سؤال من البوت: السلام عليكم اخ مصطفى لدي شبهة اريد اجابتها
وهي تفسير قوله تعالى {إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره..} والملاحدة يقولون ان السفن اليوم لا يحتجن للرياح لاستخدامها الوقود والمحركات فما الرد؟ وجزاكم الله خيرا
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. حياك الله وبياك يا أخي، وشرح الله صدرك، ونوّر بصيرتك، وزادك حرصاً على تدبر كتاب ربك؛ فما سألتَ إلا مسترشداً يطلب جلاء الحق ودفع الشبهة، ومن واجب أهل العلم والبيان أن يقطعوا دابر الوهم بحجج العقل ونور التنزيل، حتى يطمئن قلب المؤمن، وينقطع لجاج المعاند.
اعلم يا أخي -ثبّت الله فؤادك- أن هذه الشبهة التي يروجها بعض الملاحدة إنما نبتت في أرض الجهل المركب، ونمت برعاية الغرور وسطحية التفكير؛ فهؤلاء نظروا إلى القرآن الكريم بعقول بليدة، وحسبوا أن “الريح” المذكورة في الآية مجرد نسمة هواء عابرة تحرك قطعة من القماش، وتوهموا أن الإنسان باختراعه للمحركات قد كسر قبضة الخالق، وخرج عن ناموس كونه، واستغنى عن تدبير ربه.
وهذا زعم باطل يتهاوى أمام مباضع الفحص والتحليل؛ فالقرآن يخاطب العقول في كل عصر بقواعد كلية ونواميس كونية ثابتة لا تنقضها آلة ولا يغيرها اختراع.
وبياناً لهذا الأمر، وتثبيتاً لقلبك، وإفحاماً لكل ملحد يظن أن التقنية أخرجته من ملكوت الله، نورد هذا الرد المفصل عبر أربعة أوجه علمية وعقلية وشرعية، مع ضرب الأمثال الحية التي تبين الحق جلياً:
الوجه الأول: الريح كقوة مهيمنة وحاكمة على الملاحة البحرية الحديثة
إن أول سهم يُرد به في نحر هذا الملحد هو جهله الفاضح بعلم الملاحة البحرية المعاصر وقوانين المحيطات؛ فالمحرك الحديث والوقود الأحفوري والطاقة النووية لم تلغِ سلطان الرياح على البحار، بل إن السفن العملاقة اليوم لا تزال خاضعة لحركة الرياح في كل خطوة تخطوها.
أولاً: إن حركة المحيطات بأسرها، وتياراتها المائية الكبرى، وأمواجها العاتية، إنما تتولد وتنتظم بفعل الرياح المستمرة في الغلاف الجوي؛ فالرياح هي المحرك الخفي لكتل المياه في كوكب الأرض. فلو سكنت الرياح سكوناً تاماً ودائماً، لتوقفت التيارات البحرية، ولركدت مياه المحيطات، ولاختلت حركة التبادل الحراري في الكوكب، ولتغيرت كثافة الماء ومقاومته؛ وحينها تضطرب ديناميكية الإبحار برمتها حتى تعجز أعظم المحركات عن توجيه السفن في مياه راكدة ميتة لا حركة فيها.
ثانياً: إن ربابنة السفن الحديثة وأحدث الحواسيب الملاحية لا يجرؤون اليوم على تسيير ناقلة نفط أو حاملة طائرات إلا بعد قراءة خرائط الرياح والتنبؤات الجوية على مدار الساعة، وهو ما يُعرف بـ “التوجيه الملاحي بحسب الطقس والرياح”، وفيه تُجبر أضخم السفن التجارية على تغيير مساراتها لآلاف الأميال؛ إما طلباً لرياح مواتية تدفعها وتوفر عليها ملايين الأطنان من الوقود، أو فراراً من رياح معاكسة تعطل مسيرها، أو تجنباً لأعاصير عاصفة تجعل أحدث محركاتها مجرد لعبة في مهب الريح. بل إن التوجه الهندسي الحديث في صناعة الشحن البحري بدأ يعود اليوم إلى تركيب أشرعة ميكانيكية عملاقة وتوربينات هوائية على أسطح السفن الحديثة لتقليل استهلاك الوقود؛ مما يثبت للعقلاء أن الريح لا تزال هي الطاقة الحاكمة التي لا غنى للبحر عنها.
ثالثاً: ولنضرب للملحد مثلاً حياً من واقعنا القريب جداً: في عام 2021، وقفت التجارة العالمية مشلولة لعدة أيام في قناة السويس بسبب جنوح سفينة الحاويات العملاقة “إيفر جيفن”، وهي وحش فولاذي يزن أكثر من مئتي ألف طن ومزود بأحدث المحركات والتوربينات. فما الذي أخرج هذه السفينة الجبارة عن مسارها، وجعلها تلتف وتسد الممر المائي وتوقف ربع تجارة الأرض؟ لقد كانت مجرد هبة ريح عاصفة وعاصفة ترابية أفقدت الربان السيطرة، وجعلت محركاتها الجبارة عاجزة عن ضبط اتجاهها. إن ريحاً واحدة عطلت شريان العالم وأثبتت هوان أعظم منجزات البشر.
