المتصدّرُ لتحريف معاني التنزيل تحت ستار «البحث اللغوي»، والداعيةُ المارقُ إلى نسف السنة النبوية وتمييع أصول الملة: المدعو يوسف فؤاد حسن أبو عواد.
أردنيُّ المنبت والدار؛ وريثُ الهالك محمد شحرور في جيل الشاشات، وذابحُ أحكام الشريعة بسكين التلاعب بالألفاظ، حتى انحشر في قعر تلك الشِّلّة الساقطة من صنيعة «مركز تكوين»، والمتحول محمد الفايد، وصار وجهاً ترويجياً لمنصاتٍ مشبوهة كـ «منصة مجتمع» الممولة من الإمارات، لم تُقم إلا لنخر ثوابت الدين وهدمه من الداخل.
رجلٌ خِلوٌّ من بضاعة الآثار، عادمٌ لرسوخ الأئمة الأعلام؛ انقطعت به سبل العلوم الشرعية عند أعتاب السجن، فانعطف إلى تحصيل دكتوراه في «اللسانيات» الدنيوية يثبتها في واجهة تعريفه مجهولةَ الجامعة وبلا سنة تخرج؛ ليتستر بهذا اللقب الأكاديمي اللقيط عن عورته وجهله الفاضح بفقه الشريعة، متخذاً من قواميس اللغة معولاً لتحويل وحي السماء المحكم إلى «نصٍّ هلاميٍّ سائل» تتلاعب به أهواء دهماء منصات التواصل المتلهفين للتمرد على الأحكام.
وهو من طينة المتصدرين الأدعياء الذين تسبق شهوتُهم للأضواء كلَّ عقيدة يدّعونها؛ فعُدّته لاستدراج العوام: حفظٌ صوريٌّ مبكرٌ للقرآن بصوتٍ متصنّع لم يجاوز حنجرته؛ أقام مبانيه وهدم معانيه، مستعيناً بفصاحةٍ مدرسية مفرغة من الفقه، وهدوءٍ تمثيلي مصنوع أمام الكاميرات يخفي تحته سموم التفلت في غلافٍ من الوقار الزائف، رافعاً شعار «القرآن يكفينا»؛ وهي عين كلمة الحق التي أراد بها زنادقة العصر هدم الإسلام وسلخ الأمة من نبيها ﷺ. فاجتمع فيه من الشرور ما تفرّق في غيره: لسانُ مدرّسٍ متفيهق، وحفظُ قارئٍ مراءٍ، وحقدُ نفسٍ مجروحة، ودعمُ ممولٍ مشبوه.
وحكمُنا فيه نضعه مبسوطاً ببرهانه: رجلُ تقلّباتٍ وأهواء لا رجلَ علمٍ وبصيرة؛ بدأ غلوّه بتكفير جماهير المسلمين، ثم دارت به الحميّة فانقلب إلى النقيض ليفتح أبواب الجنة للملاحدة والطاعنين! والجامع بين طرفي ضلاله واحد: تأليه عقله القاصر وجعله الميزان الوحيد للدين.
ولطالما حار الناس في سر تحولاته المريبة واستغلق عليهم فهم غموض سيرته؛ حتى ظفرنا بالشهادة القاطعة من أخص أصحابه قديماً -رجلٍ عرفه قبل دخوله الجامعة الإسلامية ولازمه فيها وكان يعدّه من بطانته وسره- وشهادة رفيقه في غياهب المعتقل؛ فانحسر القناع وانكشف المطويُّ كله: البيتُ الذي خرج منه، والانقلابُ الأول الذي مهّد لرِدّته، والسجنُ الذي حطّم كبرياءه، ثم الهجرانُ الذي أشعل في سويداء قلبه حقداً دفيناً على الدين وأهله. وستمرّ بك في هذه الترجمة ليلةٌ غامضةٌ عند أعتاب المسجد النبوي الشريف، هي المفتاح الكاشف لنفسية الرجل وحقيقة أمره كله.
بيتُ الشيخِ وطفلُ المسابقات
نشأ يوسف في كنف أسرةٍ أردنية مستقيمة وظاهرها الالتزام؛ فأبوه رجلٌ يُنسب إلى المشيخة، وبيئته الأولى حاضنةٌ سلفية. كان في صباه الباكر يغشى مجالس أحد المشايخ المشهورين، وله أخٌ أكبر اسمه «أحمد» على مثل سمته والتزامه؛ حفظا القرآن في نعومة أظفارهما، وطافا في مسابقات التحفيظ داخل الأردن وخارجه.
فالوحيُ الذي يسعى اليوم لتحريفه قد علمه صغيراً وخَبَر ألفاظه، والمنهجُ الذي يرمي أهله اليوم بـ«التراثية» العفنة هو اللبنُ الذي رضع منه في بيت أبيه. وهذه النعمة بالذات هي قاطعةُ حجته وماحيةُ آخر أعذاره؛ فما كان نبتَ بيتِ جهالةٍ فيُقال غُرِّر به، ولا وريثَ ضلالةٍ فيُقال أورثه أهله الغواية، وإنما هو انحرافُ من عرف الحق واستبان له سبيله ثم نكص على عقبيه وانسلخ، وذلك أشنع في الميزان وأعظم للجناية؛ فالنعمة التي لا تُقيد بالشكر تنقلب سوطاً وشاهداً يُسقط صاحبه يوم الحساب.
وكان مع ذلك متقدماً في دراسته منذ الصغر؛ حاز في الثانوية العامة (التوجيهي) معدلاً مرتفعاً مكّنه من ارتياد كلية الصيدلة بـ«جامعة العلوم والتكنولوجيا»، ثم سرعان ما هجرها بدعوى التفرغ لطلب العلم الشرعي. ومردُّ هذا التفوق إلى حدة ذهنٍ وقوة حفظٍ مادية، وهما أداتان مجردتان لا عصمة فيهما ولا تقوى؛ تُبنى بهما الحجة في يد المهتدي، وتهدمان الديانة في يد المفتون المغرور. ولطالما أثبت التاريخ أن عظام البدع وضلالات الملة لم يحملها بليدٌ قط، وإنما قادها أذكياء انتكست بصائرهم وفقدوا ميزان التوفيق؛ وكلما توقد الذكاء بغير هدى من الله، اشتدت قدرة صاحبه على تمويه الباطل وتزويق الضلال والاحتيال له.
وقد شهد من عاصره وعرفه عن قرب أن هذا التفوق الأكاديمي عينه كان داءه العضال لا دواءه؛ فتًى نشأ في دعة بيتٍ محترم لم يذق مرارة الشدائد ولا مسّه عناء الحياة ومصاعبها، فألف الصدارة واعتاد التقدم، حتى استحكمت في نفسه نزعةُ التفوق وشغفُ الظهور منذ نعومة أظفاره، مصرحاً بها بملء فِيه: «لا بد أن أتفوق!»؛ سمعها منه صفيه وصديقه المقرب صراحةً، وكرر التبجح بها هو نفسه في لقاءاته بعد عودته إلى الأردن.
وتلك هي عِلّة الرجل الكبرى: ركب سفينة الصيدلة ثم قفز منها، وركب مطية الشريعة، ثم امتطى الغلو والتكفير، ثم انقلب فركب موجة «التجديد» الشحروري؛ تبدلت المراكب والمذاهب كلها وبقي الراكب واحداً في كل محطة: عبدٌ لصدر المجالس وملاحقٌ لبريق الأضواء لا طالبٌ للحق؛ فتفوقه هو العلة المفسرة لانحرافه لا علامةٌ على سلامة عقله؛ ذكاءٌ مسخرٌ لخدمة جوعٍ قديم إلى الشهرة والرياسة.
