأن الحقيقة التي يعرفها كل متابع للشأن الفلسطيني أن حماس حين خططت لعملية طوفان الأقصى ونفذتها لم تكن تعوّل قطّ على الأنظمة العربية! ولم تكن تعوّل على الشعوب المقهورة المحاصرة المقموعة من حكوماتها! لأن حماس تعرف هذه الأنظمة أكثر مما يعرفها أي محلل أو ناشط على وسائل التواصل. تعرفها بالتجربة المريرة والمعاناة اليومية والعداء المباشر.
هذه الأنظمة لم تكن فقط صامتة عن غزة بل كانت تحاربها بشكل صريح ومباشر!
في مصر كان النظام يُحكم الحصار على غزة من الجانب المصري. يردم أنفاق التهريب التي كانت شريان حياة غزة الوحيد. يتعاون مع الاستخبارات الصهيونية في مراقبة الحدود وإغلاقها. يلصق التهم بحماس ويصفها بالإرهاب ويحمّلها مسؤولية عدم الاستقرار في سيناء. معبر رفح كان مغلقاً أغلب الوقت بقرار مصري بحت. غزة كانت محاصرة من البر والبحر والجو: إسرائيل من ثلاث جهات ومصر من الجهة الرابعة!
في السعودية اعتُقل قادة من حماس وضُيّق على كل من يدعم فلسطين مالياً أو إعلامياً. شيوخ ودعاة سُجنوا لمجرد أنهم جمعوا تبرعات لأهل غزة أو خطبوا خطبة نارية نصرة لفلسطين. ناشطون ومثقفون اختفوا في السجون لأنهم تعاطفوا علناً مع المقاومة.
في الإمارات نفس المشهد: تضييق على كل ما يتعلق بحماس وبفلسطين وتطبيع علني مع الكيان الصهيوني ومطاردة لكل صوت يعارض هذا التطبيع.
وبقية الدول العربية لكل منها تفاصيلها الخاصة في التواطؤ والتخاذل والعداء المباشر للمقاومة الفلسطينية. فبعضها يحاصرها اقتصادياً وبعضها يحاربها إعلامياً وبعضها يلاحق مؤيديها أمنياً وبعضها يتعاون مع المقاومة علناً ومع العدو سراً في التجسس عليها وتتبع قادتها. وحتى من يدعم منها على استحياء فإنه يدعم بيد ويخنق بالأخرى، يقدّم فتات المساعدات أمام الكاميرات.
حماس تعرف كل هذا! تعرفه بالتفصيل الممل! فكيف يُتصور أنها كانت تعوّل على هذه الأنظمة حين نفذت عمليتها؟
كلا! حماس كانت تعوّل على حلفائها. على من أعطاها الوعود المباشرة. على من وقّع معها اتفاق وحدة الساحات. على من قال لها صراحة: إن ضربتِ فنحن معكِ. كانت تعوّل بالدرجة الأولى على إيران وحزب الله والميليشيات العراقية والحوثيين. هؤلاء هم من كان يُفترض أن يتحركوا. هؤلاء هم من أعطوا الوعود والعهود والمواثيق. هؤلاء هم من خذلوا غزة الخذلان الحقيقي!
خذلان الأنظمة العربية كان متوقعاً ومحسوباً ومعروفاً مسبقاً. لم يكن مفاجأة لأحد. لأن هذه الأنظمة لم تعِد أهل غزة بشيء ولم تلتزم بشيء ولم تدّعِ يوماً أنها ستنصرهم. بل كانت تحاربهم علناً! فكيف يُلام من لم يعِد أصلاً ويُعفى من وعد ثم أخلف؟
المفاجأة الصاعقة المرّة المؤلمة كانت في خذلان من وعد ثم نكث! في خذلان من قال لأهل غزة نحن معكم ثم تركهم يواجهون الموت وحدهم! في خذلان من بنى ترسانات بحجة يوم الحسم ثم جبن حين جاء يوم الحسم!
فحين يخرج أنصار المحور الإيراني ويصرخون: أين العرب؟ أين الأنظمة العربية؟ فاعلموا أن هذا الصراخ ليس حباً في فلسطين ولا غيرة على غزة. بل هو تكتيك مكشوف لصرف الأنظار عن الفضيحة الحقيقية: أين إيران التي وعدت؟ أين حزب الله؟ أين وحدة الساحات التي اتُفق عليها؟ أين الترسانات التي قيل لنا إنها ليوم كهذا؟
أنتم تطالبون من لم يعِد بالتحرك وتعفون من وعد ثم خان! تلومون من كان عداؤه معلناً وتبرّرون لمن ادّعى الصداقة ثم طعن في الظهر! تجلدون شعوباً مقهورة مسجونة لا تملك من أمرها شيئاً وتمجّدون ميليشيات مسلحة حتى أسنانها اختارت أن تجلس في ثكناتها!
هذا هو الظلم بعينه. وهذا هو التضليل بعينه. ومن يفعل ذلك فهو إما جاهل لا يفهم حقيقة المشهد، أو مخادع يعرف الحقيقة ويتعمد إخفاءها خدمة لأجندته.
حماس عوّلت على حلفائها لا على أعدائها. خُذلت ممن وعدها لا ممن حاربها. فكفّوا عن جلد الأمة ووجّهوا أسئلتكم للعنوان الصحيح: أين تحرّك محور إيران الذي وعد ثم نكث وادّعى ثم خذل وتشدّق بالمقاومة ثم اختبأ حين حضرت حاملة الطائرات؟
وإن كنتم مصرّين على المزايدة والاتهام فكونوا منصفين في اتهامكم وقولوا الحقيقة كاملة: الكل خذل غزة. الأنظمة العربية خذلتها والشعوب عاجزة ومحور إيران بترساناته خذلها. لكنكم تجلدون الأنظمة والشعوب وتعفون المحور، وهذا ليس إنصافاً بل انتقائية مفضوحة تكشف أن هدفكم ليس نصرة غزة بل خدمة طهران.
خذلتم غزة قبلنا — فلا تُلقوا فشلكم على أمّتنا
والآن أقولها بكل وضوح وأسجّلها شهادة للتاريخ:
أنتم خذلتم غزة قبلنا. لا بعدنا. قبلنا.
أنتم من وعدتم رجال غزة بوحدة الساحات. أنتم من قلتم لهم: إن ضربتم فنحن معكم. أنتم من بنيتم الترسانات بحجة يوم الحسم. أنتم من ملأتم الدنيا ضجيجاً عن تحرير القدس وإزالة إسرائيل من الخريطة. أنتم من رفعتم السقف إلى عنان السماء ثم حين جاء الاختبار اختبأتم تحت الأرض.
الأنظمة العربية — على كل مساوئها وخياناتها وتواطئها — لم تعِد أهل غزة بالنصرة. لم تدّعِ يوماً أنها ستفتح جبهة لمساندتهم. لم تبنِ ترسانات بحجة يوم كهذا. بل كانت تحارب المقاومة علناً وكان الجميع يعرف ذلك. فخذلانها لم يكن مفاجأة ولم يكن صدمة ولم يكن طعنة في الظهر. كان سلوكاً متوقعاً من عدو معلن.
أما أنتم فكنتم الحلفاء. كنتم من أعطى العهد. ومن بنى الوعد. ومن رسم الخطة. ومن قال نحن معكم حتى النهاية. فحين تنكّرتم للعهد وجلستم في ثكناتكم تتفرجون على المجزرة — كان خذلانكم أقسى ألف مرة من خذلان كل الأنظمة العربية مجتمعة. لأن خذلان العدو المعلن يُحتمل. لكن خذلان الحليف المُعاهِد يُكسر.
والشعوب السنية المقهورة — تلك الشعوب التي تجلدونها ليل نهار — محاصرة مسجونة مراقبة لا تملك قراراً ولا سلاحاً ولا حرية تعبير. إذا خرج أحدهم إلى الشارع سُجن. وإذا جمع تبرعاً اعتُقل. وإذا خطب خطبة اختفى. هؤلاء تلومونهم؟ بينما ميليشياتكم المسلحة حتى أسنانها تملك كل شيء — السلاح والمال والقرار والحرية — ومع ذلك اختارت بمحض إرادتها أن تجلس؟
من وعد ثم خان أسوأ ممن لم يعِد أصلاً. ومن يملك القدرة ويختار التخاذل أسوأ ممن لا يملك شيئاً. فلا تُلقوا ثمن خيانتكم على كاهل أمتنا. ولا تصرفوا الأنظار عن فضيحتكم بجلد شعوب مقهورة لا ذنب لها إلا أنها وثقت بكم يوماً.
الجدول الزمني: حين كان الصمت قاتلاً
لنتتبع الآن الأحداث بدقة متناهية. لنضع كل حدث في موضعه الزمني الصحيح ونربط بين الأسباب والنتائج. لأن التسلسل الزمني هو أقوى أداة لكشف الحقيقة. الشعارات يمكن أن تكذب والخطابات يمكن أن تخدع والبيانات يمكن أن تُضلل. لكن الجدول الزمني لا يكذب. التواريخ لا تُجامل أحداً.
الأسبوع الأول ـ الصمت حين كان الصمت قاتلاً:
في الأيام الأولى بعد عملية طوفان الأقصى كان كل شيء ممكناً. كان الجيش الإسرائيلي في حالة صدمة وارتباك غير مسبوقة. القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية كانت مشلولة. أمريكا نفسها كانت مذهولة مما حدث ولم تكن قد رسمت بعد خطة واضحة للتعامل مع الوضع الجديد. كانت هناك نافذة ذهبية للتحرك. نافذة كان يمكن أن تغيّر كل شيء لو استُغلت.
في تلك الأيام الحرجة بالذات كان محور إيران بأكمله صامتاً صمت القبور. لا صاروخ حقيقي ولا عملية جادة ولا ضغط عسكري فعلي. فقط بيانات تضامنية وتصريحات إعلامية وتغريدات على تويتر. بينما كانت إسرائيل تستجمع قواها وتنظم صفوفها وتستعد للانقضاض على غزة بكل وحشية.
ضاعت النافذة الذهبية إلى الأبد.
الأسابيع التالية ـ التصعيد دون رادع:
بمجرد أن استعادت إسرائيل توازنها وأدركت أن لا أحد سيتحرك حقيقياً من جبهات محور إيران، وبعد أن تدفّق الدعم الغربي بلا حدود — سياسياً ودبلوماسياً وعسكرياً — وتوافد رؤساء الدول الغربية على تل أبيب في زيارات تضامنية، وأُرسلت حاملات الطائرات والذخائر والقنابل الذكية بشحنات لا تنقطع، واستُخدم حق النقض مرة بعد مرة لحماية إسرائيل في مجلس الأمن... حينها بدأ الجحيم الحقيقي. أدرك العدو أنه يملك ترخيصاً دولياً مفتوحاً وغطاءً غربياً كاملاً وجبهات صامتة من كل اتجاه.
فأطلق حملة قصف هي الأعنف في تاريخ الصراع. آلاف الأطنان من المتفجرات أُلقيت على واحدة من أكثر المناطق اكتظاظاً بالسكان في العالم. أحياء بأكملها سُوّيت بالأرض. عائلات بأكملها مُحيت من السجل المدني.
كان العدو يقصف ما يشاء ومتى يشاء وكيف يشاء. لأنه كان يعلم يقيناً أنه لا يوجد رادع حقيقي من أي جبهة أخرى. كان يعلم أن وحدة الساحات كلمة فارغة. كان يعلم أن الترسانات ستبقى في مخازنها. فتصرّف على هذا الأساس بكل أريحية.
الأشهر التالية ـ التوسع الإسرائيلي والعالم يتفرج:
مع مرور الأسابيع والأشهر توسّع العدو في غزة بشكل لم يكن أحد يتصوره. توغّل في قلب القطاع ثم شماله ثم جنوبه. دمّر البنية التحتية بالكامل. حاصر المستشفيات واقتحمها واعتقل الأطباء والمرضى. قطع الماء والكهرباء والغذاء والدواء. فرض حصاراً خانقاً حوّل غزة إلى أكبر سجن مفتوح في التاريخ ثم إلى أكبر مقبرة جماعية.
استخدم سياسة التجويع كسلاح حرب. أطفال يموتون من الجوع في القرن الحادي والعشرين! رضّع يفارقون الحياة في حضانات المستشفيات لأن الكهرباء قُطعت! أمهات يبحثن عن لقمة لأطفالهن فلا يجدن! ومحور المقاومة العظيم بكل ترساناته يتفرّج!
كل ذلك وحزب الله يكتفي بإطلاق قذيفة هنا ومسيّرة هناك في عمليات لا تتجاوز كونها ذرّاً للرماد في العيون. والميليشيات العراقية في صمتها المخزي. وإيران تصدر بيانات وتُلقي خطباً نارية لا تخرج عن حدود مكبرات الصوت.
الإسناد: نجدة بعد الموت
بعد أن أضعف العدو قدرات المقاومة بشكل كبير وسفك آلاف الدماء ودمّر معظم البنية التحتية وحوّل غزة إلى أنقاض، حينها فقط قرر بعض أطراف المحور التحرك على استحياء. وسمعنا مصطلحاً جديداً لم نكن نسمعه من قبل: الإسناد!
أي إسناد هذا يا قوم؟ أي إسناد بعد أن دُمّرت أحياء بأكملها؟ بعد أن قُتل الآلاف ويُتّم عشرات الآلاف من الأطفال؟ بعد أن تحوّلت غزة إلى ركام؟ هل يحتاج أهل غزة بعد كل ما حدث إسناداً رمزياً أم يحتاجون تحركاً جماعياً هائلاً يُغيّر المعادلة من جذورها ويُجبر العدو على التوقف؟
الإسناد الحقيقي أن تقف مع أخيك في اللحظة الأولى حين يكون التحرك مؤثراً وحاسماً ومغيّراً للمعادلة. أما أن تأتي بعد أن يُكسر ظهره وتُدمّر داره وتُيتّم أطفاله لتربّت على كتفه وتقول له أنا معك، فهذا ليس إسناداً. هذا استهزاء.
التخاذل هو السبب لا النصرة. وهنا يجب أن نوقف المغالطة الخطيرة التي يرددها بعضهم: كتب أحدهم أن ما تتعرض له إيران اليوم سببه وقوفها مع فلسطين ودعمها للمقاومة.
وهذا الكلام بخلاف الواقع تماماً. بل العكس هو الصحيح.
ما جرى ويجري لإيران ولحزب الله ولكل أطراف هذا المحور هو نتيجة جبنهم وتراجعهم وتخاذلهم عن الدخول الحقيقي في معركة طوفان الأقصى. وهو ذات السبب الذي جعل حزب الله يدفع ثمن تأخره وتردده في نصرة غزة.
لم يكن العدو ليجرؤ على استباحة لبنان لولا أنه رأى تخاذل حزب الله وتردده بعد السابع من أكتوبر. ولم يكن ليجرؤ على تهديد إيران لولا أنه رأى جبنها وإحجامها عن التحرك الحقيقي. ولم يكن ليتطلع إلى التوسع في المنطقة كلها لولا أنه أدرك أن هذا المحور بكامله نمر من ورق لا يملك الشجاعة للمواجهة الحقيقية.
هذا التخاذل والتردد الواضح في لحظة ضعف الكيان وخوفه ورعبه بعد صدمة السابع من أكتوبر هو بالضبط ما شجّع العدو وفتح شهيته ليبطش ويتمادى ويتوسع أكثر فأكثر. لو تحرك المحور بجدية في الساعات والأيام الأولى لما تجرأ العدو على عُشر ما فعل. لكن الجبن يُغري العدو كما أن الشجاعة تردعه.
بأس غزة الموثّق... وادعاءات بلا شاهد
وهنا نقطة يجب أن تُسجّل وتُوثّق لأنها كاشفة بشكل مذهل.
طوفان الأقصى كان أعظم عمل عسكري نُفّذ ضد العدو الصهيوني منذ احتلال فلسطين. لم يشهد الصراع العربي الإسرائيلي عملية بهذا الحجم والجرأة والتأثير منذ حرب أكتوبر 1973. وربما فاقها في بعض الجوانب. ومن نفّذ هذه العملية؟ رجال الله السنة الميامين في غزة! رجال محاصرون في أضيق بقعة جغرافية على وجه الأرض. مقطوعون عن العالم. محرومون من أبسط مقوّمات الحياة فضلاً عن مقوّمات الحرب. يصنعون سلاحهم بأيديهم من أنابيب الصرف الصحي وبقايا المعادن المتاحة. يحفرون الأنفاق بالعرق والدم. يتدربون في أنفاق ضيقة تحت الأرض بعيداً عن عيون الأقمار الصناعية.
هؤلاء الرجال أذلوا أقوى جيش في الشرق الأوسط. اقتحموا مواقعه المحصّنة واستولوا على دباباته وأسروا جنوده وضباطه وفرضوا واقعاً جديداً غيّر وجه العالم بأكمله.
في الوقت الذي نشر رجال الله في غزة مئات الفيديوهات التي توثّق عملياتهم البطولية، رأينا بأعيننا أبطال القسام يخرجون من باطن الأرض وينقضّون على الدبابات والمدرعات والجنود الإسرائيليين ويدمرونها تدميراً. رأينا بالصوت والصورة الواضحة كيف يتعامل مقاتل واحد مع دبابة ميركافا ويجعلها كومة حديد. رأينا الشجاعة الحقيقية والبأس الحقيقي والجهاد الحقيقي موثقاً بالفيديو لا بالكلام.
في المقابل ماذا رأينا من حزب الله؟
ادعاءات عن عمليات كبرى وتدمير دبابات وقتل جنود. لكن أين التوثيق؟ أين الفيديوهات؟ خلال أسابيع حرب حزب الله مع إسرائيل لم نرَ تقريباً أي توثيق مرئي حقيقي لهذا البأس المزعوم! كل ما لدينا هو رواية الحزب عن مجازر الدبابات. مجرد رواية! كلام على شاشات! لا فيديو ولا صورة ولا توثيق مرئي يُقارن بما يبثه مقاتلو غزة يومياً من فيديوهات تدمير الدبابات والآليات الإسرائيلية بالصوت والصورة الواضحة.
بل حتى حرب 2006 التي يتغنى بها الحزب ويعتبرها إنجازه الأكبر، نفس القصة: لا نملك توثيقاً مرئياً واضحاً عن البأس الجهادي الشيعي فيها. كل ما لدينا هو رواية الحزب عن ما حدث.
مئات الفيديوهات من غزة. صفر فيديوهات حقيقية من حزب الله.
هذا هو الفارق بين بأس حقيقي وبأس مزعوم. بين جهاد حقيقي وادّعاء فارغ. بين رجال يقاتلون لله حقاً ورجال يملؤون الشاشات ضجيجاً ثم يتبخرون حين يحضر العدو الحقيقي.
بأس غزة كان حقيقياً وموثقاً بالصوت والصورة الواضحة في مئات الفيديوهات التي شاهدها العالم كله. أما بأس حزب الله فكان رواية بلا شاهد، وادعاءً بلا دليل... قبل أن يتبخر الحزب كله كأنه لم يكن.
جزاء التخاذل: حين التهم العدو من خذل غزة
ما حدث لحزب الله بعد ذلك كان صادماً للمتابعين لكنه لم يكن مفاجئاً لمن يفهم منطق الحروب ويقرأ حركة التاريخ. التخاذل لا يحمي صاحبه بل يُغري عدوه. والجبن لا يشتري السلامة بل يجلب الهلاك.
إسرائيل التي كانت تراقب ردود فعل حزب الله بدقة متناهية طوال أشهر الحرب على غزة خلصت إلى نتيجة واضحة: هذا الحزب ليس مستعداً للحرب الشاملة. يملك السلاح لكنه لا يملك الإرادة. يملك الترسانة لكنه لا يملك القرار. فقررت أن تنقض عليه وتصفّي حسابها معه بينما هو في أضعف لحظاته.
وكانت الضربة الأولى مذهلة في خبثها ودقتها: تفجيرات أجهزة البيجر والووكي توكي التي كان يستخدمها عناصر الحزب. في لحظة واحدة أصيب آلاف من عناصر الحزب في وقت واحد. كشف هذا الحدث اختراقاً أمنياً هائلاً لا سابقة له في تاريخ حروب الاستخبارات. اختراق يعني أن العدو كان يعرف كل شيء عن الحزب: هيكله التنظيمي، شبكة اتصالاته، مواقع قادته، مخازن أسلحته، أنفاقه المحصنة. كل شيء.
ثم توالت الضربات بوتيرة لم يستطع الحزب التعامل معها. اغتيل القادة واحداً تلو الآخر. سقطوا كأحجار الدومينو. وعلى رأسهم الأمين العام حسن نصر الله نفسه، الذي لطالما ملأ الشاشات بخطاباته واستعراضاته، قُتل ومعه قيادات الحزب في غارة إسرائيلية دقيقة وهو في مخبئه المحصن الذي كان يُفترض أنه أكثر الأماكن أماناً في لبنان.
أسلحة دُمّرت في صناديقها
وهنا المشهد الأكثر مأساوية وسخرية في آن واحد: تلك الأسلحة التي ادُّخرت لسنوات طويلة في مخازن الحزب. تلك الصواريخ الدقيقة والمنظومات المتطورة والمسيّرات الحديثة التي قيل لنا مراراً وتكراراً إنها مُعدة ليوم الحسم الكبير. ماذا حدث لها؟
دمّرتها إسرائيل وهي في مخازنها! في صناديقها! لم تُطلق! لم تُستخدم! لم تحقق الغرض الذي صُنعت من أجله! ذهبت هباءً منثوراً كأنها لم تكن يوماً!
يا حسرة لا تنتهي. عقود من جمع الأموال لأجل المقاومة والبناء والتسليح والتخزين والتدريب والتجهيز والوعود... كلها تبخرت في أيام. مئة وخمسون ألف صاروخ أو أقل أو أكثر لا فرق. لم تعد موجودة. دمّرها العدو بغاراته وهي في صناديقها الخشبية في أنفاقها المظلمة. طارت في الهواء لكنها لم تُرعب العدو ولم تسقط على تل أبيب كما كان يعد نصر الله في كل خطاب. سقطت على رؤوس أصحابها.
والقادة الذين ترددوا في نصرة غزة في اللحظة الأولى قُتلوا هم أيضاً دون أن يصنعوا الفرق الذي كانوا يعدون بصنعه. ماتوا والسلاح في المخازن والعدو يتوغل في غزة ولبنان معاً والأمة تبكي على شاشات التلفزيون.
هل كان هذا جزاء التخاذل عن نصرة المظلوم في الوقت المطلوب وبالشكل الحاسم؟
أم كانت دعوات المظلومين الذين قتلتهم هذه الميليشيات بالأمس في سوريا والعراق ولبنان؟ الله أعلم
فمن ظلم شعبه وتآمر على جيرانه وقتل المسلمين الأبرياء بالبراميل المتفجرة والمكابس الحديدية وذبح الأطفال بالسكاكين في القصير، لا يُرجى منه نصرة الأقصى ولا يستحق أن يبقى سلاحه سالماً.
ولا تظنوا أن من يلعن الصحابة ويطعن في أمهات المؤمنين سوف يكون منه خير لفلسطين أو لأي قضية إسلامية. من كانت عقيدته قائمة على بغض أولياء الله ورموز الإسلام الأوائل، فهو في الحقيقة عدو لهذا الدين مهما رفع من شعارات ومهما أطلق من صواريخ ومهما ملأ الدنيا ضجيجاً.
سقوط الأسد: الحساب الذي لا مفرّ منه
ثم جاء المشهد الذي أكمل اللوحة كلها. في نهاية عام 2024، وبينما كان العالم مشغولاً بمتابعة تطورات الحرب في غزة ولبنان، سقط نظام بشار الأسد!
سقط النظام الذي صمد أربعة عشر عاماً في وجه شعبه بدعم إيراني وروسي مطلق. سقط النظام الذي قتل أكثر من نصف مليون سوري وهجّر الملايين ودمّر بلداً بأكمله من أجل البقاء في السلطة. سقط النظام الذي استدعى كل ميليشيات إيران من العراق ولبنان وأفغانستان وباكستان لقتال شعبه. سقط النظام الذي قصف مدنه بالكيماوي. سقط الذي ادّعى لعقود أنه قلب المقاومة وحارس الجبهة الشمالية!
سقط لأن المعادلة انكشفت بالكامل. إيران التي كانت تحميه انشغلت بنفسها بعد أن ضربها العدو ومرّغ كرامتها. وحزب الله الذي كان ذراعها في سوريا تبخّر ولم يعد قادراً على حماية نفسه فضلاً عن حماية الأسد. وروسيا المنشغلة بحربها في أوكرانيا لم تعد قادرة على تقديم الغطاء الكافي. فانهار النظام كبيت من ورق حين سُحبت منه أعمدة الدعم الخارجي.
وسبحان الله! النظام الذي بطش بشعبه لأربعة عشر عاماً وارتكب أبشع المجازر وأفظع الجرائم بحجة حماية المقاومة والممانعة، لم يستطع أن يصمد أياماً معدودة حين تقدّم الثوار السوريون نحو دمشق. النظام الذي أخضع ملايين البشر بالحديد والنار انهار في لحظة. والأسد الذي ملأ الدنيا صراخاً عن المقاومة والممانعة فرّ من بلاده تحت جنح الظلام كما يفرّ اللصوص!