رابعاً: وإذا كان الملحد يتبجح بأن سفينته تمشي إذا سكنت الريح بالوقود، فماذا يفعل إذا هاجت الريح وغضبت؟ هل يستطيع محركه الحديث أو مفاعله النووي أن يمنع السفينة من الانقلاب والغرق في جوف اليم إذا أرسل الله عليها إعصاراً مدمراً؟
الجواب نجده في الموانئ التي تغلق أبوابها، والسفن العسكرية التي تختبئ، والملاحة التي تتوقف تماماً عند هبوب الأعاصير. وهذا هو الوجه العكسي الدقيق الذي ذكره القرآن الكريم في موضع آخر ليقهر به غرور الإنسان: ﴿أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَىٰ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُم قَاصِفًا مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُم عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: 69]. فالإنسان في البحر رهين أمر الله في الرياح؛ إن سكنت تأثرت حركته ونظامه الملاحي، وإن هاجت ابتلعه البحر بما صنع.
الوجه الثاني: مغالطة قصر الدلالة وافتقار المادة الدائم لقوانين الخالق
إن الملحد يعاني من ضيق في الأفق حين يتعامل مع لغة القرآن؛ فالقرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، يخاطب البشرية في كل عصر بما تدركه حواسهم من الشواهد الظاهرة. وفي زمن النزول، كانت السفن الشراعية هي ذروة وسائل النقل وأعظمها في شق البحار، فضرب الله بها المثل الحسي على فقر المخلوق وحاجته لقوة خارجة عن ذاته لتمكنه من السير.
لكن الآية تؤسس لقاعدة كلية حاكمة للكون كله: وهي أن كل جسم متحرك في هذا العالم يفتقر حتماً إلى “قوة محركة تفيض عليه من خارج ذاته”، وإلى “نواميس وقوانين ثابتة” تتيح له العمل؛ وتلك القوة وتلك النواميس ليست من صنع الإنسان، بل هي قبضة الله وإرادته.
ولتقريب ذلك بمثل عقلي مبسط: إذا رأى طفل صغير سيارة ألعاب تتحرك بنابض زنبركي أو بمحرك بطارية، ففرح وقال: “هذه السيارة تمشي وحدها ولا تحتاج إلى أحد يدفعها”، فإن العقلاء يبتسمون لجهله؛ لأنهم يعلمون أن الطاقة المخزونة في النابض أو التفاعل الكيميائي في البطارية لم تصنعه السيارة لنفسها، بل وُضع فيها.
والملحد مع محرك السفينة الحديث يشبه ذلك الطفل تماماً؛ رأى المحرك يدور بالوقود فظن أنه استغنى عن خالقه، ونسي أن يسأل نفسه: من الذي أودع في البترول خاصية الاشتعال؟ ومن الذي خلق الروابط الهيدروكربونية وجعلها تطلق هذه الطاقة الحرارية الهائلة عند الاحتراق؟ ومن الذي وضع قوانين الديناميكا الحرارية التي تحول الحرارة إلى حركة ميكانيكية؟ ومن الذي جعل الإلكترونات تسري في الأسلاك لتدير أجهزة التوجيه؟
لو شاء الله تعالى أن يسلب مادة البترول خاصية الاشتعال، أو يسلب الذرة قوانين تماسكها وانشطارها، أو يغير قوانين الاحتكاك وضغط الغازات لجزء من الثانية، لتوقفت أضخم محركات العالم في لحظة واحدة، ولتحولت تلك السفن الفولاذية إلى توابيت صامتة وعاجزة، ولظلت “رواكد على ظهره” لا تريم مكانها.
فالآية تقرر مبدأ (الافتقار المطلق إلى القوة المُمِدّة)، وسواء كانت القوة ريحاً تنفخ في شراع، أو تياراً كهربائياً يدير محركاً، أو بخاراً يضغط عنفة، فالمعنى واحد: الإنسان لا يملك أصل الحركة، بل هو عالة على قوانين وضعها الله في كونه وسخرها له.