أما حفظه المبكر لآيات القرآن، فما هو إلا الرصيد الذي ما زال يقتات عليه ليسبغ على باطله شرعيةً موهومة في الخوض في كتاب الله؛ يوهم دهماء المستمعين أنه يتحدث من صميم النص القرآني، مستغلاً استحضاره للآيات في تمرير تأويلات باطنية محرفة لا تمتُّ لما أُنزل على قلب محمد ﷺ بصلة.
والحفظُ المجرّد عن الفقه والخشية لم يكن قط عاصماً من الزيغ؛ ففي الصحيحين نعتُ الخوارج المارقين بأنهم «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم»، وأشبهُ الناس بهذا النعت غلاةُ التكفير الذين خطى صاحبنا في أوحالهم أولى خطواته. فحفظه هو حجة الله القاطعة عليه لا حجة له على عباد الله؛ وحامل القرآن الذي لم يهدِه القرآن إلى لزوم الحق، إنما يثقل كاهله بحمل خصمه الأكبر الذي يقتص منه يوم القيامة.
في مدينةِ رسولِ اللهِ ﷺ: طالبٌ لمعَ على الجادّة
التحق يوسف بـ«الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة»، وهي الحقبةُ الفاصلة التي يُسقطها اليوم عمداً ويطويها من سيرته المعلنة طيَّ السِّجلِّ للكتب، وسينكشف لك عن قريبٍ سرُّ هذا الكتمان المريب. كان في تلك المرحلة طالباً عادياً يسير على الجادة السلفية السائدة، لا تشوبه غرابةٌ ولا يظهر عليه شذوذٌ ظاهر؛ بل برز فيه ذكاءٌ لافت ونَفَسٌ تحليلي في مدارسة النصوص، يحرص على تتبع منازع الفقهاء وسبر أغوار عللهم وما وراء أقوالهم، بعقلية باحثٍ يفتش عما وراء السطور. وكان يؤثر مصاحبة من يماثله في النزعة؛ فاختص بصاحبه ونجيّه ذاك لكونه -مثله- قد انسلخ من تخصصٍ دنيوي (الهندسة) رغبةً في العلوم الشرعية، فكان يراه صنو روحه والوحيد الذي يفهم مقصده.
فالرجل إذن قد ولج محراب الشريعة وخَبَر دارها من الداخل؛ عاين التراث عن قرب، وتشرّب مصطلحاته، وعرف رجاله ومداخله، قبل أن ينقلب لاحقاً ليتخذ من مسخ أصوله وهدم قواعده بأدواتٍ مستعارة مشروعاً له. غير أن مكوثه هذا ظل اقتراباً قاصراً وارتشافاً مبتوراً لم ينضج قط في كنف تكوينٍ علميٍّ راسخ؛ فلا حاز «إجازةً» معتبرة، ولا أتم «ملازمةً» طويلة لشيخٍ مقتدى به، ولا انتظم في سلسلة تحصيلٍ مؤصلة يستطيع الناقد تتبع حلقاتها؛ إذ عاجله ما قطع عليه هذا المسار واجتثه من جذوره.
«أمورٌ بتتغيّر»: ليلةُ الانقلابِ الأوّل
قُبيل تخرجه، وهو في السنة الثالثة أو الرابعة من مرحلة البكالوريوس، طرأ على صحبته تبدّلٌ مريب وفجائي؛ إذ رآه صفِيّه ورفيق دربه يخالط فئةً من غلاة التكفير الموصومين بالتشدد، فاستوقفه ناصحاً ومستنكراً: «يا يوسف، ما لك ولهؤلاء؟!»، فأجابه ببرودٍ واقتضاب: «أمورٌ بتتغيّر!»، ثم أردف مستدرجاً: «كنتُ أريد الجلوس معك منذ مدة لأعرض عليك بعض الأمور، ولا بد أن أحدثك في شأنها»، ورمقه بنظرةٍ لم تبرح ذاكرة صاحبه حتى يومنا هذا: نظرةٍ غريبة طافحة بالمكر والشر، لا عهد له بها في سيرة يوسف البسيط الذي عرفه.
تم اللقاء بعد صلاة العشاء عند أعتاب المسجد النبوي الشريف، فإذا بالرجل قد انقلب رأساً على عقب؛ من طالبٍ يلزم الجادة، إلى حامل لواءٍ لفكر التكفير الأرعن: يتعسف في لَيِّ أعناق النصوص ويحملها ما لا تحتمل، تائهاً بزهو ما جمع، متغطرساً بفهمه حتى زعم أنه الفهم الأوحد الذي يجب على الأمة قاطبةً الإذعان له، متبجحاً بأقيسته الباطلة: «هذا الاحتجاج لا يستطيع أحدٌ في الأرض رده!».
فلما حاجّه صاحبه وفند تهافت شبهاته، ركب مطية العناد واستكبر عن الرجوع. وبلغ من فجوره في الخصومة وجفائه أن واجه أحد إخوانه بالقطيعة الصارمة: «أأنت معي أم مع الشباب؟! إما أن تلزمني أو تقطعني؛ هذا فراق بيني وبينك!».
ولم يكن يوسف في حلقة أولئك الغلاة مجرد تابعٍ مغمور؛ بل تلقفوه فنفخوا في كبريائه وصاحوا به: «أنت شيخنا!»، فصدّق خديعة نفسه، وتقمّص ثوب المشيخة وتصدّر الفتوى قبل أن يستوي عوده في الطلب. واضبط هذا التاريخ جيداً؛ فهذه أول عتبةٍ لاعتلاء الصدارة في سجل الرجل، ولن تكون الأخيرة؛ إذ وجدت شهوة الظهور الكامنة في طفولته أول عروشها فوق رؤوس عصابةٍ من الغلاة.
ولم تمضِ على هذا إلا شهورٌ يسيرة، حتى أطبقت السلطات السعودية على الخلية واقتادتهم إلى السجن، على خلفية نشاطٍ يتعلق بدعم الجهاد ضد الغزو الأمريكي في العراق؛ وهو الجهاد الحق والشرف الذي لا ريب في شرعيته لدفع المحتل الصليبي الغاشم، غير أن جناية هذه الفئة الكبرى كانت في تلويث هذا الواجب الشريف بلوثة الغلو والتكفير، فخلطوا نصرة المظلومين باستحلال دماء المسلمين وتكفيرهم، وشوهوا راية الجهاد الناصعة حتى نفّروا الناس منه وأفسدوا من حيث أرادوا الإصلاح.
زنزانةٌ بلا جلاّد
مكث يوسف في السجن قريباً من ثلاث سنين أو أربع؛ وما تزال مناشداتُ والده ومطالباته العلنية بالإفراج عنه محفوظةً في أرشيف الأخبار حتى اليوم، شاهدةً بعدلٍ على مرحلةٍ مظلمة يبذل صاحبها وسعه في طمسها وإخفاء معالمها عن الأعين.
والثابتُ القاطع من شهادة من عرفه واطّلع على خبره مباشرةً وسأل مشايخ «لجان المناصحة» الذين تولوا أمره في معتقله: أنه لم يَلْقَ أذىً ولم يُسأ إليه في حبسه قط، بل كانت استجابته للمناصحة في ظاهرها طيّعةً وهيّنة؛ فإن كانت تلك الاستجابة صدقاً في حينها، فقد نقض عراها بعد خروجه نكثاً قبيحاً ورِدّةً كما سيأتي بيانه.