هذا جزاء من بنى سلطته على الظلم والطائفية والتبعية لإيران. وهذا مصير من استخدم شعارات المقاومة لقمع شعبه بينما كان يبتلع إهانات العدو الحقيقي كل يوم دون أن يردّ بكلمة.
ألا يرى العقلاء النمط المتكرر؟ حزب الله تخاذل عن غزة فالتهمه العدو. إيران ترددت فمُرّغت كرامتها في التراب. والأسد ابتلع كل الإهانات الإسرائيلية فسقط نظامه. كلهم دفعوا ثمن تخاذلهم لا ثمن مقاومتهم! وكأن الله أراد أن يُري الناس أن من خذل المظلومين واستخدم قضيتهم غطاءً لمشروعه الطائفي لن يُفلت من الحساب.
سقط الأسد الذي لم يُطلق رصاصة على إسرائيل طوال حكمه، بينما صمد رجال غزة الذين لا يملكون عُشر ما كان يملكه. لأن الأول كان يقاتل لأجل كرسيه، والآخرون يقاتلون في سبيل الله.
وبقيت غزة وحدها صامدة. رجالها يقاتلون بما تبقى لديهم. لا ترسانات ضخمة ولا دعم إيراني ولا ميليشيات طائفية. فقط إيمان وبندقية وأرض يرفضون أن يتركوها. وهذا هو الفارق بين من يقاتل لله حقاً ومن يرفع الشعارات لخدمة مشروعه.
وسلام الله على رجال غزة الصامدين الذين يضربون أروع أمثلة الثبات والكرامة في زمن الانكسار. رجال واجهوا أعتى آلة عسكرية في المنطقة بصدور عارية وإيمان لا يتزعزع وبندقية لا تعرف الاستسلام، بينما الذين وعدوهم بالنصرة اختاروا الجلوس في ثكناتهم الدافئة والاكتفاء بالمتابعة من بعيد.
تلك الأم في غزة لا تزال تسأل. وأطفالها لا يزالون ينتظرون. والصواريخ التي كانت ستنقذهم صارت ركاماً في صناديقها. والجيوش التي كانت ستحميهم لم تحمِ حتى نفسها. والعهود التي كانت ستنجدهم تبخرت كما يتبخر السراب حين يقترب منه العطشان.
لكن رجال غزة لم ينتظروا أحداً. قاتلوا بما عندهم. وصمدوا بما لديهم. وكتبوا بدمائهم فصلاً لن ينساه التاريخ.
وليُسجّل التاريخ: مئة وخمسون ألف صاروخ لم تُطلق. وملايين المقاتلين لم يتحركوا. ومليارات الدولارات لم تُنفق. وأمة بأكملها خُذلت. لا من عدوّها، بل من حليفها. هذا هو الثمن الحقيقي للنصرة الزائفة.
الباب الثاني: حرب الاثني عشر يومًا
تخيّل هذا المشهد: على شاشة مقسومة نصفين، في النصف الأيسر طفلة في غزة عمرها أربع سنوات تجلس وحيدة فوق ركام بيتها، وجهها مغطى بالغبار الأبيض والدم الجاف، عيناها مفتوحتان تحدّقان في الفراغ، لا تبكي لأنها نسيت كيف يكون البكاء، تنادي أمها التي لن تجيب لأنها تحت الأنقاض. وفي النصف الأيمن من الشاشة نفسها، رئيس أمريكا يقف أمام الكاميرات مبتسمًا، يشكر إيران — نعم يشكرها! — على إبلاغها مسبقًا بمواقع ضرباتها حتى أُخليت القواعد قبل وصول الصواريخ!
الطفلة لم يُبلغها أحد. لم يُخلِ بيتها أحد. لم يشكرها أحد.
هذا هو الباب الثاني من هذا الكتاب. باب المسرحية الكبرى التي دُفع ثمنها من دماء غزة بينما أبطالها يتبادلون قصف الأماكن الفارغة ويتصافحون في الكواليس.
لماذا تحركت إيران؟ السؤال الذي يكشف كل شيء
قبل أن نخوض في تفاصيل حرب الاثني عشر يومًا بين إيران وإسرائيل، وقبل أن نتناول أحداثها ومجرياتها ونهايتها، يجب أن نطرح سؤالًا واحدًا. سؤالًا بسيطًا ومباشرًا لكنه أخطر من كل التحليلات الاستراتيجية وأعمق من كل المقالات السياسية. سؤالًا إذا أجبتَ عليه بصدق فقد فهمتَ كل شيء وانكشف لك ما كان مستورًا واتضح لك ما كان غامضًا:
لماذا تحركت إيران عسكريًا أكثر من مرة ضد إسرائيل؟
هل تحركت نصرة لغزة؟
لنُجب على هذا السؤال بسؤال آخر: أين كانت إيران حين كانت غزة تُباد؟
أين كانت حين سقطت أول قنبلة على حي الرمال وأبادت عائلات بأكملها؟ أين كانت حين قُصف مستشفى المعمداني وصعدت أرواح المئات إلى بارئها في لحظة واحدة؟ أين كانت حين حاصر العدو مستشفى الشفاء واقتحمه واعتقل الأطباء والمرضى والجرحى؟ أين كانت حين دُمّر حي الشجاعية بالكامل ولم يبقَ فيه حجر فوق حجر؟ أين كانت حين قصف العدو مخيمات النازحين في رفح وهم نائمون في خيامهم البائسة؟ أين كانت حين مات الرضّع في الحاضنات لأن الكهرباء قُطعت عن المستشفيات؟ أين كانت حين أكل أطفال غزة علف الحيوانات وورق الشجر من شدة الجوع؟
أين كانت صواريخها الباليستية وقتها؟ أين كانت مسيّراتها المتطورة؟ أين كانت خطاباتها النارية عن محو إسرائيل من الخريطة؟
كانت في المخازن. كانت نائمة. كانت تنتظر.
تنتظر ماذا؟
تنتظر أن تُمسّ كرامة إيران نفسها. لا كرامة غزة ولا كرامة الأمة ولا كرامة المسجد الأقصى. كرامة طهران وقم ومرشد الجمهورية الإسلامية. هذه هي الكرامة الوحيدة التي تستحق تحريك الصواريخ.
ضربات أبريل: ستة أشهر من الإبادة لم تحرّك صاروخًا واحدًا
حين قصفت إسرائيل القنصلية الإيرانية في دمشق في أبريل 2024 وقتلت قادة كبارًا في الحرس الثوري، ردّت إيران لأول مرة في تاريخها بضربة مباشرة على إسرائيل. أطلقت مئات الصواريخ والمسيّرات. لأول مرة!
ليس من أجل آلاف الأطفال الذين قُتلوا في غزة على مدى ستة أشهر كاملة قبل تلك الضربة. ليس من أجل المستشفيات التي دُمّرت والمخيمات التي أُبيدت. بل من أجل مبنى دبلوماسي إيراني قُتل فيه ضباط إيرانيون!
ستة أشهر من إبادة غزة لم تُحرّك صاروخًا إيرانيًا واحدًا، لكن ضربة واحدة على منشأة إيرانية في سوريا حرّكت مئات الصواريخ في ليلة واحدة.
فاحسبها بنفسك واحكم: لمن تتحرك هذه الصواريخ حقًا؟
اغتيال هنية: الفضيحة التي لا تُغسل
دعوني أروي لكم قصة تختصر كل شيء. قصة لو تأملها كل مسلم بعقل صافٍ وقلب مفتوح لما احتاج إلى دليل آخر على حقيقة هذا المحور.
في يوليو 2024، كان إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، في طهران. لم يكن هناك سرًا ولم يكن متخفيًا. كان ضيفًا رسميًا على الجمهورية الإسلامية الإيرانية. جاء ليحضر حفل تنصيب الرئيس الإيراني الجديد. كان يسير في شوارع طهران تحت حماية الأجهزة الأمنية الإيرانية. كان يُفترض أنه في أكثر الأماكن أمانًا في العالم بالنسبة لقيادي فلسطيني: في قلب الدولة التي تتبنى قضية فلسطين وتعتبرها قضيتها المركزية.
ثم في جنح الليل اغتالته إسرائيل. قتلته في عقر دار إيران! في قلب عاصمتها! تحت أنوف أجهزتها الأمنية والاستخباراتية! في الدولة التي تملك أحد أكبر أجهزة المخابرات في المنطقة! في الدولة التي تتباهى بقدراتها الأمنية وتفاخر بذراعها الاستخباراتية الطويلة!
تأمّل هذا المشهد جيدًا: ضيفك. في بيتك. تحت حمايتك. قُتل وأنت تنظر. وأنت الذي تملك مئات الصواريخ الباليستية وآلاف المسيّرات وجيشًا من مئات الآلاف ومنظومة أمنية يُفترض أنها من الأقوى في المنطقة.
قُتل ضيفك في بيتك ولم تستطع حمايته!
والأفدح والأنكى: لم تردّ! لم تطلق صاروخًا واحدًا ثأرًا له! لم تحرّك مسيّرة واحدة انتقامًا لدمه! ما فعلته إيران بعد اغتيال هنية على أراضيها هو بالضبط ما كانت تفعله دائمًا: تصريحات نارية تهزّ الميكروفونات ولا تهزّ العدو. وعيد وتهديد يملأ الشاشات ولا يملأ قلب العدو رعبًا. ثم بعد أيام يمر الحدث ويُنسى وتعود الأمور إلى ما كانت عليه وكأن شيئًا لم يكن.
فهل تحركت إيران لأجل هنية ولأجل غزة؟ أبدًا!
ظاهرة صوتية بلا أثر: النمط المتكرر
هذا النمط تكرر مرارًا وتكرارًا حتى أصبح مزحة سمجة يعرف نهايتها الجميع قبل أن تبدأ.
بعد اغتيال قاسم سليماني في بغداد عام 2020: امتلأت شاشات إيران بالتهديد والوعيد وإزالة أمريكا من المنطقة، ثم جاء الرد: صواريخ على قاعدة عين الأسد الأمريكية في العراق بعد إخطار أمريكا مسبقًا لإخلائها! ردّ لحفظ ماء الوجه لا أكثر وبتنسيق مع أمريكا كما أعلن ترامب بنفسه.
بعد اغتيال هنية على الأراضي الإيرانية: تصريحات أشد نارية وتهديدات بردّ ساحق، ثم شهور من الصمت المطبق.
بعد تدمير حزب الله واغتيال نصر الله: تصريحات عن الانتقام الحتمي، ثم تحرك جاء متأخرًا بدافع حفظ ماء الوجه.
بعد ضربة أكتوبر 2024 التي دمّرت دفاعاتها الجوية ومنشآتها النووية: "الأضرار محدودة" ومشاهد من أسواق طهران!
بعد ضربة يونيو 2025 التي اغتالت أعلى قادتها العسكريين: تبادل قصف أماكن فارغة ثم وقف إطلاق نار بوساطة قطرية وشكر أمريكي!
في كل مرة نفس السيناريو: تهديد ضخم يملأ الشاشات ثم ردّ لا يرقى لمستوى الإهانة. جعجعة بلا طحين. رعد بلا مطر. كأن إيران تحسب ضرباتها بالآلة الحاسبة: كم هو أقل رد ممكن يحفظ لنا ماء الوجه دون أن يستفز العدو إلى مواجهة حقيقية؟
ما الذي حرّك إيران إذن؟
الذي حرّك إيران هو أن العدو لم يكتفِ باغتيال هنية في يوليو 2024. مرّت أسابيع وأشهر على اغتياله في قلب طهران ولم تفعل إيران شيئًا. بل تمادى العدو أكثر فأكثر لأنه قرأ الجبن في عيونهم.
ضرب حزب الله ودمّره ضربة تلو الأخرى. فجّر أجهزة البيجر والاتصالات في أيدي عناصره في سبتمبر 2024 فأصاب الآلاف دفعة واحدة. اغتال نصر الله رجل إيران في لبنان في قلب ضاحيته وقتل القادة العسكريين واحدًا تلو الآخر. دمّر الترسانة في مخازنها. اخترق المنظومة الأمنية بالكامل. ثم لم يكتفِ بذلك بل بدأ يقصف أهدافًا داخل سوريا بشكل يومي ويقترب من إيران نفسها ويهدد مواقعها النووية ويستعرض قوته أمام العالم وكأنه يقول لإيران: أنتِ عارية أمامي ولا تملكين شيئًا.
حين تراكمت الإهانات فوق بعضها وأصبح السكوت مستحيلًا أمام الشعب الإيراني والعالم، وأصبح عدم الرد انتحارًا سياسيًا للنظام وسقوطًا لهيبته أمام أتباعه وحلفائه، حينها فقط ظهرت غريزة البقاء. ليست غريزة الجهاد ولا غريزة النصرة ولا نخوة لأجل غزة والمسجد الأقصى. بل غريزة القط المحشور في الزاوية الذي لم يبقَ أمامه خيار إلا أن يكشّر عن أنيابه ليدافع عن نفسه.
عملية الوعد الصادق: ضربة واحدة ثم صمت
عندها فقط، في الأول من أكتوبر 2024، بعد ثلاثة أشهر كاملة من اغتيال هنية على أراضيها وبعد عام كامل من بدء إبادة غزة، أطلقت إيران ضربتها الثانية على إسرائيل فيما سمّته "عملية الوعد الصادق 2". أطلقت قرابة مئتي صاروخ باليستي على مناطق متفرقة في إسرائيل خلال نصف ساعة فقط. دوّت صفارات الإنذار في جميع أنحاء الكيان وهرع الملايين إلى الملاجئ وأُغلق مطار بن غوريون الدولي وتوقفت الرحلات الجوية. أصيبت مبانٍ في تل أبيب وسقطت صواريخ على قواعد عسكرية في الجنوب والوسط وأُصيب عشرات الإسرائيليين. وأعلن الحرس الثوري أن العملية جاءت انتقامًا لاغتيال هنية ونصر الله والقائد في الحرس الثوري عباس نيلفروشان.
لحظة مهيبة لا شك. لكن توقف هنا واسأل نفسك: لماذا الآن؟ ولماذا لم تستمر؟ لماذا لم تُطلق هذه الصواريخ حين كانت غزة تُقصف كل يوم على مدى اثني عشر شهرًا كاملًا؟
اثنا عشر شهرًا من الإبادة لم تُحرّك صاروخًا واحدًا لأجل غزة، لكن اغتيال قادة إيرانيين وحلفائهم حرّك مئتي صاروخ في ليلة واحدة!
ثم أُطلقت تلك الصواريخ وانتهى الأمر! ضربة واحدة ثم صمت! لم تتبعها ضربة ثانية ولا ثالثة ولا حملة متواصلة. كأنها كانت جرعة مسكّن لحفظ ماء الوجه لا علاجًا حقيقيًا للمرض.
ثم إن إيران نفسها اعترفت بأن العملية انتقام لهنية ونصر الله ونيلفروشان — أي انتقام لقادتها وحلفائها — ولم تقل إنها لأجل أطفال غزة ولا لأجل وقف الإبادة ولا لأجل فك الحصار. هم من صاغوا البيان وهم من اختاروا كلماته وهم من حددوا الدافع: الانتقام لكرامتهم لا لدماء غزة.
هذه هي الحقيقة المجردة مهما حاول المحور وأبواقه تزيينها: إيران قاتلت من أجل إيران. من أجل كرامة النظام لا كرامة الأمة. من أجل بقاء المرشد لا بقاء أطفال غزة. من أجل الملف النووي لا المسجد الأقصى.
أشهر طويلة من إبادة غزة لم تحرّك صاروخًا إيرانيًا واحدًا. اغتيال هنية على الأراضي الإيرانية لم يحرّك صاروخًا إيرانيًا واحدًا. لكن حين أُهينت إيران نفسها وتراكمت الصفعات على وجهها حتى ما عادت تستطيع السكوت أمام مرآتها... حينها فقط تحركت.
فعلى أي أساس نسمي هذا نصرة لغزة؟
أيام التوبة: حين انتُهكت إيران في عقر دارها
ولم يمرّ على ضربة إيران إلا خمسة وعشرون يومًا حتى جاء الرد الإسرائيلي ليكشف حجم العُري الاستراتيجي الإيراني أمام العالم.
في السادس والعشرين من أكتوبر 2024 شنّت إسرائيل هجومًا جويًا مباشرًا على الأراضي الإيرانية فيما سمّته "عملية أيام التوبة". ثلاث موجات من الغارات الجوية نفّذتها عشرات المقاتلات الإسرائيلية على أهداف عسكرية في قلب إيران. دوّت الانفجارات في سماء طهران نفسها وفي خوزستان وعيلام. دمّرت الضربات منظومات الدفاع الجوي الإيرانية وعلى رأسها منظومة إس-300 الروسية الصنع التي تحمي المنشآت النووية في أصفهان. ودمّرت مصانع الطائرات المسيّرات ومنشآت تصنيع الوقود الصلب للصواريخ الباليستية. بل وصلت إلى منشأة بارشين النووية وألحقت بها أضرارًا بالغة.
واعترفت إيران بمقتل عسكريين اثنين في الضربات. عسكريان فقط في رواية إيران الرسمية! لكن الأهم من عدد القتلى هو ما دُمّر: الدرع الذي يحمي إيران من أي ضربة مستقبلية! جرّدها العدو من دفاعاتها الجوية وكشف ظهرها تمامًا وفتح الطريق لأي ضربة قادمة.
وما كان رد إيران العظيم على هذا الاختراق المهين لسيادتها؟
التلفزيون الرسمي الإيراني بثّ مشاهد من أسواق طهران وشوارعها يصوّر الحياة الطبيعية! أعلنوا أن "الأضرار محدودة" ثم التزموا الصمت! وتوعّد المرشد الأعلى بمصير مؤلم لإسرائيل — نفس الأسطوانة المشروخة التي سمعناها مئة مرة دون أن يتحقق منها شيء! ثم تعهّدت وكالة تسنيم بأن إيران "تحتفظ بحق الرد المتناسب" ثم طُوي الملف ولم يحدث شيء!
تأمّل: دولة تدّعي أنها قائدة محور المقاومة يُقصف قلبها النابض ومنشآتها النووية وعاصمتها ومنظومتها الدفاعية فتُصدر بيانًا بأن "الأضرار محدودة" وتبثّ صور الأسواق المفتوحة! كأنها تقول للعدو: اضربنا متى شئت ونحن سنتظاهر بأن شيئًا لم يحدث!
هكذا مر عام 2024 وإيران مكشوفة الظهر: حزب الله مدمّر ونصر الله قتيل وهنية اغتُيل على أراضيها وسقط الأسد والدفاعات الجوية مدمّرة والمنشآت النووية مكشوفة. كل أوراق القوة التي بنتها على مدى عقود تساقطت كأوراق الخريف خلال أشهر معدودة.
وبقيت غزة وحدها تقاتل.
حرب حقيقية بنهاية مسرحية
لنكن منصفين في وصف ما حدث. حين اندلعت المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل في يونيو 2025 كانت حربًا حقيقية لا مسرحية. سقطت صواريخ حقيقية وقُصفت مواقع حقيقية وحلّقت مسيّرات حقيقية ودارت مواجهات حقيقية استمرت اثني عشر يومًا.
أقول هذا إنصافًا للحق ورفضًا لمنطق المؤامرة الذي يقول إن كل شيء كان مسرحيةً من الألف إلى الياء. لا، لم يكن كل شيء مسرحية.
لكن النهاية؟
النهاية كانت مسرحية فاشلة مفضوحة ومهينة شاهد تفاصيلها الجميع بالصوت والصورة. ومن ينكر ذلك فهو إما أحمق لا يستطيع ربط الأحداث ببعضها، أو جاهل لم يتابع ما حدث، أو مكابر يرفض الاعتراف بما تراه عيناه.
البداية: قطع الرأس
في فجر الثالث عشر من يونيو 2025 شنّت إسرائيل هجومًا مفاجئًا واسع النطاق على إيران أسمته "عملية الأسد الصاعد" — وهو اسم اختاره نتنياهو بنفسه في سابقة لم تحدث من قبل أن يُسمّي رئيس حكومة عملية عسكرية.
كان الهجوم مدمّرًا بكل المقاييس. استهدف مواقع نووية رئيسية ومنشآت عسكرية وقواعد صواريخ ومراكز قيادة وسيطرة. لكن الأخطر من كل ذلك: استهدف القيادات العسكرية الإيرانية نفسها! ونجح!
اغتالت إسرائيل في هذا الهجوم حسين سلامي قائد الحرس الثوري الإيراني!
واللواء محمد باقري رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإيراني!
وأمير علي حاجي زاده قائد القوات الجوية والفضائية في الحرس الثوري!
واللواء غلام علي رشيد قائد مقر "خاتم الأنبياء المركزي"!
وعددًا من العلماء النوويين!
أربعة من أرفع القادة العسكريين في إيران قُتلوا دفعة واحدة! رأس المؤسسة العسكرية الإيرانية قُطع بالكامل! في دولة يُفترض أنها في حالة حرب ويُفترض أن كل مؤسساتها تعمل بحالة الطوارئ القصوى! فكيف وصل العدو إلى أماكن تواجد هؤلاء القادة بهذه الدقة المتناهية؟
أجابت صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية: إسرائيل أنشأت قاعدة مسيّرات داخل الأراضي الإيرانية نفسها! وكشفت التقارير أن عملاء إسرائيل اخترقوا الداخل الإيراني ونجحوا في تحديد أماكن إقامة العسكريين والعلماء بدقة متناهية!
هذا ليس عدوًا يقصف من بعيد. هذا عدو يتجوّل في حديقة بيتك ويعرف أين تنام وأين تخبئ سلاحك ثم يقتل جنرالاتك في غرفهم!
وتذكّر: هذه هي الدولة نفسها التي لم تستطع حماية هنية ضيفها على أراضيها! ولم تستطع حماية دفاعاتها الجوية في أكتوبر! والآن لم تستطع حماية أعلى قادتها العسكريين في قلب بلادها! تساقطوا واحدًا تلو الآخر كأحجار الدومينو وقائدة المقاومة المزعومة عاجزة عن حماية جنرالاتها في عقر دارها رغم توقعات القصف!
اثنا عشر يومًا من النار
ولنكن منصفين مرة أخرى: المواجهة لم تكن من طرف واحد. إيران ردّت. ردّت في مساء اليوم نفسه — الثالث عشر من يونيو — بما سمّته "عملية الوعد الصادق 3". أطلقت نحو مئة وخمسين صاروخًا ومئة مسيّرة من طراز شاهد في الليلة الأولى وحدها. وخلال الأيام التالية استمر القصف المتبادل بوتيرة غير مسبوقة.
وصلت الصواريخ الإيرانية إلى تل أبيب. نعم، وصلت. سقطت صواريخ على وسط تل أبيب وتصاعدت سحب الدخان من قلب المدينة. أصاب صاروخ مجمّع وزارة الدفاع الإسرائيلية في منطقة "الكريا" قرب شارع بيغين. وسقطت صواريخ في حيفا وبئر السبع والقدس وبات يام وريشون لتسيون. تضرّر نحو أربعمئة وثمانين مبنى في تل أبيب وحدها ومئتان وسبعة وثلاثون في رمات غان وثمانية وسبعون في بات يام هُدم منها اثنان وعشرون بالكامل. واستهدفت إيران معهد وايزمان للعلوم ومصفاة النفط في حيفا ومستشفى سوروكا والبنية التحتية للكهرباء في أشدود وعسقلان. قُتل ثمانية عشر إسرائيليًا وأُصيب أكثر من ألف. قُدّم أربعون ألف طلب تعويض وقُدّرت الأضرار بأكثر من مليار دولار. دوّت صفارات الإنذار في أنحاء إسرائيل وأُغلقت المدارس وحُظرت التجمّعات وأُلغيت الرحلات في مطار بن غوريون وعلق نحو مئة ألف إسرائيلي في الخارج.
أقول هذا إنصافًا للحقيقة. الضربات الإيرانية أحدثت ضررًا حقيقيًا وأوجعت إسرائيل في عمقها. هذا لا يُنكره إلا مكابر.
لكن — وهنا بيت القصيد — انظر إلى الميزان:
إيران فقدت قائد حرسها الثوري ورئيس أركان جيشها وقائد قواتها الجوية وقائد مقر خاتم الأنبياء وعددًا من علمائها النوويين. دُمّرت منشآتها النووية في نطنز وفوردو وأصفهان. عُطّل خمسة عشر ألف جهاز طرد مركزي. قُصفت مصانع صواريخها ومخازن ذخيرتها ومراكز قيادتها وسيطرتها. قُتل منها مئتان وأربعة وعشرون شخصًا ونُقل أكثر من ألف ومئتين إلى المستشفيات. وشُنّت هجمات سيبرانية شلّت شبكات القيادة والسيطرة. أُخّر برنامجها النووي سنوات إلى الوراء. قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إن "الطريق إلى طهران قد مُهّد".
وفي المقابل: إسرائيل تلقّت ضربات مؤلمة نعم لكنها بقيت واقفة تقاتل. لم تفقد قائدًا عسكريًا واحدًا. لم يُدمَّر مشروع استراتيجي واحد. لم تتوقف طائراتها عن القصف يومًا واحدًا. واصلت ضرب ثمانين هدفًا في الليلة الواحدة وأعلن متحدثها العسكري: "نحن لا نتوقف للحظة". وفي نفس الوقت — وهذا هو الأشد إيلامًا — استمر القصف على غزة دون توقف. أي لم تؤثر تلك الضربات كثيرًا على معارك إسرائيل في غزة.