الوجه الثالث: إعجاز القرآن في الإخبار الصريح باختراع وسائل ركوب مستقبلية
من أوجه الإفحام العقلي لهذا المعترض أن نبين له أن القرآن لم يحصر وسائل الركوب في الأشرعة والجمال والبغال كما يظن جهله، بل فتح أفق المستقبل صراحة بنصوص معجزة تخبر بأن الإنسان سيركب مراكب حديثة لم تكن موجودة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
تأمل معي ما أنزله الله تعالى في سورة يس: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس: 41-42]. فالله سبحانه يذكر نعمته بحمل البشر في الفلك الأول، ثم يعطف عليه قائلاً: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾؛ أي وخلقنا لهم من جنس هذا الفلك وشبيهه مراكب أخرى سيركبونها لاحقاً عبر الزمان. وانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَا﴾ مع أن الإنسان هو الذي يصنع السفينة الحديثة بيده؛ ليدلنا القرآن على أن الفضل في الاختراع يرجع لله أولاً وأخيراً؛ لأنه سبحانه هو الذي خلق العقل المفكر، وخلق خام الحديد، وخلق الوقود، وسخر قوانين الطفو والإزاحة المائية.
وقد أكد القرآن هذا المعنى المستقبلي في قوله تعالى في سورة النحل: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 8]؛ فقوله ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ بشارة وإخبار صريح بكل ما ركبه البشر لاحقاً من قطارات وسيارات وبواخر عملاقة وغواصات تمخر قاع البحر، وطائرات تسبح في ريح السماء. فالقرآن أوسع وأشمل من أن يُحصر في زمن الشراع، بل احتوى الماضي والحاضر والمستقبل في نسق بديع.
الوجه الرابع: قلب الطاولة على غرور الملحد وكشف هشاشة التكنولوجيا المعاصرة
إن أكبر آفة تسقط عقل الملحد في الضلال هي عبادته للأسباب وتأليهه للمادة؛ فهو يتوهم بسذاجة أن الآلة المعاصرة منحت الإنسان استقلالاً تاماً عن ربه، وهذا كبرياء كاذب يفضحه واقع الملاحة كل يوم.
ولنذكر هذا المعترض بقصة سفينة “تيتانيك”؛ تلك السفينة التي كانت في مطلع القرن العشرين تمثل قمة التحدي والغرور البشري، واحتشدت فيها أحدث تكنولوجيا المحركات البخارية وصفائح الصلب المزدوجة، حتى وقف قادتها ومروجوها وقالوا بلسان الغطرسة الأعمى -كما نقل-: “إن هذه السفينة لا يستطيع حتى الله أن يغرقها”. فماذا كانت النتيجة؟ لم يحتج قهرها إلى أسطول عسكري ولا إلى سلاح مدمر، بل أرسل الله عليها كتلة جليد طافية على سطح الماء، فمزقت جدارها في ساعات، وأسكنها الله في قاع المحيط لتتحول إلى عبرة تاريخية لكل متكبر يظن أن حديده ومحركاته تمنعه من قدر الله.
إن محركات الديزل والتوربينات النووية التي يتبجح بها الملحد اليوم تتسم بهشاشة بالغة وضعف شديد؛ فأتفه عطل في منظومة تبريد المحرك يجعل السفينة مشلولة تماماً في عرض المحيط، ونفاد الوقود أو تلوثه يوقفها في مكانها، وعاصفة شمسية كهرومغناطيسية واحدة من الفضاء الخارجي كفيلة بتعطيل منظومات التوجيه بالأقمار الصناعية وشاشات الرادار، لتترك هذه السفن العملاقة تائهة عمياء في ظلمات البحر تتخبط كحبة قمح في مطحنة. فالإنسان المعاصر في سفينته الحديثة أشد فقراً واضطراراً لحفظ الله ورعايته من راكب السفينة الخشبية قديماً؛ لأن مصابه في سفينته أضخم، وابتلاع الأعماق له أسرع، وأجهزته المعقدة عرضة للخلل بأقل سبب.
خلاصة الأمر وجلاء الشك:
يا أخي، إن الآية الكريمة حين تقول: ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ﴾، لا تقدم درساً ميكانيكياً في كيفية دفع الشراع فحسب، بل تقرر حقيقة وجودية كبرى: وهي أن سكون الطبيعة وحركتها، وحياة الإنسان وحركة آلاته، كلها معلقة بمشيئة الله الواحدة؛ فإن شاء أمدك بأسباب الحركة فسرت، وإن شاء سلب منك أسبابها فوقفت.
وتغير وسيلة الدفع من شراع نسيجي إلى مروحة معدنية، لا يغير من الحقيقة شيئاً؛ فالملحد كمن يشرب الماء من كأس زجاجي اليوم بدلاً من قِرْبة الجلد قديماً، ثم يخرج قائلاً: “أنا لا أحتاج إلى الله لينزل المطر؛ لأنني أملك كأساً من زجاج”. هذا هو منتهى السخف والضحالة الفكرية.
فاطمئن نفساً، واعلم أن كل مسمار في أحدث بارجة، وكل قطرة وقود في أضخم محرك، وكل ريح تهب في آفاق البحار، تشهد كلها بلسان واحد أن لا إله إلا الله، وأن الخلق خلقه، والأمر أمره، ولا يخرج عن سلطانه ملك ولا آلة.
جعل الله هذا البيان برداً وسلاماً على قلبك، وحجة ساطعة تنير بها طريق غيرك.