وفي ذات المعتقل، جرت حادثةٌ كاشفة سجّلها شاهدُ عيانٍ آخر هو الشيخ الدكتور محمد رزق طرهوني، الذي عاصره في السجن قبل نحو عشرين عاماً؛ إذ نعته بأنه: شابٌّ هادئ، منطوٍ على نفسه يغلب عليه الضعف والخور، حافظٌ للقرآن رقيقُ النبرة، لكنه يعاني من خطوبٍ واضطراباتٍ نفسية وروحية قاهرة.
وروى طرهوني واقعةً مشهودة في الزنزانة: حين طلب يوسفُ منه الرقية الشرعية وزعم أنه مسحور، فلما شرع الشيخ في القراءة عليه تشنّج وأصابته حالةُ صرعٍ وانهيارٍ مريع، فاستحال صوته إلى نبرةٍ غريبة، وبات يصرخ بكلمات الكفر الصريح ويسبُّ الله ورسوله ﷺ في مشهدٍ شاهده حرسُ السجن ورفاقه في الزنزانة.
قلتُ: اجتمعت الشهادات الصادقة على حقيقةٍ جوهرية مذهلة: أن الرجل لم يُعذَّب في محبسه ولم يُسَم سوء العذاب، وإنما تهاوى وانهار من داخله! فتًى نشأ مدللاً على الصدارة والظهور، يمنّي نفسه بلقب «دكتور الشريعة» ليعلو في المجالس، فإذا به يهوي فجأةً في قاع سجنٍ مظلم لم يخطر له في الحسبان، وهو الرخوُ الذي لم يذق في حياته طعم المشقة ولا قسوة الشدائد. فكان السجن هو الفرن الحارق الذي صهر النسخة الأولى من يوسف أبو عواد؛ ولطالما كانت غياهب السجون بيئةً موبوءة بالانتكاسات الفكرية والعقدية: فإما سجينٌ تُكسر شوكته فيُعاد توجيهه وتطويعه، وإما طريدٌ يخرج حاقداً ناقماً على ماضيه ومشايخه، يتوهم أنهم سبب شقائه ومحنته؛ ويوسف خرج يحمل هذين الكسرين معاً!
العودةُ إلى الأردن: الهجرانُ الذي أنبتَ «التراثيين»
أُطلق سراحه من السجن فعاد أدراجه إلى الأردن، فوقعت عليه هناك الصدمةُ الصامتة التي يجهلها جمهوره اليوم: رفقاءُ دربه القدامى، وأصحابه في مجالس المسجد ومرحلة السلفية، أعرضوا عنه وقطعوه كلياً؛ فما زاره منهم زائر، ولا سأل عن حاله سائل.
فاجتمع على نفسيته المأزومة كسران مهلكان: كسرُ السجن الذي أطاح بأحلام الصدارة الشرعية في مهدها، وكسرُ الهجران والجفاء الذي أشعره بأن الوسط الديني الذي أفنى فيه زهرة شبابه قد لفظه ونبذه وراء ظهره. ومن رماد هذين الكسرين نبت في سويداء قلبه حقدٌ أسود على ماضيه بأسره: على تلك المرحلة، ورجالها، وفقهها، ومصنفاتها. ومن هنا تراه اليوم يتحاشى إطلاق لفظ «العلماء» أو «الفقهاء» إجلالاً، ويقذف بدلاً منها بلفظته الموتورة: «التراثيون»؛ فهي عنده تنفيسٌ مريض لتصفية حساباتٍ ثأرية مع ماضٍ يرى أنه خذله مرتين، قبل أن تكون وصفاً لمصطلحٍ علمي.
ثم انخرط في مسار الوظيفة الدنيوية: فعمل في سلك التعليم بالمملكة الأردنية الهاشمية، وتخصص في تدريس طلبة الثانوية العامة (التوجيهي)، وترقى في السلم الوظيفي حتى غدا مشرفاً في قسم اللغة العربية بوزارة التربية والتعليم، وأسس منصة «أكاديمية البيرق» للتعليم عبر الإنترنت؛ فاكتسب من مهنة التدريس دُربةً على الخطاب الجماهيري ودرايةً بمسالك التأثير والتلاعب بأذهان الناشئة. وهو يدّعي في بطاقته التعريفية نيل درجتي الماجستير والدكتوراه في «اللسانيات»، غير أنه يطويها عاريةً من أسماء الجامعات المانحة، وسنوات التخرج، وعناوين الرسائل التي يُوزن بها الباحث في ميزان الأكاديميا؛ فرتبته العلمية حبيسةُ تعريفه الذاتي، ولا وجود لها في سجلٍّ رسميٍّ معتبر.
وحين تقمّص لقب «الدكتور» استيقظ فيه داء الرياسة والظهور من جديد؛ فشغف الشهرة لم يمت في ظلمة الزنزانة، بل بدّل مسلاخه؛ فانتسب إلى جمعيةٍ في اللغة العربية، وشرع يبث مقاطعه على منصة «يوتيوب» حين كان انحرافه لا يزال جنيناً في طور التمويه: يزعم محاولة تفسير القرآن بـ«طريقة تدبرية لسانية»، وينقّب في مسائل لغوية يدّعي بغرورٍ «أن أحداً قبله لم يتطرق إليها»؛ رغبةً في ادعاء الإتيان بما لم تستطعه الأوائل، وهو داءُ التعالي الذي يطبع كل أطروحاته حتى اللحظة، وإن كان اسمه يومئذ نكرةً مغموراً لا يُعرف خارج الدوائر المدرسية المحلية.
الخِلطةُ النادرة: منصةٌ تشتري الحقد
ثم تلقفته المنصات المشبوهة التي تقتات على تلميع الأصوات «التجديدية» المارقة، ممن يتقنون هدم التراث بلسانٍ فصيح وهدوءٍ تمثيلي بارد؛ فاستقطبه القوم لما وجدوا فيه «الخلطة النادرة» التي تبحث عنها دوائر الإفساد: حافظٌ لألفاظ القرآن، فصيحُ اللسان، جريءٌ على هتك الثوابت، وحاقدٌ موتور على أهل العلم وجادتهم.
فسطع نجمه المسموم عبر منصة «مجتمع للدراسات الثقافية والتاريخية» الممولة بسخاءٍ من دولة الإمارات، مقدماً برنامجاً حوارياً باسم «مفاهيم» شراكةً مع المدعو باسم الجمل؛ ليجد المنبر والميكروفون الذي يمرر به شطحاته وتحريفاته اللغوية إلى مئات الآلاف، حاصداً ملايين المشاهدات الزائفة، حتى انحشر رسمياً في عداد تلك الشِّلّة المنبوذة: شحرور، ومركز تكوين، ومحمد فايد وأضرابهم من دعاة هدم الملة.
وليست منصة «مجتمع» هذه منبراً ثقافياً بريئاً؛ بل هي واجهةٌ تتلقى تمويلاً ضخماً من جهاتٍ إماراتية لترويج بدعة «الديانة الإبراهيمية» ونشر الإلحاد المقنّع وتفكيك عرى الإسلام عبر شخصياتٍ وظيفية كيوسف أبي عواد وباسم الجمل؛ ويكفيك كشفاً لحقيقتها أن تطالع مجلس أمنائها الذي يضم أعتى خصوم الإسلام المعاصرين: يتقدمهم الشاعر السوري الباطني أدونيس (علي أحمد سعيد إسبر) الذي أفنى عمره في هجاء الذات الإلهية والدعوة لتمزيق الوحي، والمفكر التونسي عبد المجيد الشرفي ربيب مدرسة «تاريخانية النص» المنادي بإلغاء العبادات وإسقاط الشعائر. ففي هذه الأحضان الموبوءة استُدرج مشرِف اللغة العربية الخارج من غياهب سجنه بقلبٍ ممتلئ غلاًّ، ليتحول إلى مجرد مخلب قطٍّ وأداةٍ وظيفية رخيصة لتمرير أجندات القوم.