لسنا هنا لتقييم الأضرار لكن بلا شك إيران أوجعت إسرائيل لكن إسرائيل أيضًا أعادت إيران إلى الوراء. والفارق بين الإيلام والتدمير هو الفارق بين صفعة على الوجه وبين كسر العمود الفقري.
تبادل قصف الأماكن الفارغة
ثم جاء الفصل الأخير من هذه المسرحية. والآن اسمحوا لي أن أعرض عليكم مشهدًا لو كُتب في رواية خيالية لقال القارئ إنه مبالغ فيه ولا يمكن أن يحدث في الواقع. لكنه حدث. حدث أمام أعين العالم كله.
أمريكا تتدخل وتقصف المواقع النووية الإيرانية وتعلن ذلك بشكل رسمي.
توقف هنا. أمريكا قصفت المواقع النووية لإيران وأعلنت ذلك؟! هذا حدث جلل في كل المقاييس. هذا يعني حربًا مفتوحة واستهدافًا لأكثر المنشآت حساسية في الدولة الإيرانية. هذا يُفترض أن يكون إعلان حرب شاملة ونقطة لا عودة بعدها.
لكن المفاجأة: المواقع كانت فارغة!
نعم، فارغة! وهذا ليس تحليلًا أو تخمينًا أو نظرية مؤامرة. هذا ما قالته إيران نفسها! إيران هي من أعلنت أن المواقع التي قُصفت كانت قد أُخليت. أي أن إيران عرفت مسبقًا أن القصف سيأتي وأخلت مواقعها!
وفي المقابل أمريكا أعلنت تدمير قدرات إيران النووية!
ثم جاء الدور الإيراني في هذه المسرحية: إيران قصفت القواعد الأمريكية في المنطقة فيما سمّته "عملية بشارة الفتح". قصفت قاعدة العديد في قطر وقواعد في العراق. وأعلن مجلس الأمن القومي الإيراني أن عدد الصواريخ يماثل عدد القنابل الأمريكية على منشآتهم — كأنهم يحسبونها بالآلة الحاسبة!
لكن المفاجأة مرة أخرى: القواعد كانت فارغة أيضًا!
وهذا بحسب رواية قطر وأمريكا! أُخليت قبل القصف! كأن أحدًا أبلغ أمريكا: سنقصف هذا الموقع في هذا الوقت فأرجو أن تُخلوه قبل وصول صواريخنا!
والآن أسألك بكل هدوء: هل اتفق الطرفان على تبادل القصف في الأماكن الخالية حتى لا ينزعج أحد؟ أم كانت صدفة عجيبة غريبة خارقة لكل قوانين الاحتمالات أن كل طرف يقصف مواقع الآخر فيجدها فارغة تمامًا؟
لو كنت في محكمة وعرضت هذه الأدلة على قاضٍ لضحك من فكرة الصدفة ولحكم فورًا بأن هناك تنسيقًا مسبقًا.
ترامب يشكر إيران!
ولو لم تكن الأدلة السابقة كافية فإن ما جاء بعدها يُغلق باب الجدل إلى الأبد.
في الرابع والعشرين من يونيو 2025، بعد اثني عشر يومًا فقط من بدء الحرب؛ خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأعلن بشكل مفاجئ وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران بوساطة قطرية.
وقال أمام الكاميرات وأمام العالم كله كلامًا لا يحتمل التأويل:
شكر إيران على إبلاغ أمريكا بالضربات مسبقًا!
ثم قال بكل بساطة: حان وقت السلام!
أعد قراءة هذا السطر ببطء. رئيس أمريكا يشكر إيران. يشكرها! ليس على وقف إطلاق النار ولا على تنازل سياسي. يشكرها على إبلاغها أمريكا مسبقًا بمواقع الضربات! أي أن إيران أخبرت أمريكا أين ستقصف قبل أن تقصف! وأمريكا أخلت جنودها ومعداتها! ثم جاءت الصواريخ الإيرانية وضربت أماكن فارغة! ثم خرج ترامب ليقول شكرًا!
والآن تخيّل ذلك الأب في غزة الذي فقد أطفاله الأربعة تحت القصف في نفس الأسبوع الذي كانت فيه إيران تُبلغ أمريكا بمواقع ضرباتها. هو لم يُبلّغ بشيء. أطفاله لم يُجلَوا من تحت السقف المتهاوي. لم يشكره أحد على صبره. لا أحد حتى سأل عنه. كان هناك وقت للتنسيق مع أمريكا، لكن لم يكن هناك وقت لأطفال غزة.
ثم نُظّم وقف إطلاق النار بآلية مسرحية: إيران تبدأ هدنة اثنتي عشرة ساعة أولًا ثم تبدأ إسرائيل هدنة مماثلة ثم تُعلن نهاية الحرب رسميًا بعد أربع وعشرين ساعة. كأنهم يتناوبون على خشبة المسرح!
في أي كتاب من كتب الحروب في التاريخ البشري كله تجد طرفًا يُبلغ عدوه بمكان ضرباته مسبقًا ثم العدو يشكره على هذا الإبلاغ؟!
هذه ليست حربًا. هذه ترتيبات نهاية العرض المسرحي. حرب حقيقية بنهاية مرتّبة. دماء حقيقية سُفكت على المسرح لكن النهاية كُتبت في الكواليس.
وبعد كل هذا يأتي من يقول لنا إن إيران بطلة المقاومة وقائدة الممانعة وحامية حمى الأمة!
غزة الغائبة عن شروط السلام
والآن نصل إلى الفضيحة الكبرى. إلى المشهد الذي لو لم يكن في هذا الكتاب إلا هو لكفى دليلًا قاطعًا على كل ما نقول.
بعد انتهاء حرب الاثني عشر يومًا، جلست إيران على طاولة التفاوض. قبلت بوقف إطلاق النار. طلبت ضمانات لسلامتها وسلامة منشآتها ومواقعها. تفاوضت على شروط ومطالب ومقابل.
وماذا عن غزة؟
لم تذكرها!
لم تُدرج غزة في شروط وقف إطلاق النار! لم تشترط وقف الحرب على غزة! لم تطالب بفتح المعابر أو إدخال المساعدات أو وقف القصف أو حماية المدنيين أو أي شيء يتعلق بالشعب الذي يُباد منذ أشهر والذي من أجله يُفترض أن كل هذه الضجة قامت!
تأمّل هذا جيدًا: السبب الذي جعل كثيرين يتعاطفون مع إيران ويبررون لها ويدافعون عنها هو زعمها أنها تقف مع غزة وتنصر فلسطين. هذا هو الطُّعم الذي ابتلعه من ابتلعه. وبسببه وجدنا من يتجاوز عن تاريخ إيران الأسود في سوريا والعراق واليمن ولبنان، ويغضّ الطرف عن مئات الآلاف من القتلى المسلمين الذين سقطوا على يد ميليشياتها، بل وجدنا من يسكت عن الطعن في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يستنكره بصوت خافت خجول كأنه يعتذر عن دفاعه عن أبي بكر وعمر! كل ذلك لأن إيران ترفع شعار فلسطين!
والآن بعد كل ما عرضناه في هذا الكتاب — بعد المواقع الفارغة والتنسيق المسبق وشكر ترامب واغتيال القادة دون ردّ ووقف إطلاق النار خلال اثني عشر يومًا — أسألك: هل كان الثمن الذي دفعته يستحق؟ هل كان سكوتك عن سبّ أبي بكر وعمر وعائشة يستحق كل هذه المسرحية؟ هل كان تنازلك عن دينك وعقيدتك ثمنًا لصواريخ ضربت أماكن فارغة؟
من باع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مقابل شعارات إيران فقد باع الغالي بالرخيص. ومن سكت عن الطعن فيهم مجاملةً لمحور لم يحرّر شبرًا واحدًا من فلسطين فقد خسر دينه ودنياه معًا. لأن الصحابة باقون ببقاء هذا الدين وشعارات إيران تبخّرت في اثني عشر يومًا.
وها هي غزة غائبة تمامًا عن شروط السلام!
فلنسأل أنفسنا بكل صراحة وبكل هدوء: إذا كانت إيران قد دخلت هذه المواجهة من أجل غزة، فلماذا لم تشترط شيئًا لغزة حين وقّعت على وقف إطلاق النار؟ لماذا طلبت سلامة نفسها ونسيت سلامة غزة؟ لماذا تفاوضت على ملفها النووي ومنشآتها العسكرية ولم تتفاوض على حياة مليونين من المسلمين المحاصرين في أكبر سجن مفتوح في العالم؟
ألف يوم وأكثر من القصف المتواصل على غزة لم تحرّك إيران. لكن أيامًا معدودة من القصف على إيران كانت كافية لتركع وتطلب وقف إطلاق النار وتقبل بشروط تحفظ لها سلامتها دون أن تذكر غزة بكلمة واحدة!
هذا ليس تحليلًا ولا استنتاجًا ولا رأيًا. هذه وقائع حدثت أمام العالم كله. وهي وحدها كافية لكشف حقيقة النصرة الزائفة من ألفها إلى يائها.
أسئلة لم يُجب عنها أحد
والآن أريد أن أطرح سلسلة من الأسئلة. أسئلة بسيطة مباشرة لا تحتاج ذكاءً خارقاً ولا تحليلاً معمّقاً. تحتاج فقط إنصافاً. وأتحدّى أي مناصر لمحور إيران أن يجيب عنها بإجابة مقنعة واحدة:
لماذا لم تشترط إيران وقف الحرب على غزة في اتفاق وقف إطلاق النار؟ قاتلت اثنتا عشرة يومًا وتفاوضت وطلبت ضمانات لنفسها... فلماذا نسيت غزة التي يُفترض أنها سبب كل شيء؟
لماذا أُبلغت أمريكا مسبقاً بمواقع الضربات الإيرانية حتى أُخليت القواعد قبل وصول الصواريخ، بينما أطفال غزة لم يُبلّغهم أحد بمواعيد القصف الذي يمحو عائلات بأكملها من السجل المدني؟ أمريكا تستحق التحذير وأطفال غزة لا يستحقون؟
لماذا أرسلت إيران عشرات الآلاف من المقاتلين عبر حدودها لقتل السوريين في حلب وحمص ودرعا والغوطة، ولم ترسل مقاتلاً واحداً لنصرة غزة؟ الحدود مفتوحة لذبح المسلمين ومغلقة لنصرتهم؟
لماذا صمتت إيران ستة أشهر كاملة من الإبادة المتواصلة في غزة — ستة أشهر من القتل والتجويع والتشريد — ولم تُطلق صاروخاً واحداً، ثم تحركت حين أُهينت كرامة طهران؟ دماء غزة رخيصة وكرامة طهران غالية؟
أين ذهبت مئة وخمسون ألف صاروخ لحزب الله؟ هل كانت حقاً ليوم الحسم مع إسرائيل أم كانت لتخويف أهل لبنان والمسلمين وإسكات كل صوت معارض؟ لأنها استُخدمت في الاتجاه الثاني ولم تُستخدم يوماً في الاتجاه الأول!
إذا كانت "الموت لأمريكا" حقيقية وليست شعاراً للاستهلاك المحلي، فلماذا تُفاوض إيران أمريكا سراً في جنيف وتتوسط لها عُمان وتستجدي رفع العقوبات، بينما تقاتل المسلمين علناً في أربع دول عربية؟ على من الموت فعلاً: على أمريكا أم على المسلمين؟
هذه ليست أسئلة استفزازية. هذه هي الأسئلة التي يرفض أنصار المحور الإجابة عنها. يلفّون ويدورون ويغيّرون الموضوع ويتّهمون السائل بالعمالة والخيانة والتطبيع. لأن الإجابة الصادقة على أي سؤال منها تهدم السردية بأكملها. ولذلك يخافون من الأسئلة أكثر مما يخافون من الصواريخ.
شهادات من الداخل — حين يشهد عليهم أهلُهم
ولو كنّا نحن فقط من يقول هذا الكلام لقالوا: هؤلاء أعداء المقاومة ينفثون سمومهم. لكن المذهل أن الشهادات الأقوى لم تأتِ منّا بل جاءت من داخل المحور نفسه ومن أعدائه الذين يُفترض أن يكذبوا لصالحهم لا ضدهم!
ترامب نفسه — الرجل الذي يُفترض أنه ألدّ أعداء إيران — وقف أمام الكاميرات وشكر إيران على إبلاغها المسبق بمواقع الضربات! شكرها! العدو يشكر عدوّه على طريقة حربه! في أي تاريخ حدث هذا؟ في أي حرب في تاريخ البشرية وقف طرف يشكر الطرف الآخر على إخباره بمكان ضرباته؟ هذه ليست حرباً. هذه رسالة شكر وتقدير بين طرفين متفقين على إنهاء المسرحية.
وحين نتتبع تصريحات المسؤولين الإيرانيين أنفسهم — لا أعداءهم — نجد أن أولويتهم كانت دائماً الملف النووي والعقوبات الاقتصادية لا فلسطين. كل مفاوضاتهم مع الغرب تدور حول رفع العقوبات وحماية المنشآت النووية وضمان بقاء النظام. فلسطين لم تكن يوماً على طاولة التفاوض إلا كورقة ضغط تُرفع حين تقتضي المصلحة وتُخفض حين يتحقق المطلوب.
وحتى من داخل صفوف المقاومة الفلسطينية ذاتها بدأت تتسرب إشارات لا تُخطئها الأذن الواعية. تلميحات حذرة من قادة حماس بأن الوعود لم تُنفَّذ كما اتُّفق. نبرة مرارة خفية في خطاباتهم حين يتحدثون عن وحدة الساحات. إشارات بأن ما وُعدوا به لم يتحقق وأن الخذلان كان أكبر مما توقعوه. لم يقولوها صراحة لأن المصلحة تقتضي الصمت. لكن من يقرأ بين السطور يفهم. ومن يسمع النبرة قبل الكلمة يدرك حجم المرارة.
حين يشكرك عدوّك على طريقة حربك، وحين يلمّح حليفك إلى خذلانك، وحين تكشف تصريحاتك أنت نفسك أن أولوياتك في مكان آخر، فماذا يتبقى من ادعاء النصرة؟
بعد الحرب: هل تغيّر شيء لغزة؟
والسؤال المشروع الذي يطرح نفسه بعد كل ما حدث: هل تغيّر شيء لأهل غزة بعد حرب الاثني عشر يومًا؟
هل توقف القصف على غزة؟ لا.
هل فُتحت المعابر؟ لا.
هل دخلت المساعدات بشكل كافٍ؟ لا.
هل توقف التجويع؟ لا.
هل انسحب الجيش الإسرائيلي؟ لا.
هل تحسّن وضع المدنيين؟ لا.
هل اقتربنا من وقف إطلاق النار في غزة؟ لا.
لم يتغيّر شيء. لا شيء على الإطلاق. استمر القصف كما كان. استمر الحصار كما كان. استمر الموت كما كان. واستمر أطفال غزة يُدفنون تحت الأنقاض كل يوم كما كانوا قبل حرب إيران وأثناءها وبعدها.
الشيء الوحيد الذي تغيّر هو أن إيران حصلت على ضمانات لسلامتها هي! حصلت على ترتيبات تحمي نظامها ومنشآتها وملفها النووي مؤقتًا! هذا ما تغيّر! إيران خرجت بمكاسب لنفسها وغزة بقيت كما هي: تُباد كل يوم.
فعلى ماذا بالضبط نُطالب بدعم إيران والوقوف معها والسكوت عن جرائمها والتغاضي عن طعن أنصارها في رموز أمتنا؟ على أي أساس؟ لأنها خاضت حربًا من أجل نفسها واستخدمت غزة ذريعة إعلامية ثم نسيتها حين جاءت لحظة الحقيقة؟
كان المبتغى من تأييد البعض لإيران هو دعم غزة وعدم تركها وحيدة. هذا ما قاله لنا المدافعون عن إيران: نحن لا نحب إيران لكننا ندعمها لأنها تدعم غزة. نحن نعرف تاريخها لكن الأولوية الآن لفلسطين.
حسنًا. قبلنا هذا المنطق جدلًا. فلنُخضعه للاختبار:
إيران قبلت بوقف الحرب. إيران طلبت سلامة نفسها. إيران لم تُدرج غزة في شروط السلام. إيران لم تشترط وقف الحرب على غزة. إيران لم تطالب بفك الحصار. إيران لم تطالب بحماية المدنيين. إيران خرجت من الحرب بمكاسب لنفسها وتركت غزة تحترق.
فعلى ماذا بالضبط ندعمها؟
ذهب المبرر الوحيد الذي كان يتذرع به المدافعون عنها. سقطت الحجة الأخيرة. انكشف الغطاء عن العري الكامل. لم يبقَ ما يُقال. إلا أن يعترف المنصفون بأنهم خُدعوا، أو يكابر المكابرون ويستمروا في خداع أنفسهم.
أسد على المسلمين... نعامة أمام أمريكا وإسرائيل
وهنا يتكشّف الوجه الأقبح في هذه المعادلة. إيران التي ترتجف أمام إسرائيل وتحسب ضرباتها بالآلة الحاسبة وتُبلغ عدوها بمواقع قصفها مسبقًا — هذه إيران نفسها لا ترتجف ولا تتردد ولا تحسب حسابًا حين يكون الضحية مسلمين عُزّلًا لا سند لهم ولا ظهير.
في سوريا: لم تحتج إيران إلى آلة حاسبة ولا إلى تنسيق مسبق. أرسلت ميليشياتها من كل صوب وحدب وقتلت وهجّرت ودمّرت مدنًا بأكملها فوق رؤوس أهلها. لم تُبلغ أحدًا ولم تُخلِ موقعًا ولم تتفاوض على سقف للقصف. صواريخ حقيقية على بيوت حقيقية فيها أطفال حقيقيون. هناك لا مسرحية ولا تمثيل ولا أماكن فارغة.
في العراق: ميليشيات إيران لم تحتج إلى شهور من التفكير والتهديد والوعيد ثم الصمت. كانت تقتل وتخطف وتعذّب وتهجّر السنّة من بيوتهم بالجملة. حرّكت فرق الموت في بغداد والموصل وديالى والأنبار دون أن ترمش لها عين. هل سمعت يومًا أن إيران أبلغت أهل مدينة عراقية أو سورية مسبقًا بأنها ستقصفهم؟ هل أخلت الأحياء السنية قبل أن تُطلق ميليشياتها العنان؟
في اليمن: دعمت الحوثيين بالمال والسلاح والتدريب والصواريخ لحرب أهلية أكلت اليمن أكلًا. ملايين النازحين وأسوأ أزمة إنسانية في العالم. هناك أيضًا لا تنسيق ولا رحمة ولا حسابات دبلوماسية.
في لبنان: حوّلت البلد بأكمله إلى رهينة بيد حزب الله. قرّرت نيابة عن اللبنانيين متى يدخلون الحرب ومتى يخرجون منها. ثم حين دُمّر حزب الله وقُتل أمينه العام تركته وحيدًا وبدأت تحسب حسابات البقاء.
في إيران نفسها: قمعت الأقلية السنّية في الأحواز وبلوشستان وكردستان لعقود. واغتالت علماءهم واعتقلت دعاتهم وأعدمت شبابهم. الشيخ شهرام أحمدي أُعدم لأنه يعلّم القرآن! ومولوي فضل الرحمن كوهي أُعدم على تهم ملفقة! والشيخ عبد الحميد إسماعيل زهي يعيش تحت تهديد دائم لأنه يطالب بحقوق السنّة في بلادهم! والحرس الثوري الذي يقتل المتظاهرين الإيرانيين في الشوارع بالرصاص الحي عجز عن إسقاط طائرة واحدة فوق طهران!
هذا هو النمط الذي لا يخطئه عاقل: حين يكون الخصم مسلمين سنّة مستضعفين لا طائرات لديهم ولا أقمار صناعية ولا منظومات دفاع جوي — تتحوّل إيران إلى وحش لا يرحم. تقصف بلا حساب وتقتل بلا تردد وتدمّر بلا رقيب. أما حين يكون الخصم إسرائيل أو أمريكا — تتحوّل إلى حَمَل وديع يُبلغ عدوه بمكان ضرباته مسبقًا ويقصف أماكن فارغة ويقبل وقف إطلاق النار خلال اثني عشر يومًا بوساطة قطرية!
إيران التي أبادت حلب لم تستطع حماية جنرال واحد في طهران. والميليشيات التي ذبحت أهل الموصل ارتعدت فرائصها حين رأت المقاتلات الإسرائيلية تحلّق فوق أصفهان.
هذه ليست مقاومة. هذا استقواء على الضعيف وخنوع أمام القوي. وهذا بالضبط هو نقيض ما أمر به الإسلام: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده".
وهذا يكشف الحقيقة التي تكمن خلف كل الشعارات: إيران لا تريد حربًا حقيقية مع إسرائيل. لم تُرد يومًا. لأن الحرب الحقيقية تعني خسارة كل شيء: النظام والملف النووي والنفوذ الإقليمي والثروات. وهذه أشياء أثمن عند نظام الملالي من فلسطين ومن غزة ومن المسجد الأقصى ومن كل دماء المسلمين التي سُفكت وتُسفك.
الموت لأمريكا: شعار يقتل المسلمين لا الأمريكان
ودعنا نضع الأرقام جنبًا إلى جنب لنرى من يقتل من حقًّا تحت هذا الشعار.
كم أمريكيًا قتلت إيران منذ أن بدأت ترديد "الموت لأمريكا" عام 1979؟ أعداد محدودة جدًا على مدى خمسة وأربعين عامًا. حتى في حرب الاثني عشر يومًا التي قصفت فيها إيران قواعد أمريكية كانت القواعد فارغة! وحين قصفت قاعدة عين الأسد بعد اغتيال سليماني أبلغت أمريكا مسبقًا! شعار يُردّد منذ نصف قرن ولا يقتل أمريكيًا واحدًا تقريبًا!
وكم إسرائيليًا قتلت إيران في كل تاريخها؟ حتى في أعنف مواجهة مباشرة بينهما — حرب يونيو 2025 — قُتل ثمانية عشر إسرائيليًا في اثني عشر يومًا. ثمانية عشر! وهذا أقصى ما استطاعت إيران فعله حين أطلقت مئات الصواريخ بكل ما تملك.
والآن: كم مسلمًا سُنّيًّا قتلت إيران وميليشياتها؟
في سوريا: مئات الآلاف. ميليشيات إيران شاركت في تدمير حلب وإدلب وحمص ودرعا والغوطة وقتلت عشرات الآلاف بأيديها المباشرة وشرّدت الملايين.
في العراق: مئات الآلاف من السنّة قتلوا على يد ميليشيات الحشد الشعبي وفرق الموت التابعة لإيران. هُجّرت مدن بأكملها وطُهّرت طائفيًا أحياء كاملة في بغداد وديالى.
في اليمن: عشرات الآلاف قتلوا في حرب أهلية أشعلها الحوثيون بدعم إيراني وتسببت في أسوأ أزمة إنسانية عرفها العالم.
فلنضع المعادلة واضحة: "الموت لأمريكا" لم تقتل أمريكا. و"الموت لإسرائيل" لم تقتل إسرائيل. لكن "الموت لأمريكا" قتلت ملايين المسلمين السنّة! لأن هذا الشعار هو الغطاء الذي تتحرك تحته إيران لتمدّ نفوذها في بلاد المسلمين وتبني ميليشياتها وتُسلّحها وتُطلقها على أهل السنة.
الشعار موجّه لأمريكا لكن الرصاص موجّه للمسلمين. الشعار يملأ الشاشات والمظاهرات ضد أمريكا، لكن الدم يسيل في شوارع بغداد وحلب وصنعاء والأحواز.
بعبع أمريكا الزائف
كشفت حرب يونيو 2025 بنهايتها المسرحية بُعدًا آخر لا يقل خطورة عن بُعد التخاذل عن غزة: العلاقة الحقيقية بين إيران وأمريكا.
ما يجري خلف الكواليس يختلف اختلافًا جذريًا عما يظهر أمام الكاميرات. أمام الكاميرات: عداوة وتهديدات وشعارات "الموت لأمريكا" كل جمعة في طهران. خلف الكواليس: تنسيق وإبلاغ مسبق بالضربات وشكر متبادل ومسارعة إلى التهدئة حين يقترب الوضع من الانفجار الحقيقي.
إيران في حقيقتها ليست عدو أمريكا الحقيقي بل هي بعبعها الزائف. الفزّاعة التي استخدمتها أمريكا لعقود طويلة لتخويف الحكام العرب ودفعهم إلى شراء السلاح الأمريكي بمليارات الدولارات.
المعادلة بسيطة وقديمة: أمريكا تقول للحكام العرب انظروا إلى إيران، إنها تهددكم وتملك الصواريخ وتدعم الميليشيات وتريد السيطرة على المنطقة! أنتم تحتاجون سلاحنا وحمايتنا وقواعدنا العسكرية على أراضيكم! والحكام العرب يدفعون مئات المليارات ثمنًا لأسلحة أمريكية وأنظمة دفاع أمريكية وطائرات أمريكية وصفقات أمريكية لا نهاية لها.