وهذا التوظيف الخبيث يتطابق بحذافيره مع توصيات مؤسسة راند الأمريكية (RAND Corporation) في تقريرها الشهير: «الإسلام الديمقراطي المدني»، الذي حثّ ساسة الغرب صراحةً على دعم «الحداثيين» ومنكري السنة النبوية، وتأمين الشاشات والتمويل لهم؛ بغية تفكيك أصول الإسلام وإخراج مسخٍ ديني «منزوع العقيدة والسلاح» يستسلم للهيمنة الغربية. كما يلتحم هذا المسار مباشرة بالمناخ السياسي المروّج للديانة الإبراهيمية والتطبيع؛ فمشروع أبي عواد في تمييع مصطلحات «اليهود» و«النصارى» في القرآن والحكم بالنجاة الأخروية للجميع، إنما هو خنجرٌ مسموم يخدم التطبيع العقدي والسياسي، ويجرّد القضية الفلسطينية من عمقها العقدي والجهادي، ليُحوّل الصراع الوجودي مع العدو الصهيوني الغاصب إلى مجرد «نزاعٍ عائليّ بين إخوةٍ في الإنسانية»!
أما جمهوره ومصفقوه فخليطٌ بائس من ثلاثة أصناف، ليس فيهم عالمٌ معتبر، ولا طالبُ علمٍ جاد، ولا باحثٌ محقق:
- أولهم شبابٌ حيارى أرهقتهم شبهات العصر في ظل خلو الوفاض من التأصيل الشرعي، فاستهواهم خطابه المتمرد المزيَّف؛
- وثانيهم أهل أهواء وشهوات يبحثون عن التحلل من أثقال التكاليف الشرعية، من الصلوات الخمس بهيئتها إلى فريضة الزكاة والحجاب، فوجدوا في «قراءته المعاصرة» صك غفران يُسقط عنهم الفرائض باسم القرآن؛
- وثالثهم تيارٌ علماني وحداثي لاديني وجد في منكري السنة حليفاً وظيفياً يضرب المرجعية الإسلامية من داخلها وباسم نصوصها!
عشرونَ سنةً بينَ مجلسين
على شاشات منصة «مجتمع»، وداخل استوديو أنيقٍ باذخ زُوّد بأحدث تقنيات الإضاءة والعدسات السينمائية، يجلس يوسف أبو عواد بكامل أناقته وتصنّعه ليُقطّع آيات الذكر الحكيم إرباً إرباً. يرمق الكاميرا بابتسامته الباردة المعهودة، ثم يلقي بتلك الطامة التي تنسف إجماع أمة الإسلام منذ فجر النبوة: زاعماً أن «الشرك» في القرآن لا علاقة له بعبادة الأوثان والأصنام، وأن «الكفر» ليس جحوداً بنبوة محمد ﷺ وإنما هو مجرد «إفسادٍ وظلم» سلوكي! ليخلص بوقاحةٍ إلى أن اليهوديَّ والنصرانيَّ والمجوسيَّ، بل والملحدَ المنكرَ لوجود الله، يدخلون الجنة زمراً ما داموا مسالمين؛ بينما المسلمُ الذي يكفّر من كفّرهم الله ورسوله (اليهود والنصارى) ويتبع السنن والآثار، هو المشرك الحقيقي في ميزان أبي عواد!
فقابل بين المجلسين لترى عجائب الانتكاس: شابٌّ حدثُ السن يجلس بعد العشاء في ظلال المسجد النبوي الشريف، يكفّر عامة المسلمين بغلوّه ويقاطع أقرب إخوانه إن لم يذعن لرأيه؛ وكهلٌ مأفون يجلس بعد عشرين سنة أمام العدسات الفارهة، يفتح أبواب الجنان للملاحدة والمشركين، ويرمي أهل السنة والاتباع بالشرك الأكبر! طرفان متناقضان في الظاهر، لكن الجالس فيهما شخصٌ واحد، والعلةُ المستحكمة هي هي لم تتزحزح قيد أنملة: «تأليه الهوى، وتوهّم أن فهمه السقيم هو عين الدين ومحور الوجود». فما الذي يبيعه هذا المتلون على تلك الشاشات المسمومة؟ ذلك ما نبسطه في بيان طوامه.
بضاعةُ المنصة: شحروريةٌ بأدواتٍ معجمية
يقوم مشروع أبي عواد في لبابه على ركيزةٍ باطنية واحدة: عزلُ القرآن الكريم عن محيطه الذي نزل فيه، وعن الرسول ﷺ الذي بلّغه، وعن جيل الصحابة الذي عاين تنزيله وتلقاه غضاً؛ ليمسي نصاً لغوياً هائماً يُفكك بالتحليل اللساني المعاصر وحده. وهو في حقيقته استنساخٌ ممسوخ لمشروع المهندس السوري محمد شحرور؛ وقد أقرّ أبو عواد في مواضع شتى بأثر شحرور في إعادة تشكيل وعيه بالإسلام، غير أنه ادعى التفوّق على أستاذه بامتلاك أدواتٍ لسانية زعم أنها أعمق وأدق، أطلق عليها دجلاً: «اللسان العربي المبين». ولم يجترئ على رفع راية الإلحاد الصريح؛ بل تدثّر بشعاره المخاتل «القرآن يكفينا»، ليحطّ من قدر الجناب النبوي ويجعل النبي ﷺ مجرد «ساعي بريد» أدّى رسالته وانقضى دوره، حاسباً كل ما أُثر عنه من سننٍ في العقائد والأحكام والأخلاق «صناعةً بشرية» و«تراثاً أرضياً» لا يلزم المسلم في قليلٍ ولا كثير.
ولما كان إسقاط السنة يُحدث فراغاً تشريعياً هائلاً في فهم مجملات القرآن وتطبيقها، ابتدع حيلته لملء هذا الفراغ: «التحليل اللغوي المعجمي»؛ فيفسر الآيات بمعزلٍ عن أسباب النزول، وبيان النبي المعصوم، وفهم سلف الأمة، متخيراً من المعاجم ما يوافق هواه، ليخرج في النهاية بدينٍ مشوه لا يعرفه المسلمون.
وقد بنى هذا الهدم المنهجي على ثلاث قواعد باطلة يتهافت دونها العقل:
- أولاها: خرافةُ «نفي الترادف المطلق في القرآن»؛ وهي أصلُ الضلال الذي ورثه عن شحرور بحذافيره: إذ يزعم أن ما من لفظين في التنزيل يتفقان في المعنى، فلا «القرآن» هو «الكتاب»، ولا «الإسلام» هو «الإيمان»؛ ليتخذ من هذا التعسف رخصةً لاختراع دلالاتٍ فلسفية باطنية لكل مفردة، نابذاً سعة لسان العرب وتفنن أساليبهم في التعبير وراء ظهره.
- وثانيتها: فضيحةُ «قصصية الحرف»؛ وهي مهزلةٌ لسانية وعقلية تضاهي طلاسم الكهنة وهرطقات الباطنية؛ إذ يدّعي أن لكل حرفٍ من الهجاء دلالةً كونية وفيزيائية مستقلة، فزعم أن حرف «الصاد» يدل على «حركة ثلاثية الأبعاد»، وحرف «الشين» يدل على «الانتشار»! وبهذا الهذيان الذي يشبه السحر يفكك ألفاظ الوحي حرفاً حرفاً ليستخرج أوهاماً لم تخطر ببال أحد.
- وثالثتها: التفريقُ المبتدع بين «اللسان» و«اللغة»؛ بزعمه أن القرآن نزل بلسانٍ عربي لا بلغةٍ عربية، جاعلاً «اللسان» منظومةً كونية علوية، و«اللغة» وعاءً بشرياً قاصراً؛ وبغيةُ هذا المكر: التملصُ الصريح من قواعد النحو والصرف والاشتقاق التي أجمع عليها أئمة العربية، ليصير كلام الله عجينةً رخوة يُشكّلها بهواه وأنّى شاء!
سجلُّ ما يبثُّه: المقالاتُ ونقضُها
المتتبعُ لما ينفثه الرجلُ عبر شاشاته ومنصاته يرى مشروعاً ممنهجاً لاستئصال ثوابت الملة ونقض عرى الإسلام عروةً عروة. وهذه كبرياتُ طوامه، مقرونةً بميزان نقدها الشرعي والعقلي:
- الطعنُ في السنة النبوية وإسقاطُ حجيتها: يتبنى موقفاً استئصالياً صريحاً من السنة المطهرة؛ زاعماً أن مهمة النبي ﷺ انقضت بمجرد تبليغ ألفاظ النص، وأن سننه وتطبيقاته العملية مجرد «حلولٍ تاريخية» ناسبت عصر الصحابة ولا تُلزم أحداً بعدهم! وهذا هدمٌ لأصلٍ قطعي؛ فحجية السنة معلومةٌ بالضرورة من صريح القرآن الذي يدّعي تعظيمه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾، ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. فكيف يُبين الرسول للأمة ما نُزّل إليها إن كان بيانه غير محفوظ ولا حجة فيه؟! وكيف ثبت القرآن أصلاً إلا بالنقل التواتري المتصل الذي نقلت به الأمةُ سنته العملية؟! ومن أسقط السنة جملةً فقد كذّب صريح التنزيل وعطّل أحكامه.
- تمييعُ عقيدة التوحيد وشرعنةُ الكفر: يعبث بتعريف «الإسلام» ليجرّده من حقيقته الشرعية -وهي الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك- محوّلاً إياه إلى مجرد سلوكٍ نفعي عام هو «كفُّ الأذى»؛ فكلُّ مسالمٍ هو «مسلمٌ» في مذهبه ولو كان ملحداً يجحد وجود الرب سبحانه! أما «الإيمان» فجعله عقداً اجتماعياً دنيوياً. وهذا لعمرو الله مروقٌ صريح ينسف ركن الشهادتين، ويجعل إرسال الرسل وإنزال الكتب عبثاً لا معنى له.
- القولُ بنجاة المشركين والملاحدة في الآخرة: طرداً لأصله الفاسد، يقرر بوقاحةٍ أن الجنة ليست حكراً على من آمن بمحمد ﷺ، بل يزعم أن النصارى واليهود والمجوس وعتَاة الملاحدة سيدخلونها «رغم أنوفهم» متى قدّموا نفعاً مادياً للبشرية! ضارباً بعرض الحائط محكمات القرآن القاطعة: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
- التسييلُ الدلالي وتحريفُ المصطلحات الشرعية: فـ«الشرك» عنده ليس اتخاذ الند مع الله وعبادة غيره، بل قصره على «جعل مشرّع مع الله» في قضايا تنظيمية؛ و«اليهودي» ليس هو متبع التوراة المحرفة، بل كلُّ من اتصف بالانغلاق ولو كان من خيار أمة محمد! و«النصراني» هو المتعصب لرأيه. وهو المسخُ الذي نعته الدكتور سامي عامري بحق: «تهويد المسلمين»؛ لمحو الفوارق العقدية بين أمة التوحيد وملل الكفر والشرك خدمةً للتطبيع العقدي.
- العبثُ بالتفسير لتمرير النظريات المادية: ومن فضائح جهله وزيف دعواه في اللسانيات، زعمه أن قوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾ يعني «الصفائح التكتونية»! متغابياً عن سياق الآية الصريح الذي يتحدث عن تباين التربة واختلاف الزروع والثمار. أفترى الصفائح التكتونية تُسقى بماءٍ واحد لتخرج نخيلاً وأعناباً؟! استخفافٌ صفيق بعقول السذج يُلبسه رداء «الاجتهاد العلمي».
- مسخُ العبادات وتبديلُ الشعائر: لما عزل نفسه عن بيان السنة، اصطدم بآيات الصلاة والزكاة والحج وهي مجملةٌ في القرآن، فلجأ إلى تحريف الشعائر بدلاً من الإذعان للبيان النبوي: فالصلاة ليست ذات الركوع والسجود، والزكاة بلا مقادير ولا أنصبة، والحج فكرةٌ معنوية لا ترتبط بزمانه ولا مكانه المتوارثين! وهذا منتهى السفسطة نقلاً وعقلاً؛ فشعائر الإسلام لم تُنقل بأحاديث الآحاد ليطعن في أسانيدها، بل نُقلت بـ«التواتر العملي القاطع»؛ صلى النبي ﷺ أمام عشرات الآلاف، وصلوا أمام مئات الآلاف، وتناقلتها الأمة كابراً عن كابر؛ والطعنُ في هذا التواتر هدمٌ لأصل العقل البشري في نقل التاريخ.
- الطعنُ في الصحابة وحَمَلة الشريعة: لم يسلم عدول الصحابة من لسانه، وخاصة المُكثرين من الرواية كالحافظ أبي هريرة رضي الله عنه؛ فرماه باختلاق الأحاديث والتأثر بالإسرائيليات، مجتراً شُبَه المستشرقين وسواقط الرافضة. والطعنُ في النقلة إسقاطٌ للوحي نفسه؛ فمن جرح الواسطة فقد أبطل المنقول. وقد زكاهم الله من فوق سبع سماوات: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾؛ فمن كذّب تزكية الله فقد بارز ربه بالعداوة.
- احتقارُ الفقه وأئمته بنعته «الدين الأرضي»: يروّج لمصطلح «الدين الأرضي» في مقابلة «الدين السماوي»، واضعاً فقه الأئمة الأربعة، وأصول الفقه، وعلوم الرواية في قفص الاتهام باعتبارها «صناعةً كهنوتية» كنسية لاستعباد الناس! وتسميةُ علوم الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد «ديناً أرضياً» هي مصادرةٌ وقحة، يروم بها هدم قواعد الاستنباط الراسخة؛ ليخلو له الفضاء فيفرض «دينه وأهواءه الأرضية» الممسوخة تحت ستار لافتة القرآن.
بضاعتُه في صنعتِه: شيخُ نفسِه يفتضحُ في اللغة
وأعجبُ ما في هذا المتفيهق أن الأداة التي اتخذها معولاً لهدم الشريعة -وهي «لغة العرب»- لا يُحسن أدنى مبادئها ولا يفقه أبجديات تصريفها! إذ لا يُعرف له إمامٌ ولا شيخٌ في العربية جلس بين يديه، وإنما هو «شيخُ نفسه» المغرور الذي توهّم استغناءه عن الرسوخ بين يدي أهل العلم.