وإيران تعرف هذا الدور وتؤديه ببراعة. لأنه يخدمها أيضًا. يمنحها الأهمية الإقليمية ويجعلها لاعبًا رئيسيًا لا يمكن تجاوزه ويعطيها أوراق ضغط وتفاوض تستخدمها لحماية نظامها وملفها النووي.
هي علاقة تكافلية. كلا الطرفين يستفيد من استمرار هذه اللعبة. أمريكا تبيع السلاح وتبقي قواعدها وتُحكم سيطرتها على المنطقة. وإيران تبقى لاعبًا رئيسيًا وتحمي نظامها وتمارس نفوذها.
والخاسر الوحيد؟ شعوب المنطقة. المسلمون السنة تحديدًا الذين يُقتلون في العراق وسوريا واليمن ولبنان وغزة بينما أمريكا وإيران يتبادلان الأدوار على المسرح.
من يتبادلون قصف الأماكن الفارغة ويشكرون بعضهم على الإبلاغ المسبق ليسوا أعداء حقيقيين. هم شركاء في لعبة يدفع ثمنها المسلمون بدمائهم كل يوم. ومن يصدّق أن "الموت لأمريكا" شعار حقيقي بعد كل ما رأى فعليه أن يُعيد تشغيل عقله من البداية.
هذا هو البعبع الزائف: عدوّ تصنعه أمام الكاميرات لتبرّر به جرائمك خلف الكاميرات. وكل من يصدّق أن "الموت لأمريكا" شعار حقيقي بعد كل ما رأى فعليه أن يسأل نفسه: إذا كانت إيران تريد الموت لأمريكا حقًا فلماذا تُبلغها بمواقع ضرباتها مسبقًا؟
طبول الحرب الجديدة
ونحن نكتب هذه السطور في فبراير 2026 تتكرر أمام أعيننا نفس المسرحية بحذافيرها. حاملتا طائرات أمريكيتان في الخليج ومئات المقاتلات تتمركز في قواعد السعودية وقطر وقاذفات بي-2 الشبحية جاهزة في قاعدة دييغو غارسيا وصواريخ توماهوك مصوّبة وترامب يخرج كل يوم بتصريح أشد من الذي قبله: "ستحدث أمور سيئة إن لم تتوصل إيران لاتفاق". البنتاغون يقول إنه أكبر حشد عسكري في الشرق الأوسط منذ اثنين وعشرين عامًا. نيوزويك تتحدث عن "حرب خليج ثالثة". نيويورك تايمز تحذّر من حرب أطول وأشد فتكًا من حرب يونيو. ليندسي غراهام ينصح ترامب بعدم الاستماع لمن يثنيه عن القصف. ضابط في السي آي إيه يقول إن الهجوم سيبدأ الاثنين أو الثلاثاء. إيران من جهتها تحصّن مواقعها النووية وتعيد بناء منشآت صواريخها وتهدّد باستهداف كل القواعد الأمريكية في المنطقة وترسل رسائل إلى مجلس الأمن تقول فيها إن تهديدات ترامب "ليست كلامًا فارغًا".
كل المؤشرات تقول إن حربًا جديدة على الأبواب.
والسؤال الذي يفرض نفسه: ماذا سيحدث لو ضربت أمريكا إيران فعلًا؟
لا أحد يملك إجابة قاطعة. لكن بناءً على كل ما رأيناه ووثّقناه في هذا الكتاب فإن توقّعنا واضح: ستتكرر المسرحية بنسخة أكبر وأكثر دموية لكن بنفس النهاية. سيُقصف ويُدمّر وسيسقط قتلى حقيقيون من الطرفين — هذا لا شك فيه. لكن حين تقترب اللحظة الحاسمة — لحظة الحرب الشاملة التي لا عودة بعدها — ستجد القنوات الخلفية تعمل والرسائل تُبعث والوسطاء يتحركون. وسينتهي الأمر باتفاق جديد يحفظ لكل طرف ماء وجهه: أمريكا تقول دمّرنا النووي وإيران تقول صمدنا أمام الإمبراطورية وترامب يكتب على تروث سوشال "تم التوصل لاتفاق عظيم" ويعلن النصر والقادة في طهران يخرجون من تحت الأرض ويعلنون النصر الإلهي المبين.
هل يبدو هذا مألوفًا؟ لأنه حدث حرفيًا قبل ثمانية أشهر فقط. وفي النهاية نحن لا نجزم بشيء وإنما هو القياس على أحداث سابقة والله أعلم بما سيحدث فربما لا تقع الحرب أصلًا!
وحتى لو جاءت هذه الجولة أعنف — وهي على الأرجح ستكون أعنف — فإن القاعدة الذهبية لن تتغير: إيران وأمريكا لا تريدان حربًا وجودية بينهما. إيران لن تتنازل عن النظام وأمريكا لن تتورط في احتلال بري لدولة بثمانين مليون نسمة. وبين هذين الخطين الأحمرين مساحة واسعة للمسرح: قصف وتدمير وضجيج ودماء ثم مصافحة في الكواليس واتفاق تحت الطاولة.
والضحية كالعادة؟ المسلمون الذين صدّقوا أن إيران ستواجه أمريكا من أجلهم. المسلمون الذين باعوا عقيدتهم مقابل شعارات "الموت لأمريكا" التي لا تقتل ذبابة. المسلمون الذين سكتوا عن سبّ الصحابة ظنًّا منهم أن إيران هي الدرع الذي يحمي الأمة من الهيمنة الأمريكية — فإذا بالدرع والعدو يتبادلان قصف الأماكن الفارغة ويشكر أحدهما الآخر على التنسيق المسبق!
وما يجري اليوم يُعلّم الأمة كلها حكامًا وشعوبًا أن كثيرًا من الصخب لا يصنع قوة حقيقية. وأن الامتحان الحقيقي يأتي في لحظة واحدة لا في خطابات سنوات. وأن علينا أن نقرأ هذه الدروس بعقلية جديدة مقاومة واعية، لا بعقلية الانبطاح أمام الصهاينة ولا بعقلية التبعية لطهران، بل ببناء قوة حقيقية مستقلة تعتمد على الله ثم على سواعد أبنائها بعيدًا عن شعارات الآخرين واستعراضاتهم ومسرحياتهم.
وبينما تتصاعد طبول الحرب الأمريكية في هذه اللحظة التي تقرأ فيها هذه الكلمات، تُتاح لنا فرصة نادرة لاختبار كل ما قلناه في هذا الكتاب اختبارًا حيًّا مباشرًا أمام أعيننا. فما يحدث في الأسابيع القادمة سيكون الحَكَم النهائي:
إذا اكتفت إيران بردود رمزية ومسرحيات متفق عليها وانتهى الأمر باتفاق جديد تحت الطاولة كما حدث في كل مرة سابقة، فاعلموا أنها ليست إلا نمرًا من ورق وأنها قد ركعت للصهاينة وأمريكا وانتهى دورها. وسيكون مصيرها مثل مصير حزب الله والأسد: التهميش والانكسار والسقوط.
وإن تصاعدت المواجهة فعلًا هذه المرة ودخلت إيران حربًا حقيقية شاملة لا مسرحية — وهو احتمال قائم لأن الحروب لا تسير دائمًا وفق ما يريده أطرافها وقد تنفلت الأمور من يد الجميع — فإن ذلك لن يُبطل شيئًا مما قلناه في هذا الكتاب. لأن كل ما وثّقناه من تنسيق مسبق وقصف أماكن فارغة وشكر متبادل حدث فعلًا ولا ينفيه ما قد يأتي بعده. وإن قاتلت إيران فعلًا هذه المرة فلن يكون ذلك نصرة لغزة ولا حبًّا في فلسطين بل دفاعًا عن وجود النظام نفسه حين يجد أن لا مفرّ من القتال وأن خيار المسرحية لم يعد متاحًا.
والفارق شاسع بين من يقاتل اختيارًا من اليوم الأول نصرة للمسلمين وبين من لا يقاتل إلا حين يُوضع السكين على رقبته. الأول مجاهد والثاني يدافع عن نفسه فحسب. ولا يُنسب له فضل النصرة وهو لم يتحرك إلا حين صار البديل هو الفناء.
وفي كلتا الحالتين — سواء انتهت بمسرحية جديدة أو بحرب حقيقية — فإن الدرس واحد: لا تُعلّق أمّتك بمشروع طائفي لا يتحرك إلا بحساباته الخاصة.
وقبل أن ننتقل إلى الباب الثالث تأمّل هذا المشهد الأخير الذي يختصر كل شيء:
بينما تقرأ هذه الكلمات يجلس قادة إيران — القوة العظمى المزعومة وقائدة محور المقاومة وحامية حمى الأمة — يجلسون في مخابئهم تحت الأرض ينتظرون. ينتظرون ماذا؟
ينتظرون أن يقرر ترامب متى يضربهم! ينتظرون أن يقرر رجل واحد في البيت الأبيض هل يدمّر بلادهم هذا الأسبوع أم يمهلهم عشرة أيام أخرى!
قادة دولة بثمانين مليون نسمة وترسانة صواريخ ونصف قرن من شعارات "الموت لأمريكا" يجلسون كالتلميذ المذنب في مكتب المدير ينتظرون العقوبة ولا يجرؤون على التحرك!
يحصّنون مواقعهم ويعيدون بناء ما دُمّر ويتفاوضون في جنيف بمفاوضات غير مباشرة — لا يجرؤون حتى على الجلوس وجهًا لوجه! — ويرسلون رسائل استعطاف إلى الأمين العام للأمم المتحدة يرجونه أن يوقف التهديدات الأمريكية! إيران التي تهتف كل جمعة "الموت لأمريكا" تشتكي أمريكا إلى مجلس الأمن!
هذه هي القوة التي علّقت عليها آمالك؟ هذا هو المحور الذي بعت من أجله صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هذا هو الدرع الذي ظننت أنه يحمي الأمة؟ دولة تنتظر عدوّها أن يحدد لها موعد ضربها ومكانه ثم تحاول أن تحصّن نفسها قبل وصول الصواريخ! أي ذلّ هذا وأي هوان!
رجال غزة — بلا طائرات ولا أقمار صناعية ولا منظومات دفاع جوي ولا ميزانية دولة — لم ينتظروا أحدًا يحدد لهم شيئًا. هم من حددوا الموعد والمكان والمفاجأة. هم من باغتوا العدو لا العكس. لأنهم يملكون ما لا يملكه نظام الملالي: إيمانًا لا يُشترى وإرادة لا تنتظر الإذن من أحد.
وسلام الله على رجال غزة الذين أثبتوا أن البأس الحقيقي لا يحتاج ترسانات ولا شعارات ولا مسرحيات، بل يحتاج إيمانًا صادقًا وإرادة لا تنكسر.
اثنا عشر يومًا. هذا كل ما استغرقته المسرحية. اثنا عشر يومًا من القصف المُنسّق والتنسيق المُسبق والشكر المتبادل. بينما غزة تُباد منذ أشهر بلا مسرح ولا جمهور ولا نهاية. اثنا عشر يومًا كشفت ما أخفته سنوات من الشعارات.
عرفنا الآن كيف خذلوا غزة في الباب الأول، وكيف مثّلوا المسرحية الكبرى في هذا الباب. لكن يبقى السؤال الأعمق: لماذا؟ لماذا يخذلون غزة وهم يملكون ما يكفي لنصرتها عشر مرات؟ لماذا يبنون ترسانات بحجة فلسطين ثم يستخدمونها في كل مكان إلا فلسطين؟
الجواب لن تجده في أحداث أكتوبر 2023. الجواب مدفون في تاريخ يمتد لعقدين كاملين من التآمر والدم والخراب. لأن من فهم ما فعله هذا المحور بأهل السنة في العراق وسوريا ولبنان واليمن لن يستغرب أبداً ما فعله بغزة. من رآهم يذبحون المسلمين تحت شعار المقاومة لن يُفاجأ حين يتركون غزة تُذبح تحت الشعار نفسه.
الباب الثالث
جذور الداء — تاريخ التآمر على أهل السنة
في مخيم على الحدود العراقية الأردنية، في خيمة ممزقة تلسعها رياح الصحراء، جلست امرأة عراقية سنية تحتضن طفلها وتنظر إلى لا شيء. كانت قبل أشهر تعيش في بيتها في حي البلديات ببغداد. بيت بناه زوجها حجرة حجرة على مدى عشرين سنة. جاءهم الإنذار فجرًا: اخرجوا خلال اثنتين وسبعين ساعة أو ادفنوا أنفسكم هنا. كان الإنذار مذيلًا برصاصة في ظرف وبقعة دم. لم يرسله جيش أجنبي ولا عدو صهيوني. أرسلته ميليشيا ترفع اسم الإسلام وتدّعي أنها تقاتل من أجل فلسطين.
في مدينة أخرى، في حلب أو حمص أو داريا، أمٌ سورية تبحث عن أشلاء ابنها تحت الركام بعد أن ألقى الطيران الروسي برميلًا متفجرًا على حيّها. قبل أن تجد ما تبقى من جسده الصغير، سمعت عبر الأثير صوت حسن نصر الله يتحدث عن نصرة المستضعفين. ميليشياته كانت على بعد أمتار، لكنها لم تأتِ لإنقاذ أحد — جاءت لتقتل.
هاتان المرأتان — العراقية والسورية — لا تعرفان بعضهما ولن تلتقيا أبدًا. لكنهما تشتركان في حقيقة واحدة: كلتاهما ضحيتان لنفس المشروع، ونفس المحور، ونفس الشعارات الكاذبة.
هذا الباب هو قصتهما. وقصة ملايين غيرهما.
جذور الداء الذي أضعف الأمة
لن تفهم ما حدث في غزة إن لم تفهم ما حدث قبلها بعقدين. لن تفهم لماذا تُركت غزة وحيدة إن لم تفهم من الذي أضعف أهل السنة في المنطقة كلها حتى وصلوا إلى هذا الحال من العجز. ولن تفهم لماذا يتجرأ العدو الصهيوني على ما يفعله اليوم إن لم تفهم من الذي مهّد له الطريق وأزال العقبات من أمامه ودمّر كل قوة كانت يمكن أن تقف في وجهه.
مشكلتنا الكبرى مع جماعة جلد الأمة وسبّ العرب وإلقاء اللوم على أهل السنة وحدهم ليست فقط في جلدهم لأمتهم وتعييرهم لها بالضعف. المشكلة الأكبر أنهم يفعلون ذلك بينما يمدحون الشيعة ويُثنون عليهم بسبب بعض المواقف الأخيرة!
يقولون: انظروا كيف تتحرك إيران وحزب الله بينما الدول السنية نائمة! انظروا كيف يقف الشيعة مع فلسطين بينما السنة لا يفعلون شيئًا!
وهنا يجب أن نتوقف عند مغالطة خطيرة يقع فيها هؤلاء — عمدًا أو جهلًا: حين يقولون "الدول السنية" فهم يلصقون فشل هذه الأنظمة بأهل السنة وكأنها تمثّلهم! والحقيقة أن هذه الأنظمة ليست "سنّية" إلا في الجغرافيا. لم تصل إلى الحكم بإرادة أهل السنة ولا تحكم بشريعتهم ولا تحمل مشروعهم ولا تدافع عن قضاياهم. أغلبها صُنع في مختبرات الاستعمار الغربي وزُرع بعد تقسيم بلاد المسلمين ورُسمت حدوده بأيدٍ أجنبية وبقي في السلطة بدعم غربي مشروط بخدمة مصالح الغرب لا مصالح المسلمين. فإلصاق فشل هذه الأنظمة بأهل السنة كإلصاق جرائم السجّان بالسجين!
أما إيران فالفرق أنها نظام طائفي يحكم باسم المذهب فعلًا ويتحرك لخدمة مشروعه المذهبي فعلًا. فحين تتحرك إيران فهي تتحرك لمصلحة مشروعها الشيعي. وحين لا تتحرك هذه الأنظمة فهي لا تتحرك لأنها أصلًا ليست في خدمة أهل السنة بل في خدمة من أوصلها إلى الكرسي. فالمقارنة من أساسها مغلوطة: تقارن نظامًا طائفيًا يتحرك لمشروعه بأنظمة مصنوعة لمنع أهل السنة من التحرك أصلًا! ثم تلوم أهل السنة على نتيجة لم يصنعوها!
وهذه المغالطة تستحق تفكيكًا أعمق سنأتي عليه في الباب التالي. لكن المهم الآن أن نحفر تحت سطح الأحداث وننظر إلى الجذور: لو رجعت إلى أصل الداء لوجدت أن أحد أكبر أسباب ضعف أهل السنة في المنطقة هو التحالف الشيعي مع أمريكا تارة، وغض أمريكا الطرف عن الشيعة تارة أخرى!
ليست إيران وحدها... لكنها المستفيد الأكبر
ولكي نكون منصفين مع أنفسنا قبل أن نكون منصفين مع غيرنا: لا نحمّل إيران وحدها مسؤولية ما آلت إليه أحوال أهل السنة. الأمر أعمق من ذلك وأخطر.
ما حدث لأهل السنة في العقدين الأخيرين لم يكن نتيجة مؤامرة إيرانية فحسب، بل كان حملة عالمية منظمة شاركت فيها قوى كبرى ودول إقليمية وأنظمة عربية وأجهزة استخبارات وإعلام دولي ومنظومة كاملة عملت على إضعاف أهل السنة وتشويه حركاتهم وتصنيف مقاومتهم إرهابًا واستبدالهم بقوى بديلة.
وإيران لم تكن مجرد جزء من هذه الحملة. كانت المستفيد الأكبر منها. كانت البديل الصاعد الذي ملأ كل فراغ خلّفه سقوط السنّة. في كل بلد أُضعف فيه أهل السنة كانت إيران وميليشياتها جاهزة لملء الفراغ. في كل عاصمة خرج منها نفوذ سنّي دخل نفوذ إيراني. لم تكن إيران ضحية ولا متفرجة، بل كانت الشريك الفاعل الذي حصد ثمار إضعاف أهل السنة وبنى إمبراطوريته على أنقاضهم ودمائهم.
نعم، أحد أسباب ضعفنا هو قوتهم التي بنوها على حسابنا وبدمائنا وبتواطؤ أمريكي مكشوف!
فتعالوا نعود إلى البداية. إلى عام 2003. إلى اللحظة التي تغيّر فيها كل شيء.
غزو العراق 2003: حين فتحت إيران الطريق لأمريكا
في مارس 2003 اجتاحت القوات الأمريكية العراق فيما سُمّي بعملية "حرية العراق". كان هذا الغزو نقطة تحول جذرية ليس في تاريخ العراق وحده بل في تاريخ المنطقة بأكملها. لأن ما حدث في العراق بعد الغزو رسم مسار الصراعات والتحالفات والمؤامرات لعقدين كاملين ولا يزال يرسمها حتى اليوم.
والسؤال الأول الذي يجب أن نسأله: ما موقف إيران من هذا الغزو؟
إيران التي ترفع شعار "الموت لأمريكا" كل جمعة في كل مسجد وكل ميدان وكل مناسبة... ماذا فعلت حين جاء الأمريكان ليغزوا جارتها المسلمة؟
الجواب يصدم كل من يسمعه لأول مرة، لكنه حقيقة تاريخية موثقة لا يستطيع أحد إنكارها: إيران لم تعارض الغزو ولم تؤيده علنًا، لكنها سهّلته على أرض الواقع! وكانت تصريحات قادتها متضاربة تضاربًا مفضوحًا: وزير خارجيتها كمال خرازي أدان أي هجوم على العراق، وفي المقابل وزير الدفاع علي شمخاني قال إن إيران لن تواكب أو تغامر في أي مواجهة عسكرية بين العراق والولايات المتحدة!
وبعيدًا عن التصريحات التي لا تعبر عن الواقع — خصوصًا ونحن نتعامل مع دولة تبيح الكذب تحت ستار التقية وتجيد المراوغة كما تجيد التنفّس — فإن الوقائع على الأرض تقول ما لا تقوله الألسن:
إيران عمليًا لم تعترض القوات الأمريكية، وفتحت مجالها الجوي أمام طائرات التحالف الدولي، وسمحت بتدفق الإمدادات عبر حدودها. لم تُسجّل واقعة اعتراض واحدة أو حادثة احتكاك واحدة بين إيران والقوات الأمريكية طوال فترة الغزو والاحتلال. كان الجنود الأمريكيون على بعد خطوات من القوات الإيرانية ولم تُسجَّل واقعة اعتداء واحدة!
الدولة التي تملأ الدنيا ضجيجًا بشعارات العداء لأمريكا سهّلت الطريق لتدمير بلد مسلم مجاور! أليست هذه المفارقة وحدها كافية لكشف حقيقة الشعارات الإيرانية كلها؟
بل إن الأمر قد يكون أعمق من مجرد انتهاز فرصة.
تأمّل: لماذا لم تعترض إيران على غزو العراق؟ لماذا لم تحرّك ساكنًا لنجدة جارها المسلم؟ أين كانت شعارات "الموت لأمريكا" حين كانت الدبابات الأمريكية تعبر الحدود العراقية؟ ولماذا كان أول المستفيدين من سقوط بغداد هم رجال إيران الذين عادوا من طهران على ظهور الدبابات الأمريكية ليحكموا العراق؟
الإجابة التي لا يجرؤ كثيرون على قولها: إيران لم تكن تعلم فحسب، بل كانت على الأرجح جزءًا من الترتيب. لا نملك وثيقة موقّعة ولا نزعم أن بين أيدينا اتفاقًا مكتوبًا. لكن النتائج تتحدث بصوت أعلى من أي وثيقة: أمريكا أسقطت النظام وفكّكت الجيش واجتثّت مؤسسات الدولة، ثم سلّمت مفاتيح الحكم لأحزاب أسّستها إيران وموّلتها ودرّبت كوادرها على أراضيها لعقود! المجلس الأعلى الإسلامي وفيلق بدر وحزب الدعوة — كل هؤلاء خرجوا من رحم طهران وعادوا إلى بغداد حكّامًا بحماية أمريكية!
هل يعقل أن تكون هذه مصادفة؟ هل يعقل أن أمريكا دمّرت العراق ثم "صدفة" انتهى الحكم في يد حلفاء إيران؟
إن لم يكن هناك اتفاق مسبق فهناك ما هو أسوأ: تفاهم ضمني بين الطرفين على أن إيران ستحصل على العراق ثمنًا لسكوتها عن الغزو أو تسهيلها له. إيران فتحت أجواءها وأراضيها للاستخبارات الأمريكية، وصمتت عن أكبر عملية عسكرية أمريكية منذ فيتنام تجري على حدودها المباشرة، وكل ذلك مقابل أن يكون العراق الجديد عراقًا إيرانيًا بواجهة أمريكية.
ولماذا فعلت إيران ذلك؟ لأن العراق تحت حكم صدام حسين كان يمثل حائط صد أمام التمدد الإيراني في المنطقة العربية. كان العراق القوي — تتفق أو تختلف مع نظامه الديكتاتوري — هو العقبة الكبرى أمام المشروع الإيراني التوسعي. وإسقاط صدام كان حلم إيران قبل أن يكون مشروع أمريكا. فاجتمع المشروعان على هدف واحد: تدمير العراق.
أمريكا أرادت إسقاط صدام لتعيد رسم خريطة المنطقة وتُحكم سيطرتها عليها وتحمي أمن إسرائيل. وإيران أرادت إسقاطه لتفتح الطريق أمام تمددها وتُحكم قبضتها على العراق وتحوّله إلى جسر يوصلها إلى العواصم العربية عبر سوريا. فتحالفا — ليس تحالفًا معلنًا بالطبع، فإيران لا يمكنها أن تعلن تحالفها مع أمريكا أمام شعبها وأتباعها — لكنه تحالف فعلي على أرض الواقع.
ثم بعد أن استقرّ الأمر واستولت ميليشيات إيران على مفاصل الدولة العراقية، عادت الشعارات تملأ الشاشات: "الموت لأمريكا! المقاومة! الممانعة! المحتل الأمريكي!" شعارات للاستهلاك المحلي لا أكثر. لأن من يشاركك في تقسيم الغنيمة ليس عدوّك مهما صرخ أمام الكاميرات.
التمكين: كيف مُكّن للشيعة فبطشوا بأهل السنة
بعد سقوط بغداد بدأ التنفيذ الفعلي لهذا التحالف. وكأنما كان السيناريو مكتوبًا سلفًا.
أول ما فعله الحاكم الأمريكي بول بريمر: حلّ الجيش العراقي بالكامل. الجيش الذي كان عماده من أهل السنة. مئات الآلاف من الجنود والضباط وجدوا أنفسهم في الشارع بلا عمل ولا راتب بجرة قلم واحدة. ثم حلّ حزب البعث واجتثّ كل من ينتمي إليه من مؤسسات الدولة — وهو اجتثاث كان في حقيقته اجتثاثًا للسنّة من كل شيء. والنتيجة: إقصاء أهل السنة بالكامل من كل مفاصل الدولة.
ثم سُلّمت السلطة للأحزاب الشيعية الموالية لإيران. أحزاب كانت تعيش في طهران ولندن وتتلقى تمويلها وتوجيهاتها من الحرس الثوري الإيراني. فجأة، وبقرار أمريكي، أصبح هؤلاء حكام العراق الجديد! يتقاسمون الكراسي مع الأمريكان ويتسلّمون الوزارات والمحافظات والمناصب الحساسة بمباركة أمريكية كاملة.