وقد سُمع بأذنيه يقرر في مجازفاته أن أصل مادة «سَلِمَ» هو «سَلَّ»؛ وهو جهلٌ فاضح يُسقطه في ميزان صبيان الكتاتيب: فمادة «سَلَّ» ليست ثنائيةً في الأصل بل ثلاثيةٌ مضعّفة (سَلَلَ)، وبينهما وبين «سَلِمَ» بَوْنٌ شاسع واختلافٌ جذري في أصول المعاجم. ثم كرر جهله الصفيق فزعم أن جذر «الموت» هو «مَتَّ»! وعلى هذه الخزعبلات الركيكة والسفسطات الصبيانية يقيم صرح تفسيره المزعوم، مقطعاً آيات التنزيل قراءة العِضين.
وأطمُّ من ذلك سقطتُه المعرفية وتناقضه العقلي الفاضح: أنه يستند إلى «اللغة» لنقض «التراث»، غافلاً في غمرة عماه عن أن المعاني والدلالات اللغوية التي يستدل بها ليست سوى نقلٍ تراثيٍّ محض وصل إلينا بالإسناد والرواية! فإن كان النقل التراثي ساقطاً ولا حجة فيه كما يتبجح، فبأي وسيلةٍ فَهِم معاني الألفاظ وعَرَف وضع الكلمات؟! إن كل معجمٍ قلّب صفحاته، وكل دلالةٍ نسبها للسان العرب، إنما تسربت إلى عقله عبر نفس ذلك الطريق التراثي الموصول الذي يستميت في هدمه والطعن فيه!
حينَ حُوصِر: الوعيدُ وحذفُ الردودِ ودفعُ تهمةٍ لم يُغادرها
تصدى لضلالات الرجل وانحرافاته جمعٌ من الباحثين وطلبة العلم المحققين؛ وكان من أبلغ الردود وأقطعها ما سطره الدكتور سامي عامري في مقالٍ محكم عنونه بـ: «الشحرور يوسف أبو عواد.. براءةٌ من الزندقة أم إقرارٌ بها؟!»، ساق فيه إجماع الأمة القطعي على كفر منكري السنة، وقال في تشريح واقعه:
«يوسف أبو عوّاد، الذي يُستَخدَم في مشروع (مجتمع) الذي يُشرف عليه أدونيس، الملحد الحاقد المعروف، لنقض الإسلام من الداخل، خرج ليدفع عن نفسه تُهمة الزندقة. وقد أحسن، إذ كشف عن حقيقة نفسه في مقام الدفاع عنها».
وتأمّل هذا الملحظ الدقيق؛ فالرجل إنما خرج ينفي عن نفسه وصمة «الزندقة» باللسان، دون أن يُغيّر من أصول مشروعه الهدام قيد أنملة: فما تراجع عن بدعة، ولا أقرّ ببطلان خرافةٍ بثها، ولا كفّ عن نشر أشباهها، بل مضى مستمراً على ذات المنصة وبنفس النهج الممسوخ. ونفيُ التهمة مع الاستماتة في ممارسة موجباتها ليس براءةً ونزاهة، بل هو حيلةُ العاجز للبقاء في حلبة الخداع والتلبيس؛ فكان دفاعه عن نفسه -كما قرر عامري- إقراراً صريحاً في مسلاخ إنكار، ووثيقةَ إدانةٍ جديدة تُضم إلى سجله الأسود لا ممحاةً تُطهّر ما اقترفه.
ولما ردّ عليه «أبو عمر الباحث» وفضح عواره، عجز أبو عواد عن مقابلة الحجة بالحجة، فانفجر مهدداً بأسلوب الزعران وصياح المفلسين قائلاً بنصه: «أنتم التراثيون، وأنا أخبر الناس بكم، وقد وقعتم على خبير!»، و«ليس كل لحمٍ يُلاك!»، و«أنتم فتحتم على أنفسكم باب شرٍّ لن يُغلق أبداً!». وهو صراخُ عاجزٍ لا برهانُ عالم؛ وكثرةُ الوعيد والزئير شيمةُ من خوت جعبته من الدليل. ولما تتابعت عليه سهام النقد واستحكم عليه الحصار، فزع إلى حيلة الضعفاء: فقدّم البلاغات الكيدية لإدارة «يوتيوب» حتى حُذفت مقاطع الردود العلمية من «قناة شؤون إسلامية»، و«قناة مكافح الشبهات»، و«قناة الدكتور هيثم طلعت»، ثم راح يوهم جمهوره بوقاحةٍ ومصادرة أن من يطعن في تخبيطاته إنما يطعن في القرآن ذاته لا في فهمه البشري السقيم! فانظر إلى سلاحه البائس حين اشتد عليه الخناق: تهديدٌ بالوعيد، ثم حذفٌ بالشكايات، ثم تترّسٌ بالمصحف الشريف؛ وما في الثلاثة ذرةٌ من علمٍ أو حجة!
وهو اليوم سادرٌ في غيّه في أوج نشاطه المشبوه، ينفث شبهاته في عقول الناشئة عبر شاشاتٍ صُنعت بعناية لخدمة الحداثة اللادينية والتغريب. وقد ختم صاحبه وصفِيّه القديم شهادته عنه بعبارةٍ تقطر أسىً وتلخص حجم الانتكاس: «لقد كان من الممكن أن يكون مشروعَ رجلٍ ينفع الله به!».
ما لهُ من سابقة: مواهبُ سُخّرت كلُّها في خدمةِ الهدم
نقّبنا في صحيفة الرجل عن سابقة خيرٍ أو أثرٍ يُحمد له في نصرة الدين، فلم نجد له اليوم ما يستحق الذكر؛ وإنما هي مواهبُ وأدواتٌ دنيوية مرّت مفصلةً في مواضعها من هذه الترجمة، نجمعها هنا لنصدر فيها حكم الميزان:
- حفظٌ مبكرٌ لكتاب الله طاف به في مسابقات الصبا، فجعله سُلّماً للتطاول على التنزيل بالرأي والجهل، فانقلب حجةً قاصمةً عليه لا له.
- وذكاءٌ وتفوقٌ مدرسي أهّله لكلية الصيدلة ثم الشريعة، سخّره بأكمله لنصرة تقلباته المريبة، فكان وقوداً يُشعل البدعة لا سياجاً يدفعها.
- وصنعةُ تدريسٍ وخِطابة راضها في وزارة التربية ومنصة «أكاديمية البيرق»، صيّرها حبالاً لاقتناص عقول الناشئة وتسميم أفكارهم، لا أدواتٍ لبنائهم وهدايتهم.
- ولسانٌ فصيحٌ طلق، اتخذه غلافاً منمقاً لترويج سفسطاتٍ تتهافت وتسقط أمام صغار المبتدئين في علم الصرف والتصريف. فحضورُه الملمّع ليس سوى صناعة منصاتٍ إعلامية محكمة التمويل، وحججه الواهية عوراتٌ يفضحها طالبُ علمٍ في مبتدأ الطلب؛ وما من موهبةٍ أوتيها إلا وقامت شاهداً عدلاً على جنايته: فإن المواهب أماناتٌ من الله، ومن استعمل نعم الله في هدم يقين المسلمين حُوسب بها وبيلَ الحساب، وعادت عليه بالخزي لا بالثواب.
قولُه ونقيضُه: مشروعٌ يهدمُ نفسَه بنفسِه
إن المشاريع الباطلة المتهافتة تحمل بذور فنائها في أحشائها؛ وهذه خمسُ تناقضاتٍ صارخة من أصول مذهبه، تُعرض على صريح العقل وميزان البرهان، ليهلك من هلك عن بينة:
أولاً: التناقضُ المعرفي في التوثيق:
يردُّ الأحاديث النبوية بدعوى أنها «دُوّنت بعد عصر النبوة بقرون، فكيف نثق بنقلها؟!»، ثم يروح فيبني مشروعه التفسيري بأكمله على معاجم لغوية متأخرة: كـ «لسان العرب» لابن منظور (تـ 711 هـ)، و«القاموس المحيط» للفيروزآبادي (تـ 817 هـ)! فديوانُ السنة المدوّن في القرن الثالث الهجري ساقطٌ عنده لبُعد العهد، ومعجمٌ جُمع في القرن الثامن الهجري حجةٌ قطعية معصومة في فهم لسانٍ أُنزل في القرن الأول!
ثانياً: ادعاءُ التحرر وممارسةُ أغلظ الكهنوت:
يشنّع على فقهاء الأمة زاعماً أنهم فرضوا «كهنوتاً» ونصبوا أنفسهم أوصياء على الوحي، منادياً بحق كل أحد في فهم القرآن مباشرة؛ حتى إذا استوى أمام الكاميرا مارس أغلظ الكهنوت وأقبح الاستبداد: فيفرض شذوذاته الفجة، ويُسفّه كل من خالفه، ويطالب جمهوره بإلقاء فهم وإجماع أربعة عشر قرناً في سلة المهملات، ليأخذوا بهذيانه وفهمه هو وحده!
ثالثاً: المفارقةُ في دواعي النقل التاريخي:
يجحد قدرة الأمة على حفظ حديثٍ أجمعت الأمة على تلقيه بالقبول كحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، بينما يثبت بيقينٍ أن الأمة قادرةٌ على نقل معاني مفردة لغوية مثل «ضَرَبَ» في قواميس لسان العرب؛ مع أن دواعي نقل الشرائع والعبادات في الأمم أعظم وأقوى بآلاف المرات من دواعي نقل المفردات المعجمية المجردة!
رابعاً: اجتماعُ النقيضين على قاعدة تأليه الهوى:
كفّر جموع المسلمين في شبابه بغلوّه وقطيعته، ثم انقلب في كهولته ففتح أبواب الجنان للملاحدة والجاحدين؛ واجتمع الضدان المتنافران على أصلٍ باطني واحد لم يتزحزح: أن فهمه الشخصي هو الميزان الأوحد للدين، ومن خالفه فهو أعمى لا يفقه.
خامساً: نفيُ الاسم والاستماتةُ في تثبيت المسمى:
يخرج متباكياً لدفع وصمة «الزندقة» عن نفسه باللسان، بينما هو ماضٍ في نفس المشروع الهدام الذي استوجب به تلك الوصمة؛ فنفى اللفظ بحيلة المخادع، وأصرّ على حقيقة الزندقة ومارسها في كل بث.
فهذه خمسُ قواصمَ من صريح فمه وقبيح فعله، تُسقط بنيانه من القواعد، وتغني الناقد البصير عن التماس شاهدٍ من خارج صحيفته.
سرُّ الانقلابين: الآلةُ المكسورةُ والوقودُ القديم
من سَبَرَ غورَ يوسف وخَبَر دخيلته عن قرب يقطع بأنه هشُّ البنية النفسية، مائعُ الشخصية، لم تصقله التجارب ولم تُحنّكه الشدائد؛ وهو يستميت في التظاهر بضد ذلك تماماً، فيتقمّص ثوب الصلابة والاعتداد، بينما هو في حقيقته النفسية مسكينٌ مضطرب. وتكفيك انفعالاتُه الطائشة عند كل نقدٍ شاهداً عدلاً على خور باطنه؛ وقد مرّ بك زئيره ووعيده الخاوي لأبي عمر الباحث: صياحُ عاجزٍ أحرقه فقدانُ الحجة فاستعاض عنها بالتهديد.
والخيطُ الناظم لأطوار حياته وتقلباتها واحدٌ لا يتبدل: نزعةُ الاستعلاء وهوسُ التصدّر. هي الدافعُ القديم الذي أخرجه من كلية الصيدلة إلى الشريعة طلباً للصدارة، وهي التي أغرته بارتداء عباءة المشيخة في حلقة غلاة التكفير وهو بعدُ غِرٌّ في مبادئ الطلب، وهي ذاتُها التي دفعته بعد تقمّص لقب الدكتوراه إلى ركوب موجة الشذوذ بدعوى «الإتيان بما لم تستطعه الأوائل»، وهي البصمةُ الحاكمة لكل طرحه حتى اليوم.
تبدلت العقائد على طرفي نقيض، من تكفير المسلمين إلى تنجية الملاحدة، وثبتت العِلّة النفسية الباطنة: «أن فهمه هو المحور الأوحد للدين، ومن خالفه فهو جاهلٌ لا يفقه»، ولسانُ حاله يضاهي قول فرعون لقومه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾!
وقد علّل الشيخ الدكتور طرهوني انحرافاته الكبرى بأنها امتدادٌ مباشر لانهياره القديم في المعتقل: إما إثر مَسٍّ شيطاني استحكم به ولم يُعالج، وإما بتدهورٍ نفسي وانفصامٍ جعله أداةً طيّعة في يد أعداء الملة لهدم الدين، مرجحاً أن رخاوة شخصيته جرى استغلالها لإنتاج نسخةٍ ممسوخة تنقض عرى الإسلام الذي كان يذبّ عنه. وفسّره صاحبه المقرب قبل السجن وبعده بردة الفعل النفسية الصادمة: تحطّمُ حلم الرفعة، وذلُّ السجن لمن لم يعتد الهوان، ومرارةُ هجران الأصحاب، فأورثه ذلك حقداً أسود على ماضيه ورجاله. والتحليلان يتكاملان ولا يتناقضان: أحدهما يشرح «الآلة التي تحطمت»، والآخر يكشف «الوقود الحارق» الذي يسيّرها مذ انكسرت!
قلتُ: وبهذا التفكيك ينحلُّ اللغز الذي استغلق على الناس في «انقلابات» الرجل؛ فما هي إلا هزاتٌ نفسية يتبعها نسجُ بناءٍ فكريٍّ باطل لتبريرها، لا مراجعاتٌ علمية نضجت على موائد الدليل والتحقيق. ولذا لا يُستبعد قط -كما جزم من خبر حقيقته- أن ينقلب انقلابةً ثالثة ورابعة إن تبدلت رياح المنصات وتغيرت مصالح التمويل؛ فالبوصلة عنده موقع الصدارة لا لزوم الحق. ومن كان هذا شأنه فقد كشف القرآنُ ستره ودمغ حقيقته: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ﴾!
أثرُه فيمن تبعه: جيلٌ يستخفُّ بالصحاح
إن من أخبث الأصول التي يورثها هذا المارق لأتباعه: إخضاعَ الوحي الإلهي للفلسفة المادية الجافة؛ إذ مسخ القرآن الكريم من كونه كتابَ هدايةٍ وتزكية إلى لغزٍ فيزيائي باطني لا تُحل طلاسمه إلا بشفرات خرافة «قصصية الحرف»! وتفريغَ العبادات من حقائقها لتغدو مجرد طقوسٍ شكلية رخوة تتبدل هيئاتها بتغير الأهواء، تمهيداً لإسقاط التكاليف الشرعية بالكلية؛ فضلاً عن التجهيل الصفيق لأمة الإسلام قاطبةً؛ إذ يلزم من مذهبه الباطل أن الأمة -بصحابتها الكرام، وتابعيها الأعلام، وأئمتها المجتهدين- عاشت أربعة عشر قرناً في غياهب التيه والجهل بكلام ربها حتى طلع عليهم هذا المتفيهق فاهتدى لما عجزت عنه القرون! وهو لزومٌ فاحش يطعن في حفظ الله لدينه وتبيانه لكتابه.