وفي نفس الوقت بدأ البطش بأهل السنة بلا رادع. ليس بطشًا عشوائيًا بل بطشًا منهجيًا مخططًا له بدقة مرعبة. فرق الموت التي جابت بغداد والمحافظات كانت تعرف بيوت السنة بالاسم والعنوان. تطرق الباب فجرًا فلا يُفتح إلا على جثة صاحبه في الصباح. السجون السرية التي اكتُشفت لاحقًا كانت مليئة بالمعتقلين السنة الذين تعرضوا لأبشع أنواع التعذيب — أنواع تأبى النفس السويّة حتى وصفها. عمليات التهجير الممنهج من الأحياء المختلطة حوّلت بغداد من مدينة متعددة الطوائف إلى مدينة مقسّمة طائفيًا بحواجز من الدم والخوف.
حتى أن أهل السنة تحوّلوا في كثير من المناطق العراقية من أغلبية إلى أقلية! نعم، تغيير ديموغرافي حقيقي بالقتل والتهجير والتخويف والتضييق حوّل خريطة العراق السكانية بشكل جذري لا يمكن إنكاره.
كل هذا وأمريكا لم تمسّ الشيعة بضربة واحدة. كانت ضرباتها كلها موجهة لأهل السنة: الفلوجة قُصفت مرتين وسُوّي جزء كبير منها بالأرض. الرمادي دُمّرت. تكريت حوصرت. المحافظات السنية كلها تعرضت لعمليات عسكرية وحشية بحجة محاربة التمرد، بينما الميليشيات الشيعية تنمو وتتسلّح وتبطش بحرية تامة تحت أنظار الأمريكان أنفسهم!
والمفارقة التي لا ينتبه لها كثيرون: أمريكا التي غزت العراق بحجة أسلحة الدمار الشامل تركت إيران تبني برنامجها النووي لعقدين وإلى الآن تتفاوض معها! وأمريكا التي صنّفت حماس منظمة إرهابية فتحت الطريق لفيلق القدس ليتمدد في أربع عواصم عربية!
هذا ليس صدفة ولا إهمالًا. هذا مشروع متكامل: إضعاف السنّة وتمكين البديل الشيعي تحت مظلة أمريكية.
ودفع ثمن هذه الصفقة القذرة أهل السنة في العراق: قُتلوا وهُجّروا وطُهّروا طائفيًا واجتُثّوا من مؤسسات دولتهم. تحوّلوا من أصحاب البلد إلى لاجئين فيه. ومن بنى العراق واستشهد في حروبه أصبح غريبًا في شوارعه. والنتيجة النهائية: مليار وثلاثمئة مليون سنّي بلا دولة قوية تحميهم وبلا جيش يردع عدوهم وبلا مشروع يجمعهم. بينما إيران بثمانين مليونًا تتحكم في أربع عواصم عربية وتملك ميليشيات في ست دول وتتصرف كأنها القوة العظمى في المنطقة!
كل ذلك بُني على أنقاض أهل السنة وبتسهيل أمريكي وبصمت عربي رسمي مخزٍ.
فلسطينيو العراق: حين طُرد أصحاب القضية من بيوتهم
وحتى الفلسطينيون — الذين يُفترض أن إيران تقاتل من أجلهم — لم يسلموا من بطش ميليشياتها!
بعد الغزو مباشرة بدأت حملات تهجير منظمة ضد اللاجئين الفلسطينيين في العراق على يد ميليشيات شيعية تابعة لأحزاب موالية لإيران. جيش المهدي هاجم الأحياء الفلسطينية في بغداد وأرسل رسائل تهديد بالقتل والإحراق إذا لم يغادروا خلال اثنتين وسبعين ساعة! في حي البلديات وحي الدورة ومجمع البلديات تكررت الاقتحامات والتهديدات وإطلاق النار على المنازل وإرسال ظروف فيها رصاصات وبقع دم!
قُتل ما لا يقل عن أربعمئة فلسطيني على يد هذه الميليشيات، وهُجّر أكثر من عشرين ألفًا من أصل خمسة وثلاثين ألفًا إلى أربعين دولة في العالم! لم يتبقّ في العراق كله إلا بضعة آلاف بعد أن كانوا جالية عريقة منذ عام 1948!
وبعد أن طُردوا من بيوتهم أُسكنت عائلات تابعة للميليشيات الطائفية في منازلهم لمنع عودتهم! وتكدّس المشرّدون منهم في نادي حيفا الرياضي وفي مخيمات على الحدود العراقية الأردنية في الصحراء! بل إن وزيرة الهجرة العراقية نفسها طالبت بإبعاد جميع الفلسطينيين إلى غزة!
تأمّل هذه المفارقة المذهلة: ميليشيات إيران التي تدّعي أنها تقاتل من أجل فلسطين هجّرت الفلسطينيين أنفسهم من العراق! والفصائل التي ترفع صور القدس وتحيي يوم القدس العالمي كل عام هي نفسها التي أغلقت مساجد الفلسطينيين في بغداد ولم تُبقِ إلا مسجدًا واحدًا! والميليشيات التي صارت بعد طوفان الأقصى تتحدث عن "اقتراب موعد تحرير فلسطين" هي نفسها التي كانت قبل سنوات تطارد الفلسطينيين في شوارع بغداد وتقتلهم وتخطفهم!
هذا هو وجه "نصرة فلسطين" الحقيقي عند محور إيران: فلسطين شعار للاستهلاك والتجنيد والتوسع. أما الفلسطينيون أنفسهم — من لحم ودم — فهم مجرد ضحايا إضافيين يُضافون إلى قائمة ضحايا هذا المحور الطويلة.
أهل السنة: من قاوم الاحتلال حقًا؟
وهنا المفارقة التي يجب أن تُحفر في الذاكرة ولا تُنسى أبدًا.
حين سقطت بغداد واحتلت أمريكا العراق، من الذي قاوم الاحتلال؟ من الذي حمل السلاح وواجه أقوى جيش في العالم بصدره العاري وبندقيته وإيمانه؟
أهل السنة!
في الفلوجة وقف الرجال في وجه المارينز الأمريكي وحوّلوا المدينة إلى أسطورة مقاومة لا تزال تُدرّس في الأكاديميات العسكرية. في الرمادي قدّم أهل السنة آلاف الشهداء في معارك شوارع ضارية ضد أقوى جيش في العالم. في الموصل وتكريت وديالى وصلاح الدين وبعقوبة والحلة وكل مدينة وقرية سنية في العراق قامت مقاومة باسلة أذهلت العالم بضراوتها وإصرارها.
هؤلاء الرجال لم ينتظروا إذنًا من طهران ولم يحتاجوا تمويلًا من الحرس الثوري ولم يطلبوا سلاحًا من حزب الله ولم يحصلوا على أي دعم من الأنظمة العربية. قاتلوا بما لديهم وقدّموا دماءهم رخيصة في سبيل الله ودفاعًا عن أرضهم وعرضهم. كانوا أول من قاوم الاحتلال الأمريكي وأكثر من دفع ثمنًا لهذه المقاومة.
وماذا فعل معظم الشيعة في نفس الوقت؟
تقاسموا السلطة مع المحتل! دخلوا العملية السياسية تحت مظلة الاحتلال! تسلّموا المناصب الحكومية بمباركة أمريكية! تعاونوا مع قوات الاحتلال بشكل رسمي وعلني! كان الساسة الشيعة يجلسون في المنطقة الخضراء تحت حماية الدبابات الأمريكية يقتسمون الغنائم فيما بينهم، بينما كان أهل السنة يسقطون شهداء في الشوارع دفاعًا عن كرامة البلد الذي يحتله هؤلاء الساسة بالتعاون مع محتليه!
كان الشيعي يقاسم أمريكا القوة والسلطة ويتقوّى بها للسيطرة على الدولة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، وفي نفس الوقت بالضبط — في نفس اللحظة — كانت طائرات أمريكا تقصف المدن السنية الصامدة وتدمّرها فوق رؤوس أهلها!
ثم بعد كل هذا يأتي اليوم من يقول لنا: الشيعة هم أهل المقاومة والسنة هم أهل التخاذل؟!
أي انقلاب للحقائق هذا؟ أي تزوير للتاريخ؟ أي كذب على الناس؟
من تقاسم السلطة مع المحتل بالأمس لا يحق له أن يُنصّب نفسه قائدًا للمقاومة اليوم. ومن بنى ميليشياته تحت حماية الدبابات الأمريكية لا يحق له أن يُعلّم الأمة معنى الجهاد.
الموصل وما بعدها: حين قاتل الشيعة تحت الراية الأمريكية
إذا كان ما حدث في 2003 يمكن أن يحتمل بعض التأويل أو التبرير عند المكابرين، فإن ما حدث في 2014 وما بعده لا يحتمل أي تأويل ولا يقبل أي تبرير. لأن المشهد كان صريحًا واضحًا مكشوفًا أمام العالم كله بالصوت والصورة.
في عام 2014، حين سيطر تنظيم داعش على الموصل ومحافظات عراقية واسعة وأعلن خلافته المزعومة، كانت الفرصة ذهبية لإيران والميليشيات الشيعية لتقديم نفسها بوصفها المنقذ والحامي والمحارب للإرهاب. وهذا بالضبط ما فعلته.
لكن كيف فعلته؟
بالتحالف العلني الصريح المكشوف مع أمريكا!
في الموصل والأنبار وصلاح الدين وديالى وكل المحافظات التي دخلها داعش، كان المشهد واحدًا لا يتغيّر: الطيران الأمريكي يقصف من الجو ويمهّد الطريق، والميليشيات الشيعية تتقدم على الأرض تحت هذا الغطاء الجوي. تنسيق عسكري واستخباراتي مشترك بين أمريكا والميليشيات الإيرانية. خرائط مشتركة وغرف عمليات مشتركة واتصالات مباشرة بين الجنرالات الأمريكان وقادة الميليشيات.
وقاسم سليماني نفسه — قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، والرجل الذي صوّره المحور كبطل المقاومة وعدو أمريكا الأول — كان يتجوّل في ميادين المعركة وينسّق العمليات ويلتقط الصور التذكارية مع مقاتليه... وطائرات أمريكا فوق رأسه تقصف أمامه وتمهد له الطريق! العدو الذي يرفع شعار الموت له كل جمعة يحارب تحت غطائه الجوي ويتقدم بفضل قنابله!
أي مقاومة هذه يا ناس؟ أي محور ممانعة هذا الذي يقاتل جنبًا إلى جنب مع أمريكا؟
والمفارقة الصارخة التي لا يمكن أن يتجاوزها أي عاقل: هذه الميليشيات نفسها التي قاتلت بجانب أمريكا في العراق سنوات طويلة هي التي تدّعي اليوم أنها جزء من محور المقاومة ضد أمريكا وإسرائيل! هي نفسها التي ترفع شعار تحرير القدس، وهي التي كانت بالأمس تتقاسم الخرائط مع الجنرالات الأمريكان وتتقدم تحت غطاء نيرانهم!
وأمثال أبو عزرائيل — الذي فصّلنا حاله في باب سابق — كانوا ينكّلون بأهل السنة العراقيين لا بالأمريكان ولا بالصهاينة! يقتلون المسلمين ويمثّلون بجثثهم أمام الكاميرات وطائرات أمريكا تساعدهم وتمهّد لهم!
الثمن الذي دفعه أهل السنة: محو مدن من الخريطة
وما حدث في المحافظات السنية العراقية بعد ما سُمّي بتحريرها من داعش يفوق قدرة الكلمات على الوصف. لأن ما حدث لم يكن تحريرًا بأي معنى من معاني التحرير. كان تدميرًا ممنهجًا وانتقامًا طائفيًا وتغييرًا ديموغرافيًا مخططًا له.
الموصل القديمة — المدينة التي عمرها آلاف السنين والتي تحتضن إرثًا حضاريًا لا يُقدّر بثمن — سُوّيت بالأرض. لم يبقَ فيها حجر فوق حجر. أحياء بأكملها أصبحت ركامًا. مساجد تاريخية وأسواق عريقة ومكتبات ومدارس محيت كلها من الوجود. والساكنون؟ مئات الآلاف هُجّروا من ديارهم. كثير منهم لم يعودوا حتى اليوم لأن بيوتهم لم تعد موجودة أو لأن الميليشيات تمنعهم من العودة.
الأنبار — المحافظة السنية الكبرى — دُمّرت بنيتها التحتية بشكل كامل. الفلوجة التي كانت رمز المقاومة السنية ضد الاحتلال الأمريكي دُمّرت مرة أخرى، على يد الميليشيات الشيعية هذه المرة. الرمادي عانت الأمرّين. وكل مدينة سنية دخلتها الميليشيات شهدت نفس المشاهد: تدمير ونهب وسرقة واعتقال وتعذيب وتهجير.
صلاح الدين شهدت تهجيرًا ممنهجًا لعشائر سنية بأكملها. ديالى تحوّلت إلى ساحة إعدام مفتوحة. ومجازر موثقة ارتكبتها الميليشيات الشيعية بحق المدنيين السنة صوّرتها الميليشيات نفسها ونشرتها على وسائل التواصل تباهيًا وتفاخرًا!
اعتقالات عشوائية طالت عشرات الآلاف من الرجال والشباب السنة بتهمة الانتماء لداعش. كثير منهم لم تكن لهم أي صلة بالتنظيم، لكنهم كانوا سنة في المكان الخطأ والزمان الخطأ. سجون سرية ورسمية مكتظة بالمعتقلين الذين يتعرضون لأبشع أنواع التعذيب. وأصبحت بعض قلاع أهل السنة الباقية مقرات للحشد الشعبي على مرأى ومسمع أمريكا التي كانت شريكة في كل ما يحدث.
كل ذلك تحت مسمّى "محاربة الإرهاب". وكل ذلك بدعم أمريكي مباشر وتواطؤ دولي مطلق. العالم كان ينظر إلى داعش ولا ينظر إلى ما تفعله الميليشيات بالمدنيين الأبرياء. لأن العنوان كان مقبولًا: محاربة الإرهاب. وتحت هذا العنوان مُرّر كل شيء: التطهير الطائفي والتغيير الديموغرافي والانتقام وتصفية الحسابات التاريخية.
هذا هو التاريخ الذي لا يريدون لكم أن تتذكروه حين يتحدثون عن وحدة الساحات ونصرة فلسطين. تاريخ من يتباكون اليوم على غزة بينما بالأمس كانوا يقتلون أهل السنة تحت غطاء جوي أمريكي ويدمرون مدنهم ويهجرونهم من ديارهم. تاريخ التعاون مع أمريكا ضد أهل السنة ثم التباكي على فلسطين لكسب الشرعية وجمع التعاطف.
لبنان: إسكات كل صوت سنّي
لم يقتصر التآمر الإيراني على العراق وحده. العراق كان المختبر الأول والنموذج الأوضح. لكن الأذرع الإيرانية امتدت لتطال أهل السنة في كل بلد وصل إليه نفوذ طهران. وفي كل بلد نفس النمط يتكرر: السيطرة على البلد أو جزء منه عبر ميليشيا مسلحة، ثم إضعاف أهل السنة وقمعهم وتهجيرهم، ثم رفع شعارات المقاومة وفلسطين غطاءً لكل ذلك.
في لبنان تم غض الطرف عن حزب الله لسنوات طويلة. تُرك يمرح ويتسلّط ويبني دولة داخل الدولة. يملك جيشًا أقوى من الجيش اللبناني الرسمي، ويملك ترسانة لا يحلم بها كثير من الجيوش النظامية، ويملك شبكة مالية واقتصادية واجتماعية تجعله القوة المهيمنة على البلد بأكمله.
وماذا كان أثر هذه الهيمنة على أهل السنة في لبنان؟
كارثي. كلما خرجت قوة سنية تطالب بحقها قُمعت وأُجهضت بأيدي حزب الله نفسه. أي حراك سني يُجهَض في مهده. أي صوت سني يعلو يُسكَت بالقوة. أي قائد سني يحاول أن يوازن المعادلة يُحاصر ويُهمّش ويُقصى.
والشاهد الأبرز على ذلك مأساة الشيخ أحمد الأسير — فكّ الله أسره وأسر كل مظلوم — وقد فصّلنا قصته في مقدمة الكتاب.
وكل من حاول من أبناء السنة في لبنان أن يناصر الثورة السورية أو يقف مع إخوانه المظلومين في سوريا واجهه الحزب بالقمع والملاحقة والاعتقال. لأن نصرة المظلومين السوريين كانت تعني معارضة المشروع الإيراني. وأي معارضة للمشروع الإيراني في لبنان معناها مواجهة حزب الله. ومواجهة حزب الله معناها سجن أو قتل أو تهجير. معادلة بسيطة ومرعبة في آن.
سوريا: أربعة عشر عامًا من الإبادة
والحديث عن سوريا يحتاج إلى مجلدات لا صفحات. لأن ما حدث هناك يمثل جريمة العصر بلا منازع، وأكبر فضيحة لما يسمى بمحور المقاومة.
في عام 2011 خرج الشعب السوري يطالب بالحرية والكرامة والعدالة. خرج سلميًا في البداية بمظاهرات شعبية عارمة. لم يحمل سلاحًا ولم يرفع شعارًا طائفيًا. رفع علم بلاده وطالب بما يطالب به أي شعب حر في العالم: حكومة تمثله وعدالة تحميه وكرامة تصونه.
فماذا كان رد نظام الأسد العلوي الشيعي الحليف لإيران؟
القتل. القتل المنهجي الوحشي المتعمد. قنص المتظاهرين في الشوارع. اعتقال الناشطين وتعذيبهم حتى الموت في سجون سرية. ثم تصاعد العنف إلى حرب شاملة على الشعب: قصف بالطائرات والدبابات والمدفعية. ثم البراميل المتفجرة التي أُلقيت على الأسواق والمدارس والمستشفيات. ثم الأسلحة الكيماوية التي قتلت الأطفال في نومهم — أطفال وجدتهم أمهاتهم في أسرّتهم بأفواه مفتوحة ورغوة بيضاء على شفاههم الصغيرة، ماتوا وهم يحلمون.
وحين عجز نظام الأسد عن قمع شعبه بمفرده استنجد بإيران. وإيران لم تتردد لحظة. أرسلت ميليشياتها من كل مكان: حزب الله من لبنان، والميليشيات العراقية من العراق، وفاطميون من أفغانستان، وزينبيون من باكستان. استقدمت مقاتلين شيعة من أربع دول مختلفة لقتل شعب مسلم سني ثار على ظلم حاكمه! بل وأقنعت روسيا بالتدخل في سوريا!
والنتيجة: قرابة مليون قتيل. أكثر من اثني عشر مليون مهجّر داخل سوريا وخارجها. بلد بأكمله دُمّرت بنيته التحتية ومدنه ومصانعه ومدارسه ومستشفياته. مدن عريقة مثل حلب وحمص ودرعا وإدلب ودير الزور تحولت إلى أطلال.
وبعضهم كبس الناس بالمكابس الحديدية!
نعم، مكابس حديدية حقيقية تسحق أجساد البشر الأحياء! ليست مبالغة ولا استعارة أدبية. حدث حقيقي موثق بالشهادات والصور. تخيّل — إن استطعت أن تتخيّل — إنسانًا يُوضع بين فكّي مكبس من حديد ثم يُضغط عليه ببطء حتى تتهشّم عظامه وتنسحق أعضاؤه وهو حي يصرخ! هذا ما فعله "محور المقاومة" بالمسلمين السنة. هذا هو الوجه الحقيقي للمشروع الذي يتباكى على أطفال غزة أمام الكاميرات.
حزب الله الذي يدّعي أنه يحارب إسرائيل وجّه كل أسلحته إلى صدور المسلمين السوريين. الميليشيات العراقية التي تتغنى بنصرة المستضعفين ذبحت المستضعفين في حلب وحمص ودرعا وأطراف دمشق. وسليماني نفسه — بطل المقاومة المزعوم — كان يقود العمليات على الأرض السورية لقتل المسلمين السنة!
وكما أشرنا في مقدمة الكتاب، حتى سكان مخيم اليرموك من الفلسطينيين في دمشق قُتلوا وذُبحوا. فلسطينيون آخرون يدفعون الثمن على يد المحور الذي يدّعي نصرتهم!
وحتى عندما قرر الغرب التدخل في سوريا بحجة محاربة داعش، قام بالتنكيل بقوى محسوبة على أهل السنة سواء كانت داعش أو غيرها، بينما ترك الميليشيات الشيعية تُكمل عملية الإجهاز على الثورة والشعب السوري! تواطؤ مزدوج: أمريكا تضرب السنة من الجو، وميليشيات إيران تذبحهم على الأرض. نفس النموذج العراقي يتكرر بحذافيره.
مصر: الدور الخفي في إسقاط مرسي
ولم يقتصر التآمر على ساحات الحرب المباشرة. ففي مصر قصة أخرى يجب أن تُروى.
حين وصل الرئيس محمد مرسي إلى السلطة عبر أول انتخابات حقيقية في تاريخ مصر، أعلن صراحة دعمه للثورة السورية ووقوفه مع الشعب السوري المظلوم. قطع العلاقات مع نظام الأسد وفتح الباب أمام المساعدات للشعب السوري وتحدث بلغة لم يعتد عليها العالم العربي من رئيس دولة كبرى بحجم مصر.
كان هذا الموقف يمثل كابوسًا حقيقيًا لإيران. مصر بحجمها وثقلها الإقليمي والدولي لو وقفت مع الشعب السوري لتغيّرت المعادلة بالكامل. ولذلك كان للشيعة دور في دعم الانقلاب على مرسي — إما بشكل مباشر عبر اتصالات وتنسيقات، أو بشكل غير مباشر عبر أذرعهم الإعلامية والسياسية التي عملت على شيطنة حكم مرسي وتحريض الشارع المصري ضده.
أُسقط الرئيس المنتخب الوحيد في تاريخ مصر. الرئيس الذي جاهر بنصرة المظلومين في سوريا. الرئيس الذي كسر حصار غزة وفتح معبر رفح. أُسقط ومات في محبسه. وعاد الاستبداد أقسى مما كان. وعادت مصر إلى حظيرة التطبيع والصمت.
اليمن: انقلاب وتنكيل وصمت أمريكي
وفي اليمن فصل آخر من هذا المسلسل الأسود. في عام 2014 نفّذ الحوثيون انقلابًا مسلحًا على الحكومة الشرعية بدعم إيراني مباشر. اجتاحوا العاصمة صنعاء ثم توسعوا جنوبًا وشرقًا يحاولون السيطرة على اليمن بأكمله.
وكان أول أعمالهم بعد الانقلاب: اعتقال نشطاء أهل السنة وقادة حزب الإصلاح وكل من يمثل قوة سنية منظمة في البلاد. التنكيل بطلاب العلم الشرعي وتهجيرهم من مناطقهم ومدارسهم. ما حدث في دماج وحدها يشيب له الرأس: طلاب علم مسالمون جاؤوا يتعلمون دينهم حوصروا وجُوّعوا وقُصفوا ثم هُجّروا بالقوة. جرائم بحق أهل السنة لا تُعد ولا تُحصى.
كل هذا وقع في اليمن ولم تحرّك أمريكا ساكنًا. بل غضّت الطرف تمامًا عن الانقلاب وعن كل ما تلاه من جرائم. بينما كانت طائراتها المسيّرة مشغولة فقط بقصف جنود وقادة محسوبين على أهل السنة في كل المحافظات اليمنية! نفس النمط في كل مكان: أمريكا تضرب السنة وتترك الشيعة.
وقد فصّلنا في الباب الأول ما يتعلق بموقف الحوثيين أنفسهم خلال طوفان الأقصى — وكيف كانوا الاستثناء الوحيد في المحور الذي فعل شيئًا يُذكر — فلا نكرره هنا. لكن يبقى السؤال: هل يمحو موقفهم الأخير سجلهم في الانقلاب والتنكيل بأهل السنة في اليمن؟ لا والله.
إيران مع أرمينيا ضد أذربيجان: حين سقط القناع الأخير
ولمن لا يزال يشك في أن المشروع الإيراني مشروع طائفي قومي لا علاقة له بالإسلام ولا بنصرة المسلمين، نختم هذا القسم بواقعة لم يمرّ عليها زمن بعيد، وهي كافية وحدها لإغلاق باب النقاش:
حين اندلعت الحرب بين أرمينيا وأذربيجان على إقليم ناغورنو كاراباخ — أرمينيا الصليبية النصرانية من جهة، وأذربيجان الشيعية من جهة أخرى — أين وقفت إيران؟
وقفت مع أرمينيا النصرانية ضد أذربيجان الشيعية!
تأمل هذا جيدًا: إيران التي تدّعي أنها حامية المسلمين وقائدة محور المقاومة الإسلامية وقفت مع دولة نصرانية ضد دولة شيعية من نفس عقيدتها! وقفت مع الصليب ضد الهلال! لأن أذربيجان المستقلة القوية تهدد النفوذ الإيراني في القوقاز وتمثل نموذجًا بديلًا للشيعة خارج سيطرة طهران.
هذا يكشف بوضوح لا لبس فيه أن إيران لا تتحرك وفق عقيدة إسلامية. بل تتحرك وفق مصالح قومية فارسية بحتة وحسابات سياسية لا علاقة لها بالإسلام لا من قريب ولا من بعيد.
وفي المقابل انظروا ماذا فعلت تركيا: وقفت مع أذربيجان بكل قوة ودعمتها عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا رغم الخلافات الفكرية والسياسية العميقة بين البلدين.