وثمرةُ مشروعه الحقيقية: بثُّ حالةٍ من السيولة الفكرية والعدمية والشك في صفوف مريديه؛ فما أقام حركةً علمية، ولا خرّج طالبَ علمٍ واحداً يمتلك أداة التحقيق والرسوخ. وإنما انحصر أثره المسموم في تفتيت اليقين في قلوب الناشئة، وتجرئة الرعاع على الاستخفاف بكتب الصحاح وإجماع الفقهاء؛ ليكون مشروعه جسرَ عبورٍ مثالي لكل من أراد التحلل من أثقال الشريعة مع التشبث بلقب «مسلم» بمفهومه الشحروري الممسوخ. وأعظمُ جناياته أنه علّم جيلاً كيف يهدم بنيان الوحي وهو يتوهم أنه يُجدده؛ علّمهم الهدم والتشكيك، وما علّمهم -ولن يعلمهم أبداً- كيف يبنون ديناً أو يُقيمون حقاً!
الخلاصة النهائية
قلتُ: خلاصةُ أمر يوسف أبو عواد أنه صاحبُ انقلابات نفسية يتبعها في كل مرة بناءٌ فكري يبررها: غلا في التكفير حتى كفّر بغير برهان، ثم انقلب فميّع الكفر حتى أدخل الملاحدة الجنة، وهو في الحالين مفتون بصدارته جازم أن فهمه وحده هو الدين. ثم استقر أمره على مشروع ثابت في نقض أصول الدين، متخذًا من «القرآنية» ستارًا لطعن الإسلام في مقتله؛ فإن الدين بلا سنة نبوية يصبح هيكلًا خاويًا يُملأ بأهواء كل ناعق. ومقالته في إنكار السنة القولية والعملية، وتحريفه لشعائر الإسلام المتواترة كالصلاة والزكاة، وطعنه في نقلة الوحي من الصحابة، مقالاتُ هدم لا ريب فيها، وما يدعو إليه كفر بواح بحكم الشريعة؛ لأنه تكذيب لنصوص القرآن الآمرة باتباع الرسول، وتكذيب للتواتر القطعي. ودفعُه تهمة الزندقة عن نفسه لا يغير من هذا شيئًا؛ فقد نفى وهو مقيم على ما نُفي عنه، والعبرة بالمنهج لا باللفظ.
وما في الرجل من حفظ وذكاء وفصاحة وصنعة خطاب فقد مضى وزنه: أدواتٌ صرفها كلها في الهدم فصارت عليه لا له. والحكم الحاسم الذي لا لبس فيه: لا يحل لمسلم أن يأخذ عن هذا الرجل شيئًا من دينه، ولا أن يستمع لمقاطعه إلا على وجه الرد والنقض ممن كان من أهل التخصص، وتقديمه للناس على أنه «مفكر إسلامي» أو «مجدد» تلبيس عظيم؛ فما هو إلا أداة تفكيك ومعول هدم، استُخدمت لغة العرب فيه لضرب دين العرب والعجم. ومن خبر تاريخه علم أن انقلابه الحاضر قد لا يكون الأخير؛ فالرجل ابن الظرف لا ابن الدليل، ويُخشى على أتباعه اليوم أن يفاجئهم غدًا بوجه ثالث.
وطريقه كله شاهد هذا الحكم وخاتمه: طفلٌ من بيت شيخ، حفظ القرآن ورفع اسم بلده في مسابقات الحفظ، انتهى رجلًا يستغل هذا الحفظ بعينه في هدم حدود الله وتكذيب نبيه صلى الله عليه وسلم. مرّ الطريق بحلقة غلاة شيّخوه قبل أن يتعلم، وزنزانة انهار فيها بلا جلاد، وأصحاب هجروه فأورثوه الحقد، ومنصة ممولة اشترت حقده فأحسنت توظيفه؛ وفي كل محطة كان يبدل عقيدته ولا يبدل نفسه. وها هو يجلس في استوديو معزول يبث مقاطع تشاهدها الملايين، وهي لا تبني مسجدًا، ولا تقيم صلاة، ولا تخرج جيلًا يعرف معروفًا أو ينكر منكرًا؛ لم يصنع دينًا جديدًا يستقر عليه الناس، وإنما صنع حالة من الشك الدائم. وهذه آفة التصدر بلا آلة، والتجرؤ على حياض الوحي بغير طهارة علمية.
نسأل الله سبحانه أن يرد كيده في نحره، وأن يقيض لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من يفضح باطله، وأن يكف عن المسلمين شر ما أصّل، وأن يهدي من اغتر ببيانه، وأن يرده هو إلى الحق ردًّا جميلًا؛ فذلك الطفل الحافظ كان يمكن أن يكون غير الذي كان، وكان من الممكن، كما قال صاحبه القديم وهو يتأسف عليه، أن يكون مشروع رجل ينفع الله به. وحسابه على رب لا تخفى عليه خافية.
سجل المصادر
- شهادة صديقه المقرب قديمًا، وقد عرفه قبل الجامعة الإسلامية ورافقه فيها وكان من خواصه: منها أخذنا خبر البيت والنشأة والمسابقات والصيدلة، وليلة الانقلاب الأول بنصوصها، وخبر المناصحة في السجن، والهجران بعد العودة، وشهادته في نفسيته، وأسفه عليه في الختام.
- شهادة الشيخ الدكتور محمد رزق طرهوني، رفيق معتقله قبل نحو 20 عامًا: وصف حاله في السجن، وواقعة الرقية والانهيار بتفاصيلها، وتفسيره لانحرافاته اللاحقة.
- مقال الدكتور سامي عامري: «الشحرور يوسف أبو عواد.. براءة من الزندقة أم إقرار بها؟!»: نقل الإجماع على كفر منكري السنة، ونصه في استخدامه داخل مشروع «مجتمع»، ومصطلح «تهويد المسلمين».
- ردود أبي عمر الباحث، وما نقل فيها من وعيد أبي عواد بنصه.
- مقاطع أبي عواد نفسه على منصة «مجتمع» وبرنامج «مفاهيم» وقناته: منها مقالاته في الشرك والكفر ونجاة الملاحدة، وقواعده الثلاث، وأغلاطه التصريفية، واعترافه بأثر شحرور.
- تعريفه الشخصي المنشور: منه نُقلت دعوى الماجستير والدكتوراه في اللسانيات.
- أرشيف الأخبار الأردنية: مطالبات أبيه العلنية بالإفراج عنه.
- تقرير مؤسسة راند الأمريكية «الإسلام الديمقراطي المدني»: التوصية بدعم الحداثيين ومنكري السنة ومنحهم المنصات.
- واقعة حذف مقاطع الردود بشكاواه إلى يوتيوب من قنوات: شؤون إسلامية، ومكافح الشبهات، والدكتور هيثم طلعت.
كُتبت هذه الترجمة أول مرة يوم السبت 17 من صفر 1448 هـ، الموافق 1 من أغسطس 2026 م، وأعيد بناؤها وصياغتها يوم الأحد 16 من ربيع الأول 1448 هـ، الموافق 30 من أغسطس 2026 م، بناءً على ما وقفنا عليه من كلامه المنشور ومقاطعه وشهادات من عرفه إلى هذا التاريخ. فما جدّ بعده من قول أو رجوع فله حكمه؛ والرجوع الذي نرجوه ويُعتد به رجوعُ المنهج بعلاماته، لا دفعُ تهمة مع الإقامة على موجبها، ونسأل الله أن يكون أول تعديل لهذه السيرة خبر توبته النصوح. ومن وقف على ما يزيد المادة أو يصححها فليتحفنا به مشكورًا.