سجل إيران واضح لمن يريد أن يرى: قمع السنة وقتل الفلسطينيين في العراق تحت غطاء أمريكي. ذبحهم في سوريا أربعة عشر عامًا. إضعافهم في لبنان وسجن شيوخهم. الانقلاب عليهم في اليمن وتهجير طلاب العلم. التآمر على قادتهم في مصر. والوقوف مع أرمينيا النصرانية ضد أذربيجان. ثم يقولون لنا: قفوا معنا لنصرة فلسطين! من يتغاضى عن كل هذا التاريخ ثم يخرج ليجلد أهل السنة ويمدح الشيعة فلا نقبل منه قولًا، ونرى في منطقه قمة الجهل أو قمة الخيانة.
ولا بد من كلمة لازمة في هذا المقام: حين نقول هذا الكلام فنحن لا نبرّئ الحكومات العربية. كلا! فهذه الحكومات متواطئة وخائنة ومشاركة في الجريمة. اعتقلت آلاف الشيوخ والدعاة من أهل السنة. قمعت الشعوب وحاربت المشاريع الإصلاحية وطاردت كل من يرفع صوته لنصرة المظلومين. كانت مشغولة بمطاردة "الإسلاميين" بينما تدعم الشيعة في بعض المناطق أو تغض الطرف عنهم في مناطق أخرى.
لكن الفارق الحاسم هو أن هذه الحكومات لا تمثل شعوبها! هي أنظمة مستبدة وصلت إلى السلطة بالقوة أو بالتوريث وهي تقمع شعوبها وتسجنهم. أما الميليشيات الشيعية فهي تتصرف بحرية كاملة ولا أحد يمنعها. تملك السلاح والمال والقرار. فحين تختار التخاذل عن غزة فهذا خيارها الحر لا خيار أنظمة مفروضة عليها. وهذا فرق جوهري يجب أن يفهمه كل من يقارن بين صمت الشعوب السنية المقموعة وصمت الميليشيات الشيعية المسلحة الحرة.
أربعة عشر قرنًا من التاريخ: أين البأس الشيعي المزعوم؟
يخرج علينا أمثال عمرو واكد ليقول إن الشيعة هم أصحاب البأس الحقيقي في هذه الأمة. إنهم هم من يحمل راية المواجهة وهم من يملك الحمية والاعتداد بالكرامة وهم من يقف في وجه المشروع الصهيوأمريكي. بينما أهل السنة — في رأيهم — متخاذلون ضعفاء لا يملكون إلا الكلام.
وهذه الرواية تقوم على مغالطتين خطيرتين لا بد من كشفهما:
المغالطة الأولى: أنها تُعيّر أهل السنة بواقع لم يصنعوه! تلوم المريض على مرضه وتتجاهل من سقاه السمّ! فضعف أهل السنة اليوم لم يأتِ من فراغ ولم ينبت من طبيعة فيهم. جاء من حملة ممنهجة، وكانت إيران نفسها أحد أكبر المشاركين في هذه الحملة والمستفيدين منها كما بيّنّا! فكيف يشارك في إضعافك ثم يعيّرك بضعفك؟ كيف يكسر ساقك ثم يسخر منك لأنك لا تستطيع الجري؟
المغالطة الثانية: أنها تتجاهل تاريخ أهل السنة بالكامل وتحكم عليهم بلحظة ضعف عابرة! أربعة عشر قرنًا من الجهاد والفتوحات والحضارة تُختزل في عقدين من الضعف المصنوع! من فتح القسطنطينية؟ من حرّر بيت المقدس من الصليبيين؟ من وقف في عين جالوت أمام المغول؟ من فتح الأندلس؟ من بنى أعظم حضارة عرفتها البشرية؟ أهل السنة. بتاريخهم وعقيدتهم وجهادهم.
ولو أن هؤلاء الذين يعيّرون أهل السنة اليوم عاشوا في زمن بني أمية حين كانت جيوش المسلمين تطرق أبواب باريس وتفتح سمرقند وتحكم من الصين إلى الأندلس — لقالوا العكس تمامًا! لقالوا: انظروا إلى بأس أهل السنة وقوتهم! انظروا من يحمل الراية ويفتح البلاد! لأنهم يقيسون الحق بالقوة لا القوة بالحق. يركبون مع المنتصر أيًّا كان.
لكن الحق لا يُقاس بموازين القوة المؤقتة. الحق حق ولو ضعف أهله والباطل باطل ولو تجبّر أصحابه. وإلا فبهذا المنطق المعوجّ كان المشركون على حق يوم بدر لأنهم كانوا الأكثر عددًا وعُدّة! وكان فرعون على حق لأنه كان يملك الجيوش وموسى لم يكن يملك إلا عصاه! الإسلام لم يعلّمنا أن نقيس الحق بمن يملك الصاروخ الأبعد مدى بل بمن يقف على الصراط المستقيم ولو كان أعزل.
هذه الرواية التي يرددها بعض المخدوعين من أبناء جلدتنا قبل أن يرددها الشيعة أنفسهم تحتاج إلى مواجهة صارمة بالحقائق. لا بالعواطف ولا بالشعارات ولا بالردود الانفعالية. بالحقائق المجردة الباردة التي لا تقبل الجدل.
وسنواجه هذه الرواية في ثلاث محطات: التاريخ، والحاضر، واللحظة. فإن كانت هذه الرواية صادقة فيجب أن تصمد أمام اختبار المحطات الثلاث. وإن سقطت في واحدة منها فقد سقطت كلها. فكيف إذا سقطت في الثلاث جميعًا؟
في تاريخنا الإسلامي الممتد على أربعة عشر قرنًا ظهرت أربع دول يمكن وصفها بالإمبراطوريات أو القوى العظمى التي حكمت سواد العالم الإسلامي وشكّلت حضارته وصنعت مجده ونشرت دينه في أقاصي الأرض:
الأولى: دولة الخلافة الراشدة — التي امتدت من الجزيرة العربية لتفتح فارس والشام ومصر وشمال أفريقيا في سنوات معدودة، في أعظم حركة فتوحات شهدها التاريخ البشري.
الثانية: الدولة الأموية — التي وصلت حدودها من الأندلس غربًا إلى حدود الصين شرقًا، وحكمت أكبر رقعة جغرافية في تاريخ الإسلام.
الثالثة: الدولة العباسية — التي بنت بغداد وجعلتها عاصمة العالم في العلم والثقافة والحضارة لقرون طويلة.
الرابعة: الدولة العثمانية — التي فتحت القسطنطينية وحكمت أجزاء من ثلاث قارات ومثّلت آخر خلافة إسلامية جامعة.
وبغض النظر عن التفاصيل الخلافية في تاريخ هذه الدول وعن أخطائها وعثراتها — باستثناء الخلافة الراشدة — فإن حقيقة واحدة لا خلاف عليها: هذه الإمبراطوريات الأربع كلها كانت سنية. ليست واحدة منها شيعية. ولا اثنتين. ولا ثلاث. كلها. مئة بالمئة.
وهذه الإمبراطوريات الأربع هي التي نفّذت مئة بالمئة من الفتوحات الإسلامية الكبرى. هي التي فتحت فارس والشام ومصر وشمال أفريقيا والأندلس وآسيا الوسطى والهند والأناضول والبلقان. هي التي نشرت الإسلام في كل زاوية من زوايا الأرض. هي التي بنت المساجد والمدارس والمستشفيات والجامعات. هي التي صنعت الحضارة الإسلامية التي يتباهى بها كل مسلم.
والآن السؤال الذي يجب أن يُطرح بصوت عالٍ: ماذا كان نصيب الشيعة من كل هذا؟
نعم، خلال هذا التاريخ الطويل — وفي فترات انحدار وتفكك الدولة العباسية تحديدًا — ظهرت كيانات ودول شيعية عدة. أشهرها الدولة البويهية في العراق وفارس، والدولة الصفوية في إيران، والدولة الزيدية في اليمن، والدولة الفاطمية في مصر، وطائفة الحشاشين في قلاعهم المحصّنة. وظهرت بعض الكيانات الصغيرة المتناثرة هنا وهناك.
لكن كل هذه الدول والكيانات كانت منحصرة في بقع جغرافية محدودة. لم تحكم يومًا الأمة الإسلامية بأكملها ولا حتى أغلبيتها. كانت دولًا إقليمية صغيرة نسبيًا مقارنة بالإمبراطوريات السنية الكبرى.
والأهم: ما نصيب هذه الدول الشيعية من الفتوحات الإسلامية؟
صفر!
صفر بالمئة!
لم تفتح بلدًا واحدًا للإسلام. لم تنشر الدين في أرض واحدة جديدة. لم تُدخل شعبًا واحدًا في الإسلام عبر الفتح والدعوة. الاستثناء الوحيد ربما كان بعض الفتوحات المحدودة جدًا للدولة الصفوية في مناطق القوقاز كأذربيجان وأجزاء من جورجيا وأرمينيا، وحتى هذه لم تكن فتوحات إسلامية بالمعنى التاريخي المعروف بل كانت صراعًا على النفوذ مع الدولة العثمانية.
أربعة عشر قرنًا من التاريخ الإسلامي. كل الإمبراطوريات الكبرى سنية. كل الفتوحات الكبرى سنية. كل التمدد الإسلامي سني. والنصيب الشيعي من كل ذلك: صفر.
فعن أي بأس شيعي يتحدثون؟ وعن أي حمية واعتداد بالكرامة يتشدّقون؟ وعلى أي أساس تاريخي يطلبون منا أن نعترف بقيادتهم للأمة؟
الحاضر يشهد: تسعة وتسعون بالمئة من الجهاد سنّي
لنترك التاريخ البعيد ولننتقل إلى الحاضر القريب. إلى القرن العشرين والحادي والعشرين. إلى الثغور الجهادية التي قرأنا عنها أو عاصرناها بأنفسنا في العقود الأخيرة.
في كل ثغر من ثغور الجهاد والمقاومة في العالم الإسلامي كانت نسبة الجهاد السني تقريبًا تسعة وتسعين بالمئة. وما يُسمى بالجهاد الشيعي لم يكن له أثر يُذكر.
في أفغانستان حين غزاها الاتحاد السوفيتي، من قاوم الغزو؟ المجاهدون السنة الأفغان والمتطوعون من كل أنحاء العالم الإسلامي السني — عرب وباكستانيون وأوزبك وشيشان وغيرهم. صحيح ظهرت بعض الفصائل الشيعية الأفغانية في المقاومة، لكنها كانت محدودة الأثر والعدد والعدة وتكاد لا تُذكر أمام الجهد السني الهائل الذي دحر الاتحاد السوفيتي وأسهم في انهياره.
في فلسطين من أسس حركة المقاومة الإسلامية حماس والجهاد الإسلامي؟ رجال من أهل السنة. من بنى الأنفاق وصنع الصواريخ من لا شيء وأعدّ العدة لطوفان الأقصى؟ رجال من أهل السنة. ومن يقاتل في غزة الآن ويصمد أمام أعتى آلة عسكرية في المنطقة؟ رجال من أهل السنة يعظمون الصحابة ويرفضون الطعن فيهم.
في الشيشان حارب المجاهدون الشيشان السنة روسيا العظمى وأذلوها في حرب الشيشان الأولى بإمكانات شبه معدومة. في البوسنة قاتل المسلمون السنة البوسنيون الصرب المجرمين ودافعوا عن وجودهم. في كشمير لا يزال المسلمون السنة يقاومون الاحتلال الهندي منذ عقود. في بورما تعرّض الروهينغا المسلمون السنة لإبادة جماعية وصمدوا. في الصومال والمالي والنيجر ونيجيريا وفي كل مكان يُذكر فيه الجهاد والمقاومة والتضحية تجد أهل السنة في المقدمة.
أما على الطرف الشيعي: في العراق ظهرت فصائل شيعية قاتلت المحتل الأمريكي لفترة قصيرة دفاعًا عن مشروع مقتدى الصدر السياسي. لكنه كان قتالًا محدودًا لا يُقارن بالمقاومة السنية العراقية الضارية التي استنزفت الجيش الأمريكي لسنوات. وكان هدف مقتدى سياسيًا بحتًا لتحصيل مكاسب سياسية من الأمريكان لا جهادًا في سبيل الله. والدليل أنه حين حصل على ما يريد سياسيًا أوقف القتال ودخل البرلمان وأصبح شريكًا في العملية السياسية تحت الاحتلال!
والاستثناء الوحيد الذي يستحق الذكر كان حزب الله في لبنان في فترته الأولى. وحتى هذا الاستثناء يحمل مفارقة لافتة: العنصر الفاعل في بأس الحزب وقتها كان عماد مغنية، الرجل الذي تربّى وعاش وترعرع وتعلم فنون القتال على يد حركة فتح الفلسطينية — وفتح تنتسب إلى "السنة" وإن كانت علمانية، تمامًا كما ينسبون الأنظمة العلمانية للسنة! أي أن أهم رجل عسكري في تاريخ الحزب صنعته بيئة سنية لا شيعية!
ثم كانت للحزب حربه اليتيمة في 2006 بقيادة مغنية. والتي — بالمناسبة — لا نملك فيها توثيقًا مرئيًا واضحًا عن هذا البأس الجهادي الشيعي المزعوم. كل ما لدينا هو رواية الحزب عن مجازر الدبابات. مجرد رواية! لا فيديو ولا صورة ولا توثيق مرئي يُقارن بما يبثه مقاتلو غزة يوميًا من فيديوهات تدمير الدبابات والآليات الإسرائيلية بالصوت والصورة الواضحة.
تسعة وتسعون بالمئة من الجهاد في العالم الإسلامي في القرن الأخير كان سنيًا. وما يُسمى بالجهاد الشيعي كان محدودًا أو مشكوكًا فيه أو مختلطًا بأجندات سياسية صرفة. هذه ليست عنصرية ولا تعصبًا مذهبيًا. هذه حقائق يمكن لأي باحث منصف أن يتحقق منها.
واللحظة تشهد: طوفان الأقصى صنعه رجال غزة
والآن ننتقل إلى اللحظة. إلى طوفان الأقصى. إلى الحدث الذي يُفترض أنه الاختبار الأكبر والأوضح والأكثر كشفًا.
طوفان الأقصى كان أعظم عمل عسكري نُفّذ ضد العدو الصهيوني منذ احتلال فلسطين. لم يشهد الصراع العربي الإسرائيلي عملية بهذا الحجم والجرأة والتأثير منذ حرب أكتوبر 1973. وربما فاقها في بعض الجوانب.
ومن نفّذ هذه العملية؟
رجال الله السنة الميامين في غزة!
ليس حزب الله بترسانته التي تجاوزت مئة وخمسين ألف صاروخ. وليست إيران بصواريخها الباليستية ومسيّراتها المتطورة. وليست الميليشيات العراقية بعشرات الآلاف من مقاتليها. وليس نظام الأسد بجيشه النظامي ومنظوماته الدفاعية.
رجال محاصرون في أضيق بقعة جغرافية على وجه الأرض. مقطوعون عن العالم. محرومون من أبسط مقوّمات الحياة فضلًا عن مقوّمات الحرب. يصنعون سلاحهم بأيديهم من أنابيب الصرف الصحي وبقايا المعادن المتاحة. يحفرون الأنفاق بالعرق والدم. يتدربون في أنفاق ضيقة تحت الأرض بعيدًا عن عيون الأقمار الصناعية.
هؤلاء الرجال أذلوا أقوى جيش في الشرق الأوسط. اقتحموا مواقعه المحصّنة واستولوا على دباباته وأسروا جنوده وضباطه وفرضوا واقعًا جديدًا غيّر العالم بأكمله.
وقد فصّلنا في الباب الأول المقارنة بين بأس غزة وادعاءات حزب الله — مئات الفيديوهات الموثقة من غزة مقابل صفر توثيق حقيقي من المحور — فلا حاجة لتكرارها. لكن خطأ غزة الذي دفعت ثمنه غاليًا أنها ظنت أن هناك بأسًا شيعيًا يمكن أن تستند عليه! ظنت أن وحدة الساحات حقيقية وأن المحور سيتحرك لمساندتها. فأطلّت عليها جبهات إسناد لا تسمن ولا تغني من جوع، تنصّلت من الاتفاق وارتجفت فرقًا عندما حضرت حاملة الطائرات الأمريكية. اكتفت برفع العتب تحت مسمى الإسناد حتى جاء العدو وقضى عليها واحدة تلو الأخرى في لبنان وجعلها كأنها لم تكن.
فإن كان هذا هو واقع التاريخ — صفر فتوحات شيعية في أربعة عشر قرنًا — وهذا هو واقع الحاضر — تسعة وتسعون بالمئة من الجهاد سني — وهذا هو واقع اللحظة — غزة السنية وحدها صمدت بينما المحور تبخّر — فعن أي بأس شيعي يتحدث هؤلاء الذين يجلدون أهل السنة ويمجّدون الشيعة؟
لعلهم يقصدون الصواريخ الإيرانية التي لم تخرج من مخابئها إلا بعد أن انقضّ الصهاينة على رأس الشيعة الاثني عشرية في طهران وقتلوا ودمّروا وانتهكوا. وقتها فقط ظهرت غريزة الدفاع عن النفس لا غريزة الجهاد.
إن من يصف هذا بأنه الأكثر حمية واعتدادًا بالكرامة فقد فقد بوصلته تمامًا. ألا بئس ما ينطقون!
والعزاء أن هؤلاء المنظرين لا يملكون نفيرًا ولا نفوذًا إلا على صفحات التواصل الاجتماعي. أما ثغورنا التي تقاتل منذ عقود في فلسطين والشام وكل ميادين الجهاد فهي يقظة كل اليقظة لهذه الترّهات، وباتت تميّز غثّها من سمينها، ولن تنخدع بادعاءات من لم يقدّم للأمة شيئًا يُذكر في أربعة عشر قرنًا.
التشيع تحت غطاء المقاومة: كيف تعمل الماكينة
والآن نصل إلى لبّ المشروع الحقيقي الذي تتحرك من أجله إيران ومحورها. المشروع الذي لأجله أُسست الميليشيات وأُنفقت المليارات وبُنيت الترسانات ورُفعت الشعارات ونُسجت الأكاذيب.
ليس تحرير فلسطين. وليس نصرة المستضعفين. وليس مواجهة المشروع الصهيوأمريكي.
بل نشر التشيع في العالم الإسلامي السني.
هذا هو المشروع الحقيقي. هذا هو الهدف الذي تدور حوله كل السياسات والاستراتيجيات والتحركات الإيرانية منذ ثورة الخميني عام 1979. وفلسطين ليست إلا الغطاء الأجمل والأنبل لتمرير هذا المشروع.
والآلية بسيطة في فكرتها لكنها خبيثة في تنفيذها ومؤثرة في نتائجها. وهي تعمل على أربعة مستويات متوازية:
المستوى الأول — العاطفي: إيران تعرف أن القضية الفلسطينية هي أقوى محرّك عاطفي في العالم الإسلامي. هي القضية التي تُدمع العيون وتُحرّك القلوب وتُشعل الحماس في صدور المسلمين من إندونيسيا إلى المغرب. ولذلك تضع إيران فلسطين في واجهة خطابها الإعلامي وفي صدارة شعاراتها السياسية وفي مقدمة كل مناسبة وكل خطاب وكل بيان. تقول للشباب المسلم السني: نحن الوحيدون الذين نقف مع فلسطين. نحن الوحيدون الذين نسلّح المقاومة ونموّلها وندربها. نحن الوحيدون الذين نتحدى إسرائيل وأمريكا. أما حكوماتكم السنية فمتواطئة مع العدو.
وهذا الخطاب يجد آذانًا صاغية لأن جزءًا منه صحيح! الحكومات العربية فعلًا متواطئة ومتخاذلة. فالشاب المسلم المحبط من حكوماته يجد في الخطاب الإيراني ما يشبع إحباطه ويلبّي حاجته النفسية للشعور بأن هناك من يفعل شيئًا. وهذا هو الباب الذي تدخل منه إيران إلى العقول والقلوب.
المستوى الثاني — الثقافي والإعلامي: تملك إيران ماكينة إعلامية ضخمة تعمل بعشرات اللغات. قنوات فضائية ومواقع إلكترونية وحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي ومنتديات وتطبيقات ومؤسسات ثقافية ومراكز دراسات. كلها تعمل لتقديم الرواية الإيرانية بأجمل صورة ممكنة وتشويه كل من يعارضها. هذه الماكينة لا تنام ولا تتوقف ولا تكل. تعمل أربعًا وعشرين ساعة في اليوم سبعة أيام في الأسبوع لصناعة الوعي الذي تريده إيران.
المستوى الثالث — التبشيري المباشر: بعد أن تفتح القضية الفلسطينية الباب، وبعد أن يُليّن الخطاب العاطفي القلوب، وبعد أن تُشكّل الماكينة الإعلامية الوعي، يأتي التبشير المذهبي المباشر. مبشّرون بالتشيع ينتشرون في أفريقيا وجنوب شرق آسيا ومصر والأردن وفلسطين نفسها. حسينيات تُبنى في بلدان سنية. كتب ومنشورات وحلقات دراسية تشكّك في عقائد أهل السنة وتروّج للمذهب الشيعي. مساعدات مالية تُقدّم للفقراء والمحتاجين مشروطة بالتشيع أو على الأقل بالتعاطف مع المشروع الإيراني.
المستوى الرابع — وهو الأخطر — العقدي: وهو الطعن في الصحابة رضي الله عنهم. لأن الصحابة هم الجسر الذي يربط المسلم بنبيه صلى الله عليه وسلم. هم الذين نقلوا الدين وحفظوا القرآن وروَوا السنة. فإن سقطت ثقة المسلم بالصحابة سقطت ثقته بكل ما وصله من دينه! وحينها يصبح فراغًا عقديًا جاهزًا لملئه بالتشيع.
ولهذا فإن الطعن في الصحابة ليس ترفًا فكريًا ولا خلافًا هامشيًا. هو قلب المشروع ولبّه وجوهره. ومن هنا نفهم لماذا يُصرّ بعضهم على ربط الطعن في الصحابة بقضية فلسطين: لأنهم يريدون استخدام القضية الأقوى عاطفيًا لتمرير الهدف الأخطر عقديًا.
الاستغلال العاطفي: حين تُصطاد العقول بدماء الأطفال
أخطر ما في هذا المشروع أنه يستهدف الشباب المسلم السني. الشاب المتحمّس المتألم لما يراه في غزة وفلسطين. الشاب الذي يبحث عن بطل يتّبعه وقضية ينتمي إليها وفعل يُشبع حاجته للمشاركة والتأثير.
هذا الشاب حين يرى حكوماته متخاذلة وشيوخه مسجونين ومجتمعه عاجزًا — وبعض الشيوخ الذين تركتهم الأنظمة يطعنون في المقاومة — يبحث عن بديل. وإيران تقدّم نفسها كهذا البديل. تقول له: تعالَ إلينا. نحن من يفعل. نحن من يقاوم. نحن من يتحدى.
وما لا يعرفه هذا الشاب أنه يُستدرج خطوة خطوة. يبدأ بالتعاطف مع المقاومة، ثم ينتقل إلى التعاطف مع إيران، ثم إلى قبول الخطاب الشيعي، ثم إلى التشكيك في ثوابته العقدية، ثم إلى قبول الطعن في الصحابة، ثم في نهاية المطاف إلى التشيع الكامل. سلسلة تنازلات صغيرة كل واحدة منها تبدو معقولة بمفردها، لكنها تقود في نهاية المطاف إلى نتيجة كارثية.
وقد لاحظ كل من تعامل مع هذه الظاهرة أن كثيرًا ممن يدافعون عن الطعن في الصحابة تحت غطاء فلسطين، إذا كلّمتهم بالمنطق وواجهتهم بالحقائق وألزمتهم بالحجة، انتهى بهم الأمر مقرّين بالتشيع الذي طالما كانوا ينكرونه ويتسترون عليه! يبدأ أحدهم مدافعًا عن حق المقاومة ثم ينتهي مدافعًا عن لعن أبي بكر وعمر. يبدأ منتقدًا للتطبيع العربي ثم ينتهي منكرًا لفضائل الصحابة. يبدأ متعاطفًا مع غزة ثم ينتهي كارهًا لصلاح الدين محرر القدس!
هذا ليس صدفة ولا تطورًا طبيعيًا. هذا نتيجة عمل ممنهج ومخطط له وممول جيدًا ومنفّذ بحرفية عالية. ماكينة تشتغل في الخلفية بينما غزة تشتعل في الواجهة.
ولذلك لما طعن بعض المشخصاتية في الصحابة فوجئنا ببعضهم يدافعون عنهم ويقولون: الرجل طرح مجرد تساؤلات! وهم بذلك لا يعنيهم ولا يهمهم قوله في الصحابة وعلى رأسهم أبي بكر وعمر وعثمان!
الهلال الشيعي: من طهران إلى بيروت على جثث أهل السنة
ونتيجة هذا المشروع المتعدد المستويات يمكن رؤيتها بوضوح على خريطة المنطقة: هلال شيعي يمتد من طهران عبر بغداد ودمشق إلى بيروت. هلال من النفوذ والسيطرة والهيمنة بُني بالكامل على حساب أهل السنة في كل بلد من هذه البلدان.
في العراق سيطر الشيعة على الدولة بأكملها وهمّشوا أهل السنة واستضعفوهم. في سوريا حمى النظام العلوي الشيعي بالقوة الإيرانية ودمّر البلد للحفاظ على حلقة من حلقات الهلال حتى سقط في النهاية. في لبنان هيمن حزب الله على القرار السياسي والعسكري وأضعف كل القوى السنية. شريط من الدم والدمار والتهجير يمتد من الخليج إلى المتوسط.
وكل ذلك تحت شعار المقاومة وفلسطين!
هل ترى الآن لماذا تتمسك إيران بالقضية الفلسطينية؟ ليس حبًا في فلسطين ولا نصرة لأهلها. بل لأن فلسطين هي الورقة الذهبية التي تغطي كل هذه الجرائم وتبرر كل هذا التمدد وتمنح الشرعية لكل هذا البطش. بدون فلسطين يصبح المشروع الإيراني مجرد مشروع طائفي توسعي قبيح لا يجد من يدافع عنه. لكن بوجود فلسطين في الواجهة يصبح كل شيء مبررًا ومقبولًا ومحميًا بالعواطف والمشاعر.
كفى تلاعبًا بعقول الأمة
ولذلك أقول لكل شاب مسلم يقرأ هذه الكلمات: رفقًا بعقلك. لا تدع العواطف تقودك إلى حيث يريدك المتلاعبون أن تذهب.
حب فلسطين فريضة. ونصرتها واجب. ومقاومة المحتل عبادة. لكن كل ذلك لا يعني أن تبيع دينك وعقيدتك وولاءك لرموز أمتك ثمنًا لشعارات كاذبة من محور لم ينصر فلسطين أصلًا كما أثبتنا في هذا الكتاب.
ومن كان صادقًا في نصرة فلسطين فليسأل نفسه: هل يخدم القضية أن نطعن في عمر بن الخطاب فاتح القدس؟ هل يخدم القضية أن نبغض صلاح الدين محررها؟ هل يخدم القضية أن نوالي من لم يحرر شبرًا واحدًا من فلسطين في تاريخه كله ونعادي من حررها مرتين؟
فلسطين لا تُنصر بالطعن في أوليائها بل بالاقتداء بهم. لا تُحرر بلعن من حررها بل باتباع نهجهم. ولا يمكن لأمة أن تنتصر وهي تتنكّر لتاريخها وتبيع رموزها وتتنازل عن ثوابتها لإرضاء من يعاديها في الحقيقة ويتاجر بقضيتها.
كفى تلاعبًا. القضية الفلسطينية أطهر من أن يلوّثها المتاجرون بالدم والمبشّرون بالضلال تحت غطائها. ومن أراد أن يناصر فلسطين حقًا فليبدأ بمعرفة تاريخها الحقيقي: عمر فتحها، وصلاح الدين حررها، ورجال غزة يدافعون عنها اليوم. كلهم من أهل السنة. وهذه ليست صدفة، بل سنة ربانية.
عشرون عاماً من التآمر. أربع دول دُمّرت. ملايين هُجّروا. مئات الآلاف قُتلوا. كل ذلك بيد من يزعم أنه حامي الأمة وناصر فلسطين. فإذا كان هذا ما فعلوه بحلفائهم، فماذا تنتظر أن يفعلوه بعدوّهم؟
الباب الرابع: الفخ — لا تبع دينك بشعار
في الليل، حين تهدأ الجبهات قليلاً ويخفت صوت القصف لدقائق معدودة، يفتح شابٌّ مسلمٌ هاتفه. عيناه مثقلتان بصور الأشلاء التي لم يعد يستطيع أن يبكي عليها، وقلبه ممزّق بين الغضب والعجز والألم. يتصفّح ما يُكتب عن غزة، يبحث عن خبر يبعث الأمل، عن موقف يشرّف، عن صوتٍ ينتصر للأبرياء. وفجأة، بين ركام الأخبار ودخان التغريدات، يصطدم بكلمات لا علاقة لها بغزة ولا بفلسطين ولا بالمسجد الأقصى: كلمات تطعن في أبي بكر الصديق، وتسبّ عمر بن الخطاب، وتلعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهم أجمعين.
يتجمّد. يقرأ مرة أخرى. نعم، هذا ما قرأه. وتحت المنشور، في التعليقات، من يصفّق ويؤيّد ويقول: هؤلاء هم سبب ضياع الأمة!
يضغط على قلبه ألمٌ جديد لا يقلّ عن ألم غزة: كيف تُذبح غزة بالقنابل ويُذبح الدين بالألسنة في اللحظة ذاتها؟ وكيف يجرؤ بشرٌ على أن يجعل من دماء الأطفال سلّماً يصعد عليه ليبصق على أصحاب رسول الله؟
هذا هو الفخ. وهذا هو الباب الأخير الذي كان السبب المباشر لكتابة هذا الكتاب.
غزة ذريعة للطعن في الصحابة: المشهد كما حدث
وصلنا الآن إلى الموضع الذي يكشف الوجه الأقبح والأخبث في هذه المنظومة كلها. لأن كل ما سبق من تخاذل عسكري ومسرحيات سياسية وتحالفات مع أمريكا وتاريخ أسود من الجرائم بحق أهل السنة، كل ذلك على فداحته يبقى في دائرة السياسة والصراع على النفوذ والمصالح. لكن ما سنتحدث عنه الآن يتجاوز السياسة إلى العقيدة. يتجاوز المصالح إلى الهوية. يتجاوز الصراع الدنيوي إلى الثوابت التي عليها مدار الإيمان والكفر.
ما سنتحدث عنه هو استغلال دماء أطفال غزة وأشلاء نسائها وآلام شعبها لتمرير مشروع الطعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم!
تأمّل هذا التسلسل الذي شهدناه جميعاً على وسائل التواصل الاجتماعي:
تندلع حرب غزة وتبدأ المجازر. الأمة بأكملها في حالة غضب وألم وإحباط. المشاعر ملتهبة والقلوب مكلومة والعقول في حالة من الاضطراب. هذا هو المناخ المثالي للتلاعب بالناس.
في هذا المناخ بالذات يخرج أشخاص على وسائل التواصل بإساءات صريحة لأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهم أجمعين. إساءات واضحة لا تحتمل التأويل. اتهامات وطعن في خير هذه الأمة بعد نبيها.
ثار المسلمون غاضبين كما هو طبيعي ومتوقع ومطلوب شرعاً. فالدفاع عن الصحابة ليس ترفاً ولا تعصباً بل هو واجب ديني على كل مسلم.
وهنا يأتي الفخ!
الفخ: حين تُستخدم دماء الأطفال لتصفية حسابات عمرها أربعة عشر قرناً
بدلاً من أن يعتذر المسيء أو يتراجع أو يصمت، يلجأ إلى مناورة خبيثة مدروسة: يربط ردة فعل المسلمين الغاضبة بالتخاذل عن غزة! يغرّد أو ينشر ما معناه: عجباً لأمة لم تهتز لدماء غزة لكنها اهتزت لتغريدة! انظروا إلى هؤلاء كيف يغضبون لكلمة عن صحابي ولا يغضبون لمقتل آلاف الأطفال!
وفجأة ينقلب المشهد. يتحوّل الموضوع من جريمة الطعن في الصحابة إلى اتهام الأمة بالتخاذل عن غزة. يهرب المسيء من مواجهة إساءته ويختبئ خلف دماء الأطفال. يستخدم جثث الأبرياء درعاً يحتمي به من المحاسبة. ويتحول من متهم بالإساءة إلى متهِم يحاكم الأمة على أولوياتها!
هذه هي المغالطة التي فصّلناها في المقدمة: مغالطة الرنجة الحمراء. تعمّد تغيير الموضوع الأصلي إلى موضوع آخر مثير للمشاعر لصرف الانتباه عن جوهر الخلاف. لكنها هنا أخبث وأخطر لأنها لا تستخدم موضوعاً عادياً للتشتيت بل تستخدم أقدس قضية وأنبل دم: دماء أطفال فلسطين. من يجرؤ على الرد حين يُستخدم هذا السلاح العاطفي الرهيب؟ من يجرؤ على قول الحق حين يُوضع أمام هذه المعادلة الجهنمية: إما أن تسكت عن الطعن في الصحابة وإما أن تُتهم بأنك لا تهتم بدماء الأطفال؟
هذه مناورة لا تستهدف العقل بل تستهدف الضمير. تريد أن تُشعرك بالذنب حتى تخجل من الدفاع عن دينك. تريد أن تُخيّرك بين قلبك وعقيدتك. وهذا بالضبط ما يفعله كل محتال بارع: يضعك في موقف لا تستطيع فيه الرد دون أن تبدو شريراً.
لكننا لن نسكت ولن ننخدع.
تفكيك المغالطة قطعة قطعة
فلنفكك هذه المغالطة قطعة قطعة بالعقل والمنطق والحجة:
أولاً: الذين اهتزوا لدماء غزة هم أنفسهم الذين اهتزوا للإساءة للصحابة. هم نفس الناس! المسلم الذي يبكي على أطفال غزة هو نفسه الذي يغضب حين يُسب أبو بكر وعمر. والمسلم الذي يتظاهر في الشوارع نصرة لفلسطين هو نفسه الذي ينتفض حين تُهان عائشة أم المؤمنين. ليس هناك تناقض بين الموقفين إلا في عقول من يريدون فصل الأمة عن ثوابتها. فالأمة غضبت لغزة وغضبت للصحابة لأن كليهما جزء من دينها وهويتها ووجودها.
ثانياً: الذين سكتوا عن الإساءة للصحابة ورحبوا بها وصفقوا لها، كثير منهم هم أنفسهم من سكتوا عن دماء المسلمين في سوريا والعراق ولبنان واليمن. بل كثير منهم كانوا شركاء في سفك تلك الدماء أو مبررين لها. فلا يحق لمن سكت عن مجازر حلب وحمص ودرعا وسجون الأسد ومكابس الحشد الشعبي أن يُحاسب الأمة على ردة فعلها تجاه الطعن في صحابة رسول الله.
ثالثاً: السؤال المركزي الذي يجب أن يُطرح على كل من يربط بين القضيتين: ما العلاقة بين الطعن في الصحابة ونصرة غزة؟ سؤال بسيط وواضح ومباشر لكنه يكشف كل الخداع.
هل سبّ أبي بكر الصديق سيوقف قنبلة واحدة عن رأس طفل في غزة؟ هل لعن عمر بن الخطاب سيفتح معبر رفح؟ هل الطعن في عائشة أم المؤمنين سيُدخل شاحنة مساعدات واحدة إلى القطاع المحاصر؟ هل إذا وافقنا الشيعة في بغضهم للصحابة ستتحرك ترسانة حزب الله التي بقيت نائمة في مخازنها؟ هل إذا تنازلنا عن عقيدتنا ستتحول إيران فجأة من نمر ورقي إلى نمر حقيقي يُحرر القدس؟
الجواب واضح لكل ذي عقل: لا! لا علاقة على الإطلاق! الطعن في الصحابة لن يغيّر شيئاً في واقع غزة. لن ينقذ طفلاً ولن يوقف قصفاً ولن يفتح معبراً. الربط بين القضيتين ربط مصطنع مفتعل خبيث لا أساس له في العقل ولا في المنطق ولا في الواقع.
رابعاً: إذا كان الأمر يتعلق بنصرة فلسطين والمسجد الأقصى فعمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي يُسبّونه هو أول فاتح للقدس! هو الذي تسلّم مفاتيح المسجد الأقصى بيده ودخله متواضعاً خاشعاً وأقام فيه العدل الذي شهد به العدو قبل الصديق! فكيف يُعقل أن تُنصر القدس بلعن من فتحها؟ وكيف يُعقل أن تُحرر فلسطين بسبّ من حررها أول مرة؟
وصلاح الدين الأيوبي الذي حررها المرة الثانية من الصليبيين يبغضه الشيعة أكثر من بغضهم للصحابة أنفسهم! لأنه أسقط الدولة الفاطمية الشيعية وأعاد مصر إلى المذهب السني! فمن يبغض فاتح القدس ومحررها معاً، هل تنتظر منه أن ينصرها حقاً؟ أم أن تحرير القدس على يد أهل السنة هو كابوسهم الأكبر لأنه سيُعيد التاريخ الذي يكرهونه؟
لمن يدافع عن المسيئين: هل تظن الله سينصرك وأنت تلمز أولياءه؟
ونوجّه كلمة لكل من يدافع عن الطاعنين في الصحابة بحجة فلسطين:
هل تظن أن الله تعالى سينصر أمة تسكت عن الإساءة لأوليائه مجاملة لمن يعاديهم؟ هل تظن أن النصر يأتي لقوم يتنازلون عن ثوابت دينهم طمعاً في رضا من لم ينصرهم أصلاً؟ هل تظن أن التخلي عن الصحابة الذين زكّاهم الله في كتابه ورضي عنهم ورضوا عنه هو الطريق إلى تحرير المسجد الأقصى؟
إن النصر من عند الله. والله لا ينصر من يتهاون في حق أوليائه. والصحابة رضي الله عنهم هم أولياء الله الذين اختارهم لصحبة نبيه وحمل رسالته ونقل دينه. فمن يطعن فيهم إنما يطعن في اختيار الله نفسه. ومن يسكت عن الطعن فيهم مجاملة لبشر فقد آثر رضا المخلوق على رضا الخالق. وقد بيّنا في المقدمة الآيات الصريحة والأحاديث القاطعة في مكانة الصحابة وحرمة الطعن فيهم، ومن أرادها فليعد إليها.
وانظر إلى سنة الله في خلقه: من خذل أولياء الله خذله الله. وقد رأينا كيف أن محور إيران الذي يلعن الصحابة ويحتفل بمقتل عمر ويبغض صلاح الدين، كيف خذله الله في لحظة الحقيقة. دُمّرت ترساناته في مخازنها وقُتل قادته في مخابئهم وسقط حلفاؤه واحداً تلو الآخر. بينما رجال غزة الذين يحبون الصحابة ويسمّون أبناءهم بأسمائهم ويسيرون على نهجهم هم الذين صمدوا وأذهلوا العالم بثباتهم.
أليس في هذا عبرة لمن يعتبر؟
أهل غزة في طليعة المدافعين عن الصحابة
ومن المفارقات التي تقصم ظهر هذه المغالطة وتهدمها من أساسها: أهل غزة أنفسهم — الذين يُستغل دمهم للطعن في الصحابة — هم من أشد الناس حبّاً للصحابة ودفاعاً عنهم!
تخيّل المشهد: في مستشفى ميداني بخان يونس، وسط الجراح والأنين والدمار، تضع أمٌّ فلسطينية مولودها الجديد. ماذا تسمّيه؟ عُمر. أو خالد. أو أبو بكر. هذه ليست صدفة وليست عادة فارغة. هذا إعلان هوية. هذا قلبٌ ينبض بحب أصحاب رسول الله حتى تحت القصف وبين الأنقاض وفوق الدم. طفلٌ لم يفتح عينيه بعد على هذه الدنيا ويحمل اسم عمر الفاروق — ذلك الاسم الذي يُلعن في طهران ويُحتفل بمقتل صاحبه — يُنادى به في غزة بفخر وحب وإيمان.
أهل غزة سنة شافعية. يحبون أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وسائر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. يسمّون أبناءهم وبناتهم بأسماء الصحابة. يحفظون القرآن الذي جمعه عثمان رضي الله عنه. يتّبعون السنة التي رواها أبو هريرة وعائشة وابن عمر وأنس رضي الله عنهم. يعيشون وفق الفقه الذي أسّسه الأئمة الأربعة الذين نهلوا من علم الصحابة. يسيرون على نهج الفاتحين الأوائل الذين حرّروا هذه الأرض المباركة أول مرة.
هؤلاء لا يقبلون أبداً أن تُستغل مأساتهم ودماؤهم لتصفية حسابات فكرية لا تخصّهم ولا تنفعهم بل تضرّهم وتضرّ قضيتهم. وقد كان أهل غزة أنفسهم في طليعة من ردّ على تلك الإساءات حين ظهرت! فمن يزعم أنه ينصر غزة بسبّ الصحابة فليسأل أهل غزة أنفسهم ماذا يقولون في ذلك! لن يجد منهم إلا الرفض والاستنكار والغضب.
فالمتاجرون بدماء غزة لتمرير أجندتهم الطائفية لا يمثّلون أهل غزة ولا يتحدثون باسمهم ولا يملكون حق استخدام دمائهم غطاءً لمشروعهم. هذه متاجرة مفضوحة مكشوفة وتصفية حسابات فكرية لا علاقة لها بغزة ولا بفلسطين ولا بالمسجد الأقصى.
أقلام سنية في خدمة طهران: حين يحترق بعضنا من أجل من لا يعبأ بنا
ومن أسوأ ما كشفته هذه الأحداث بروز ظاهرة عجيبة محيّرة مؤلمة: أقلام محسوبة على أهل السنة تتطوّع للدفاع عن إيران وتلميع صورتها بحماس يفوق حماس الشيعة أنفسهم!
دخلت على حسابات شهيرة وقنوات إعلامية معروفة بموالاة إيران من الشيعة أنفسهم فما وجدت إلا القليل يتحدث عن الأحداث الجارية وبشكل حذر متحفظ. شيوخ الشيعة في لبنان والعراق وإيران يلتزمون الصمت والترقب. الذين يُفترض أنهم أصحاب الشأن وأهل القضية يسكتون ويراقبون.
بينما بعض المحسوبين على أهل السنة يشتعلون حماساً ودفاعاً عن إيران! يكتبون المقالات الطويلة ويسجّلون الفيديوهات الحماسية ويتشاجرون مع كل من ينتقد إيران وكأنهم وكلاؤها المعتمدون! يحرقون أنفسهم من أجل نظام لا يعرفهم ولا يعبأ بهم ولا يرى لهم وزناً في معادلاته!
والسؤال المؤلم الذي يطرح نفسه: لماذا؟ لماذا يحرص بعضنا على إحراق نفسه من أجل إيران؟
كم من الطاقات الإسلامية السنية أُهدرت في معارك الآخرين وحروبهم! وها هي إيران اليوم تستهلك ما تبقى من رصيد الأمة في معارك لا ناقة لنا فيها ولا جمل! بل والحقيقة المرّة التي يجب أن تُقال بصراحة: إيران ذاتها لا تعبأ بنا ولا ترى لنا وزناً في معادلاتها! نحن بالنسبة لها مجرد أدوات دعائية تستخدمها حين تحتاجها وتتخلى عنها حين تنتهي الحاجة.
مصطلح "الدول السنية": الفخ اللغوي الخبيث
ومن أبرز الأدوات التي يستخدمها هؤلاء في التضليل مصطلح "الدول السنية". وهو من أخبث المصطلحات التي ابتُليت بها الأمة في هذه المرحلة.
يقولون: انظروا كيف تتحرك إيران وحزب الله بينما الدول السنية نائمة! انظروا كيف يقف الشيعة مع فلسطين بينما السنة لا يفعلون شيئاً!
حين يقول أحدهم: أين الدول السنية من غزة؟ يبدو السؤال مشروعاً في ظاهره. لكن تحته سمّ زعاف. لأن هذا المصطلح يخلط عمداً بين الحكومات المستبدة التي تحكم بالحديد والنار وبين الشعوب المسلمة المستضعفة المقهورة التي لا حول لها ولا قوة. حين يقولون "الدول السنية" فهم يلصقون فشل هذه الأنظمة بأهل السنة وكأنها تمثّلهم!
هذه الحكومات التي يسمّونها سنية تحارب السنة في دينهم وعقيدتهم ومناهج تعليمهم! تحاربهم في أبسط حقوقهم! تسجن الدعاة وتغلق المساجد وتقمع كل صوت إسلامي وتطارد كل مشروع إصلاحي! فبأي منطق وبأي لسان يُطلق عليها وصف "السنية"؟
والحقيقة التي لا ينبغي أن يختلف عليها عاقلان: لا توجد اليوم دولة عربية واحدة تحكم بالكتاب والسنة في كل شؤونها كمرجعية شاملة إلا في بعض الجزئيات التي لا ترقى إلى اسم التحاكم إلى الشريعة. أما رؤوس هذه الأنظمة فحالهم مع السنة معروف: لا يدينون بها ولا ينصرونها بل كثير منهم في عداد أعداء السنة عقيدة وتوجهاً وولاءً.
أما إيران فالفرق أنها نظام طائفي يحكم باسم المذهب فعلاً ويتحرك لخدمة مشروعه المذهبي فعلاً. فحين تتحرك إيران فهي تتحرك لمصلحة مشروعها الشيعي. وحين لا تتحرك هذه الأنظمة فهي لا تتحرك لأنها أصلاً ليست في خدمة أهل السنة بل في خدمة من أوصلها إلى الكرسي. فالمقارنة من أساسها مغلوطة: تقارن نظاماً طائفياً يتحرك لمشروعه بأنظمة مصنوعة لمنع أهل السنة من التحرك أصلاً! ثم تلوم أهل السنة على نتيجة لم يصنعوها! فإلصاق فشل هذه الأنظمة بأهل السنة كإلصاق جرائم السجّان بالسجين!
لكن مصطلح "الدول السنية" صار مظلة يختلط فيها الحابل بالنابل. فباسم هذا المصطلح تُسبّ الشعوب المسلمة المستضعفة التي لا ذنب لها! ويُهاجم العرب كشعوب وكأنهم مسؤولون عن أفعال حكامهم! وتُخوّن الجماهير التي خرجت في مظاهرات مليونية نصرة لغزة! وتُبخس تضحيات أهل السنة عبر التاريخ! ويُهدر تاريخ طويل من الجهاد والدماء سالت منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا!
هناك شعوب وجماعات سنية صمدت في وجه الطغيان العقائدي والسياسي لأكثر من خمسة وأربعين عاماً هو عمر دولة الملالي في إيران. هذه الشعوب ثارت وجاهدت بما تملك وناصرت قضايا المسلمين بما تستطيع وقدّمت شهداء ومشرّدين وأسرى ودفعت أثماناً باهظة. واجهت طواغيت الأرض من السوفييت إلى الأمريكان وحلفائهم إلى الصهاينة. بينما كانت إيران في أغلب محطات هذا التاريخ إما متفرجة أو داعمة للمستبدين أو متآمرة أو مشاركة بيدها وسلاحها في مذابح مروّعة ضد الشعوب السنية الثائرة.
فليخفف أولئك العابثون أصحاب مصطلح "الدول السنية" من غلوائهم ومهاتراتهم! فقد تجاوزوا حدود المعقول والواقع والتاريخ!
تحويل البوصلة: حين سرقت إيران الأضواء من غزة
ومن أخطر نتائج هذه الفوضى الفكرية أن إيران نجحت في تحويل البوصلة بالكامل من غزة إلى نفسها!
تأمل ما حدث: حرب غزة التي هي أساس الموضوع وجوهر القضية وسبب كل هذا الحراك أصبحت على الهامش! خرجت من صدارة المشهد الإعلامي والشعبي! بعد أن أصبحت أحداث إيران وحروبها ومسرحياتها هي العنوان وصارت أولويات الإعلام والجمهور تدور حول طهران وقم ومشهد بدلاً من أن تكون البوصلة موجهة نحو غزة والقدس والمسجد الأقصى!
نجحت إيران في سرقة الأضواء من غزة! نجحت في تحويل تعاطف الناس من أهل غزة المحاصرين إلى نفسها! نجحت في جعل الناس يتناقشون ويتشاجرون ويتخاصمون حول إيران بدلاً من أن يركّزوا جهدهم على نصرة غزة!
لقد نجحت إيران في تفريق صفوفنا وإدخالنا في معارك وهمية فيما بيننا. حتى صرنا نتصارع ونتخاصم ونضيع وقتنا وجهدنا وطاقاتنا في قضايا لا تخدمنا ولا ترفع شأننا ولا تُقرّبنا خطوة واحدة من نصرة غزة أو تحرير الأقصى.
فمتى نستفيق ونوجه طاقاتنا لما ينفع أمتنا حقاً؟ إلى متى نظل نقاتل في معارك غيرنا ونحمل أعباء لا تخصنا ونحرق أنفسنا من أجل من لا يلتفت إلينا ولا يهتم لأمرنا؟
من يدفع الفاتورة؟ حين ينقلب الحليف ويُطلب منا الثمن
لعقود طويلة عاشت إيران في منطقة رمادية بين أمريكا وخصومها. لم تكن حليفة معلنة لأمريكا ولم تكن عدوة حقيقية لها. كانت تلعب لعبة مزدوجة بمهارة: ترفع شعار الموت لأمريكا في الداخل لتكسب شعبيتها وتخدم أمريكا في الخارج حين تقتضي المصلحة المشتركة ذلك.
تعاونت مع أمريكا في غزو العراق كما بيّنا. غضّت أمريكا الطرف عن نفوذها المتنامي في المنطقة. تبادلتا الخدمات من تحت الطاولة بينما تتبادلان الشتائم من فوقها. وكلاهما كان يستفيد من هذه اللعبة على حساب شعوب المنطقة.
لكن الآن تغيّرت المعادلة. أمريكا بدأت تنقلب على حلفائها الشيعة. ضربت مواقع إيرانية. دعمت إسرائيل في تدمير حزب الله. ضيّقت الخناق على الميليشيات العراقية. أعطت إسرائيل الضوء الأخضر للتوسع بلا حدود.
وماذا يحدث حين تنقلب أمريكا على شركائها الشيعة؟ يهرع هؤلاء الشركاء إلينا! إلى أهل السنة! بعد أن تعاونوا مع أمريكا لعقدين في قتلنا وتهجيرنا وتدمير بلداننا يأتون اليوم يقولون لنا: نحن وأنتم في خندق واحد ضد أمريكا وإسرائيل! يجب أن نتوحد! يجب أن تقفوا معنا!
يريدون منا أن ندفع فاتورة حربهم! فاتورة ليست فاتورتنا! يريدون منا أن نتحمل عواقب انقلاب أمريكا عليهم بعد أن كانوا هم شركاء أمريكا في الانقلاب علينا!
من تعاون مع أمريكا في غزو العراق عام 2003 يريدنا اليوم أن نحميه من أمريكا! من قاتل تحت غطاء جوي أمريكي في الموصل والأنبار يريدنا أن ننسى ونسامح ونقف معه! من بنى ميليشياته بحماية أمريكية وتقاسم معها السلطة والنفوذ يريدنا أن نصدّق أنه عدو أمريكا وأننا يجب أن نتحالف معه!
هذا منطق لا يقبله عاقل. ليست مشكلتنا أن أمريكا انقلبت على حلفائها. مشكلتنا أن هؤلاء الحلفاء دمّروا بلداننا وقتلوا أهلنا وهجّروا شعوبنا حين كانوا يتمتعون بالحماية الأمريكية. والآن حين سُحبت منهم تلك الحماية يريدون منا أن ننسى كل شيء ونفتح لهم أبوابنا!
من ذبح أهل السنة بالأمس بالتعاون مع أمريكا لا يحق له أن يطلب من أهل السنة اليوم أن يدافعوا عنه ضد أمريكا. فاتورتكم ليست فاتورتنا. ومعاركم ليست معاركنا. وانقلاب حليفكم عليكم ليس مشكلتنا.
نعم إيران دعمت غزة... فهل هذا يُسكتنا؟
أعلم أن هناك من قرأ كل ما سبق وهو يُعدّ في ذهنه اعتراضاً أخيراً يظن أنه سيقلب الطاولة على كل ما قلناه. اعتراض يقول:
كل كلامك جميل لكن الواقع أن إيران هي من سلّحت حماس! هي من أعطتها الصواريخ والمال والتدريب والخبرة! هي من موّلت المقاومة حين تخلى عنها الجميع! فبدلاً من أن تنتقدها قل لنا: ماذا قدمتم أنتم؟ ماذا قدمت أنظمتكم السنية العظيمة لغزة؟ أليس من النفاق أن تتهم من يدعم المقاومة بينما أنظمتك تحاصرها؟
هذا الاعتراض يبدو قوياً في ظاهره. وأنا لن أهرب منه ولن أتجاهله ولن ألتف حوله. بل سأواجهه وجهاً لوجه وأفككه قطعة قطعة. لأن الحقيقة لا تخشى المواجهة والباطل مهما بدا متماسكاً ينهار أمام الحجة.
نعم، إيران قدّمت دعماً مادياً وعسكرياً ومالياً لفصائل المقاومة في غزة. هذه حقيقة لا ننكرها ولا نتجاهلها ولا نقلل من شأنها. السلاح الذي قاتل به رجال غزة أبطالنا جزء منه إيراني الصنع أو موّلته إيران أو جاء عبر شبكاتها. والتدريب الذي تلقاه بعض المقاتلين جزء منه تم بإشراف إيراني. والمال الذي أبقى المقاومة على قيد الحياة في سنوات الحصار جزء منه إيراني المصدر. هذا واقع ولا نكابر فيه.
لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني أبداً أن نبتلع كل شيء وأن نسكت عن كل شيء وأن نتنازل عن كل شيء. لأن هذه الحقيقة لا تقف وحدها بل تقف بجانبها حقائق أخرى لا تقل أهمية.
لنضع هذا الدعم في سياقه الصحيح بعيداً عن العاطفة:
الدعم الإيراني لحماس والجهاد الإسلامي لم يكن عملاً خيرياً نابعاً من حب فلسطين. كان استثماراً سياسياً واستراتيجياً محسوباً بدقة. إيران تدعم فصائل المقاومة الفلسطينية للسبب نفسه الذي تدعم فيه حزب الله والحوثيين والميليشيات العراقية: لبناء شبكة نفوذ إقليمية تخدم مشروعها التوسعي وتعطيها أوراق ضغط وتفاوض في الملفات التي تهمها هي لا التي تهم فلسطين.
فلسطين بالنسبة لإيران ورقة. ورقة ثمينة نعم لكنها ورقة. تُستخدم حين تقتضي المصلحة الإيرانية وتُهمل حين لا تقتضيها. والدليل؟ اغتُيل إسماعيل هنية رحمه الله على الأراضي الإيرانية ولم تردّ إيران لأشهر. أُبيدت غزة لأشهر ولم تتحرك إيران. لو كانت فلسطين فعلاً أولوية إيران لما سكتت يوماً واحداً فضلاً عن أشهر وأشهر.
وهناك دول وجهات كثيرة في العالم تدعم حركات مسلحة في بلدان أخرى ليس حبّاً في تلك الحركات بل لتحقيق مصالحها الخاصة. أمريكا دعمت المجاهدين الأفغان ضد السوفييت لا حبّاً في الإسلام بل لإضعاف الاتحاد السوفيتي. فهل يعني هذا أن المجاهدين الأفغان كانوا أدوات أمريكية؟ كلا! المجاهدون كانوا يقاتلون لله وأمريكا كانت تخدم مصالحها. الأمران مختلفان تماماً. وكذلك رجال غزة يقاتلون لله حقاً بصدق وإيمان وتضحية. لكن هذا لا يعني أن إيران تدعمهم لله. إيران تدعمهم لإيران.
والأمر أعمق من ذلك حين نفتح دفتر الحسابات الحقيقي. لنتكلم بلغة الأرقام التي لا تُجامل:
الدعم الإيراني لفصائل المقاومة في غزة قُدّر بملايين الدولارات على مدى سنوات. مبلغ كبير نعم. لكن ماذا ربحت إيران في المقابل؟ حين اندلعت حرب غزة ارتفعت أسعار النفط وارتفع التوتر الإقليمي وارتفعت معه أوراق إيران التفاوضية في ملفها النووي وملفات العقوبات. عائدات النفط الإيرانية وحدها من ارتفاع الأسعار خلال أشهر الحرب غطّت أضعاف ما أنفقته إيران على غزة في عقد كامل! إيران لم تخسر جندياً واحداً في نصرة غزة بينما أرسلت عشرات الآلاف من المقاتلين لذبح أهل سوريا وسقط منهم آلاف. كسبت نفوذاً إقليمياً وأوراق تفاوض دولية ومكانة شعبية في الشارع الإسلامي دون أن تُسيل قطرة دم واحدة من دماء جنودها.
هذا ليس دعماً. هذا استثمار ذو عائد مرتفع. من يستثمر ملايين ليربح مليارات لا يُسمّى ناصراً بل يُسمّى تاجراً. والفارق بين الناصر والتاجر أن الناصر يبقى حين تشتد الأزمة، أما التاجر فيبيع حين ينخفض السعر. وهذا بالضبط ما فعلته إيران: حين جاءت لحظة الحقيقة باعت غزة واشترت سلامتها.
هل الدعم المادي يشتري السكوت عن العقيدة؟
وهنا السؤال الجوهري الذي يجب أن نسأله لكل من يقول لنا اسكتوا لأن إيران تدعم المقاومة:
هل الدعم المادي والعسكري يُعطي الحق في الطعن بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
هل إذا أعطاك رجل مالاً أو سلاحاً صار من حقه أن يسبّ أباك وأمك وأجدادك ويطعن في عرضك ونسبك وتقول له شكراً؟
هل إذا دعمتك جهة ما في قضية مشروعة صار من حقها أن تطالبك بالتخلي عن دينك وثوابتك وهويتك مقابل هذا الدعم؟
هذا منطق العبيد لا منطق الأحرار. منطق من يبيع كرامته وعقيدته مقابل صفقة. ومنطق الإسلام أوضح من الشمس: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ولو أنفقت إيران كل ما تملك من صواريخ ومال ونفوذ فهذا لا يعطيها الحق في الطعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يُلزمنا بالسكوت عن هذا الطعن.
والصحابة رضي الله عنهم ليسوا ملكاً لنا حتى نتنازل عنهم في صفقة سياسية. هم أمانة الله عندنا. هم حملة الوحي ونقلة الدين. الطعن فيهم ليس رأياً نتفاوض عليه بل هو طعن في الدين نفسه. ولا يملك أحد أن يبيع هذه الأمانة مهما كان الثمن.
ماذا قدّم أهل السنة؟ تعالوا نُحصي!
وأما سؤالهم الاستفزازي: ماذا قدمتم أنتم يا أهل السنة؟ فالجواب عليه يحتاج إلى وقفة طويلة لأنه سؤال يحمل في طيّاته جهلاً عميقاً أو تجاهلاً متعمداً.
أولاً: من هم رجال غزة أنفسهم الذين يقاتلون ويستشهدون ويصمدون ويذهلون العالم؟ أليسوا من أهل السنة؟! حماس والجهاد الإسلامي وكل فصائل المقاومة في غزة كلها فصائل سنية! الرجال الذين نفذوا طوفان الأقصى سنة! الرجال الذين يخرجون من باطن الأرض ويدمّرون الميركافا سنة! الأطفال الذين يحفظون القرآن تحت القصف سنة! الأمهات اللواتي يودّعن أبناءهن بالدعاء والصبر سنة! فحين تسأل ماذا قدم أهل السنة فكأنك تسأل ماذا قدّمت غزة نفسها!
ثانياً: من موّل المقاومة الفلسطينية لعقود قبل أن يأتي الدعم الإيراني؟ المال الخليجي السني هو الذي بنى البنية التحتية لحماس وللمقاومة على مدى سنوات طويلة. تبرعات المسلمين السنة من كل أنحاء العالم هي التي أبقت غزة على قيد الحياة خلال سنوات الحصار. جمعيات خيرية سنية في الكويت والسعودية وقطر وتركيا وماليزيا وإندونيسيا وأوروبا وأمريكا جمعت مئات الملايين لأهل غزة على مدى عقود. أفراد من أهل السنة تبرعوا من قوت أولادهم لأهل فلسطين. شيوخ ودعاة سُجنوا بسبب هذا الدعم! نعم سُجنوا وعُذبوا في سجون أنظمتهم العربية لأنهم جمعوا تبرعات لغزة أو خطبوا نصرة لفلسطين!
ثالثاً: القضية الفلسطينية بأكملها قضية سنية في نشأتها وقادتها وشهدائها ومقاتليها. من الشيخ عز الدين القسام إلى أحمد ياسين إلى عبد العزيز الرنتيسي إلى محمد الضيف إلى يحيى السنوار إلى كل شهيد ومقاتل ومجاهد ورجل سقط على هذه الأرض المباركة. تاريخ المقاومة الفلسطينية هو تاريخ سني بامتياز. الدعم الإيراني ظاهرة حديثة نسبياً في تاريخ طويل من النضال السني الخالص.
رابعاً: الشعوب السنية المقهورة التي يُلام عليها الجميع خرجت في مظاهرات مليونية في كل أنحاء العالم نصرة لغزة. من جاكرتا إلى إسطنبول إلى لندن إلى نيويورك إلى عمّان إلى الرباط. ملايين المسلمين السنة خرجوا في الشوارع يهتفون لفلسطين ويضغطون على حكوماتهم ويقاطعون المنتجات الداعمة لإسرائيل ويفعلون كل ما يستطيعون وهم مقموعون محاصرون مراقبون مهددون بالسجن والتنكيل.
فحين يسألني أحدهم ماذا قدّم أهل السنة أقول له: قدّموا كل شيء! قدّموا المقاتلين الذين يقاتلون في غزة الآن! وقدّموا المال الذي بنى المقاومة قبل أن تعرف إيران طريق غزة! وقدّموا الشهداء والمعتقلين الذين سُجنوا لأنهم ناصروا فلسطين! وقدّموا الملايين التي خرجت في الشوارع! وقدّموا الدعاء كل ليلة في قيام الليل! فماذا قدمت إيران إلا ترسانة نامت حين كانت غزة تستغيث ووعوداً تبخرت حين جاء وقت الجد؟
لا تخلطوا بين أنظمتنا وبيننا!
وأما مقولة ماذا قدمت أنظمتكم فأنا أسأل بدوري: منذ متى صارت هذه الأنظمة أنظمتنا؟!
هذه الأنظمة التي تحكمنا بالحديد والنار تحاربنا نحن أهل السنة قبل أن تحارب إسرائيل! تسجن شيوخنا وتقمع دعاتنا وتغلق مساجدنا وتطارد شبابنا وتمنعنا من أبسط حقوقنا! أعداؤنا في الداخل قبل أن يكونوا حلفاء إسرائيل في الخارج!
فكيف تحاسبني على فعل سجّاني؟ كيف تلومني على صمت حاكم يسجنني إن تكلمت؟ كيف تقول لي ماذا فعل نظامك وأنا أول ضحايا هذا النظام؟
والفارق الحاسم بيننا وبين الميليشيات الشيعية أن هذه الميليشيات تملك الحرية الكاملة في التصرف. لديها السلاح والمال والقرار المستقل. لا أحد يمنعها من التحرك. فحين تختار التخاذل عن غزة يكون خيارها الحر. أما أنا المسلم السني المقهور تحت نظام مستبد لا أملك من أمري شيئاً. إذا خرجت إلى الشارع سُجنت. إذا جمعت تبرعات اعتُقلت. إذا خطبت خطبة نارية اختفيت في السجون. فبأي عدل وبأي إنصاف تلومني وتعفي الميليشيات المسلحة الحرة التي تملك كل شيء ولم تفعل شيئاً؟
ثم هذه الأنظمة العربية لم تعِد أهل غزة بشيء ولم تدّعِ يوماً أنها ستنصرهم ولم توقّع اتفاق وحدة ساحات. بل كانت تحاربهم علناً. فكيف نُلام نحن على صمت من لم يعِد ويُعفى من وعد ثم نكث؟ كيف يُلام من كان عداؤه معلناً ويُبرّأ من ادّعى الصداقة ثم طعن في الظهر؟
المشكلة ليست في أهل السنة. المشكلة في أنظمة مستبدة تقمع شعوبها والمشكلة في محور يدّعي المقاومة وترساناته نائمة والمشكلة في ميليشيات مسلحة حتى أسنانها اختارت أن تتفرج على مذبحة غزة من بعيد.
لا تجعلوا الدعم صك غفران
وأخيراً أقول لكل من يستخدم الدعم الإيراني ذريعة لإسكاتنا:
لو أن رجلاً أعطاك مالاً كل شهر ثم جاء يوماً وضرب ابنك واعتدى على جارك وأحرق بيت صديقك وأهان أباك وسبّ أمك... هل تقول له شكراً على المال ولن أحاسبك على كل ما فعلت؟
الدعم الإيراني لغزة لا يمحو تدمير سوريا. لا يمحو مجازر العراق. لا يمحو قمع سنة لبنان. لا يمحو الانقلاب في اليمن. لا يمحو الطعن في الصحابة. لا يمحو الاحتفال بمقتل عمر بن الخطاب. لا يمحو نشر التشيع في بلدان سنية. لا يمحو أربعة عشر قرناً من العداء لأهل السنة.
لو افترضنا أن رجلاً يتصدق كل يوم بدرهم على مسكين ثم يقتل عشرة أبرياء كل ليلة... هل الدرهم يغسل الدماء؟ هل الصدقة تمحو الجريمة؟
إيران دعمت غزة بملايين الدولارات. ودمّرت سوريا بمليارات الدولارات! سلّحت حماس بآلاف الصواريخ. وأرسلت عشرات الآلاف من المقاتلين لذبح الشعب السوري! ساعدت المقاومة في غزة. وأسست ميليشيات دمّرت العراق ولبنان واليمن!
فهل الحسنة الواحدة تمحو هذا الجبل من السيئات؟ وهل يجوز لنا شرعاً أن نسكت عن كل تلك الجرائم لأن هناك حسنة واحدة؟
ثم إن هذا الدعم نفسه ثبت أنه كان مشروطاً بخدمة المشروع الإيراني. ثبت أنه كان ورقة تفاوضية لا عملاً لله. ثبت أنه حين جاءت لحظة الحقيقة تبخّرت الوعود وبقيت غزة وحدها. فأي دعم هذا الذي يتبخّر في اللحظة التي يُحتاج فيه أكثر من أي وقت آخر؟
نعترف بالدعم الإيراني لغزة ولا ننكره. لكننا نرفض أن يكون هذا الدعم صك غفران يمحو تاريخاً أسود من الجرائم بحق أهل السنة. ونرفض أن يكون ذريعة لإسكاتنا عن الطعن في صحابة رسول الله. ونرفض أن يكون مبرراً للسكوت عن مشروع طائفي يستخدم فلسطين غطاءً. من يدعم قضية عادلة لا يكتسب الحق في هدم عقيدة أمة. ومن يعطي بيد ويطعن بالأخرى لا يستحق إلا أن يُكشف ويُفضح.
هذا هو الفخ الذي نصبوه لنا. فخ صُنع بإتقان من خيوط العاطفة والابتزاز والمغالطة. فخ يقول لك: إما أن تبيع دينك بشعار أو تُتهم بخيانة غزة. فخ يقول لك: اسكت عن الطعن في أصحاب رسول الله وإلا فأنت شريك في قتل الأطفال.
لكن الأمة الحية لا تُخدع. والمسلم الذي يعرف دينه لا يبيعه بشعار. والذي يحب غزة حقاً يعرف أن نصرتها تبدأ بنصرة الثوابت التي قامت عليها هذه الأمة. والذي يريد تحرير الأقصى يعرف أن الطريق يمر بحب من فتحه أول مرة وحرره ثاني مرة، لا بلعنهم وسبّهم.
لا تبع دينك بشعار. لا تبع صحابة رسول الله بصفقة. لا تبع عقيدتك بوعود من لم يفِ بوعد قط.
فمن أراد أن ينصر غزة فلينصرها بالحق لا بالباطل. بالدعم لا بالطعن في الصحابة. بالعمل لا بالشعارات الفارغة. بالوحدة على الثوابت لا بالتنازل عنها. وليعلم أن النصر من عند الله وحده، والله لا ينصر من تنازل عن أوليائه مجاملة لأعدائه.
لا تبع دينك بشعار فارغ. لا تبع صحابتك بوعد كاذب. لا تبع أمّتك بمحور خذل غزة قبل أن يخذلك. واعلم أن من باع عقيدته ليكسب حليفاً خسر الاثنين معاً: العقيدة ذهبت والحليف ما جاء.
الخاتمة
رسالة أخيرة لكل مسلم يقرأ هذه الكلمات
وصلنا إلى نهاية هذا الكتاب. وأرجو أن تكون الصورة قد اتضحت بما لا يدع مجالًا للشك أو التأويل أو المناورة.
ليست نصرة.
ما فعله محور إيران ليس نصرة لغزة ولا لفلسطين ولا للمسجد الأقصى. هو مشروع طائفي استخدم القضية الأنبل غطاءً لتحقيق أهداف لا علاقة لها بالقضية. مشروع نشر التشيع وبسط النفوذ وبناء الهلال الشيعي من طهران إلى بيروت كُلّه على حساب أهل السنة ودمائهم وأرضهم وكرامتهم.
والأدلة التي قدّمناها في هذا الكتاب ليست آراء ولا تحليلات ولا استنتاجات. هي وقائع وأرقام وتواريخ وأحداث شهدها العالم كله. ترسانة نامت حين كانت غزة تستغيث. وحدة ساحات تبخّرت حين حضرت حاملة الطائرات. حرب اثني عشر يومًا خاضتها إيران من أجل كرامتها لا من أجل غزة ثم قبلت بوقف النار دون أن تذكر غزة في الشروط. تاريخ طويل من التحالف مع أمريكا ضد أهل السنة. سجل أسود من الجرائم في العراق وسوريا ولبنان واليمن ومصر. واستغلال وقح لدماء الأطفال للطعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ماذا نريد أن نقول؟
لا نريد أن نقول انحازوا لإسرائيل. معاذ الله! فنحن نرفض الاحتلال الصهيوني بكل ذرة في كياننا. ونفرح بكل ضربة تصيب هذا الكيان المجرم من أي جهة أتت. ونتمنى زواله من كل قلوبنا. ونؤمن بأن مقاومته فريضة شرعية وحق إنساني لا يُنازع فيه عاقل.
ولا نريد أن نقول لا تفرحوا حين تُضرب إسرائيل. بالعكس! افرحوا بكل ضرر يصيب العدو. ادعوا الله أن يسلّط عليه من يشاء من خلقه. لا تكونوا أبدًا في صف الصهاينة ولا في صف من يواليهم مهما كانت الظروف.
ولا نريد أن نقول اصمتوا عن القضية الفلسطينية. كلا! انصروا فلسطين بكل ما تستطيعون. بالمال والدعاء والكلمة والموقف والتظاهر والضغط على حكوماتكم والتبرع لأهل غزة ونشر قضيتهم في العالم.
ما نريد أن نقوله بوضوح تام لا لبس فيه هو:
لا تُضخّموا الأحداث وتغلّفوها بالدين وتُلبسوها لباس العقيدة فتفتحوا باب فتنة جديد على العامة. لا تجعلوا من التعاطف مع فلسطين بوابة للتشيع أو مدخلًا للتنازل عن الثوابت. لا تبيعوا دينكم وعقيدتكم وولاءكم لرموز أمتكم ثمنًا لشعارات كاذبة من محور أثبتنا في هذا الكتاب بالوقائع والأدلة أنه لم ينصر غزة ولن ينصرها.
القضية الفلسطينية ليست صك غفران لأحد. لا يحق لمن يلعن الصحابة أن يحتمي بغزة. ولا يحق لمن دمّر سوريا والعراق أن يتباكى على فلسطين. ولا يحق لمن تعاون مع أمريكا عقدين من الزمن أن ينصّب نفسه قائدًا للمقاومة.
الوعي لا يعني غض الطرف
الوعي لا يعني أن نغض الطرف عن ظالم لأنه يقاتل ظالمًا آخر. بل يعني أن نساند القضية العادلة ونرفض الاحتلال دون أن نزيّن موالاة أعداء الإسلام أو يكون ذلك على حساب العقيدة. يعني أن نفرّق بين نصرة فلسطين وبين خدمة المشروع الإيراني. يعني أن نعرف أن تحرير الأقصى لن يكون على يد من يلعن فاتحه ويبغض محرره.
رفقًا بعقول الناس. فالعقل لا يغيب في لحظات الغضب والبصيرة لا تُغلق عند اشتعال الحروب. ومن تُغيّبه العاطفة عن الحقيقة يسهل التلاعب به واستغلاله واستخدامه حطبًا في معارك غيره.
كلمة لأخينا الغزّي المكلوم
وأخيرًا لا بد من كلمة نخصّ بها أهلنا في غزة المكلومين المحاصرين الصابرين الصامدين:
كل ما قلناه في هذا الكتاب موجّه إلى المنظّرين ونشطاء مواقع التواصل ورواد الخطابات المنبرية الذين يجلسون في بيوتهم الآمنة ويستغلون دماءكم لتمرير أجنداتهم. أما أنتم يا أهل غزة فلكم عذركم ورخصتكم. من يعيش تحت القصف ويرى أطفاله يموتون أمام عينيه ويفقد بيته وأهله وكل ما يملك، له أن يمدح أي نصير وله أن يتمسك بأي أمل مهما كان واهيًا. لأن الجرح أعمق من أن يُحاكم على كلمة أو ردة فعل في لحظة نزيف وألم لا يعرف حقيقتها إلا من عاشها.
نقدنا ليس لكم بل لمن يستغلكم. ودفاعنا ليس ضدكم بل من أجلكم. من أجل ألا يُسرق نضالكم وألا تُختطف قضيتكم وألا تُستغل دماؤكم لخدمة مشاريع لا تخدمكم.
الخلاصة الأخيرة
فلسطين قضية أمة لا قضية طائفة. قضية كل مسلم في كل مكان. عمر فتح القدس وصلاح الدين حررها ورجال غزة يدافعون عنها اليوم. كلهم من أهل السنة. وهذه ليست صدفة بل سنة ربانية.
ونصرة فلسطين الحقيقية تبدأ من الإيمان بالله والاعتزاز بالهوية والتمسك بالثوابت والاقتداء بالصحابة الذين فتحوها أول مرة وبصلاح الدين الذي حررها ثاني مرة. لا تبدأ من التنازل عن العقيدة ولا من موالاة من يبغض رموز الأمة ولا من الركض خلف شعارات كاذبة ثبت بالدليل والبرهان أنها لا تساوي الحبر الذي كُتبت به.
لا تقع في الفخ.
لا تبع دينك بشعار.
ولا تبع صحابة نبيك بمحور لم ينصر غزة حين كانت تستغيث.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
وسلام الله على رجال غزة الصامدين الذين أثبتوا للعالم أن الإيمان الحقيقي لا يحتاج ترسانات ولا شعارات ولا مسرحيات. يحتاج فقط قلبًا صادقًا ويدًا لا ترتجف ويقينًا بأن النصر من عند الله وحده.
"إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ"
