الشيخُ العلامة، الفقيهُ المفتي، أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن جبرين، من آل رشيد من بني زيد. وُلد سنة 1349 هـ في بلدة محيرقة من قرى القويعية في نجد، وتوفي رحمه الله بالرياض في العشرين من رجب سنة 1430 هـ (13 يوليو 2009 م)، وقد جاوز الثمانين.
كان معلِّمًا موصولَ النفَس لا يعرف الكلل: فقيهٌ إذا تكلم في مسألة غرف من بحر محفوظاته، ومحتسبٌ يبذل علمه بلا أجر، وجوادٌ لا تمسك يده شيئًا، مع لين جانب وبشاشة تسع الرفيع والوضيع. جمع متانة الفقه الحنبلي إلى سعة النظر في الدليل، وكان في قوة علمه رحمةً للسنة وأهلها، شديدًا على أهل الأهواء والبدع.
وموضعه من عصره أنه كان أوسع علماء زمانه تدريسًا وأصبرَهم عليه، وأن فتاواه صارت من أشهر فتاوى العصر وأقربها إلى العامة: يقصده المستفتون من كل مكان، ويجدون عنده العلم والشفاعة والعطاء في مجلس واحد. فكان بيته مدرسةً ودارَ إفتاء وبابَ فقراء معًا.
وهو عالم رباني من الراسخين، اجتمع له ما تفرق في غيره: علمٌ غزير، وعبادة دائبة، وكرم لا ينقطع، وتواضع قلَّ نظيره. يؤخذ عنه الفقه والفتوى بثقة، وتُتلقى سيرته درسًا في احتساب العالم قبل أن تكون ترجمةً له.
محيرقة ثم الرِّين
هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن إبراهيم بن فهد بن حمد بن جبرين بن محمد بن عبد الله بن رشيد؛ من آل رشيد، وهم فخذ من عطية زيد، وبنو زيد قبيلة مشهورة بنجد، كان أصل وطنهم مدينة شقراء ثم نزح بعضهم إلى بلدة القويعية في قلب نجد. وأخواله آل مسهر المشهورون.
وُلد سنة 1349 هـ في محيرقة من قرى القويعية، ونشأ في قرية الرِّين، في بيت طلبِ علمٍ وصلاح: كان أبوه عبد الرحمن من طلبة العلم وأهل النصح والإخلاص، وعمه الشيخ سعد بن عبد الله بن جبرين إمامَ جامع محيرقة.
يومان على الطريق إلى العلم
بدأ الطلب وعمره عشر سنين: قرأ القرآن وتعلم الكتابة على والده وعلى عمه، ثم أتم حفظ القرآن كاملًا وعمره سبع عشرة سنة. وأول ما حفظ من المتون عن ظهر قلب: ثلاثة الأصول، والأربعون النووية، والرحبية في الفرائض، والآجرومية في النحو؛ وهي عُدة طالب العلم النجدي يومئذ: عقيدة وحديث وفرائض ونحو.
وكان الطلب في ذلك الزمن مشقةً لا يعرفها أبناء اليوم: لا اتصالات ولا مواصلات، والعالِم في بلد والطالب في أخرى، فكان يسافر مشيًا على الأقدام أو على الإبل، يقطع ما بين الرِّين ومحيرقة، وهي نحو خمسة وستين كيلًا، في يومين كاملين. وكان يمشي مع والده ثمانية كيلومترات إلى الشيخ صالح بن مطلق ليجالسه وينتفع به. وأنت يا من يبلغك الدرس في جيبك فتؤجِّله: بين هذا الصبي وبين درسه كان يومان من المشي، فما أجَّل ولا ملَّ؛ وإنما أدرك القوم ما أدركوا على قدر ما بذلوا.
وقرأ على الشيخ عبد العزيز بن محمد أبو حبيب الشثري، قاضي الرِّين، وهو شيخه الأكبر الذي تأثر به أعظم التأثر: قرأ عليه صحيح البخاري وصحيح مسلم وكثيرًا من كتب العلم. صحيحان كاملان على قاضي قرية؛ هكذا كانت قرى نجد تخرِّج علماءها.
الأول على دفعته
وفي سنة 1374 هـ انتقل إلى الرياض والتحق بمعهد إمام الدعوة، فاستمر فيه حتى أنهى القسم العالي سنة 1381 هـ، وكان الأول بين الطلاب الناجحين في جميع المراحل الدراسية؛ ما نزل عن الصدارة مرحلةً واحدة. وفي أثناء ذلك بُعث سنة 1380 هـ مع الدعاة إلى الحدود الشمالية بأمر الملك سعود.
وتتلمذ في الرياض على كبار علمائها، وهذا جرد شيوخه:
- عبد العزيز بن محمد الشثري (أبو حبيب): شيخه الأكبر، قاضي الرِّين؛ قرأ عليه الصحيحين وتأثر به أعظم التأثر.
- والده عبد الرحمن بن عبد الله بن جبرين: أول شيوخه؛ علمه القراءة والكتابة.
- صالح بن مطلق: من علماء الرِّين؛ كان يسافر إليه راجلًا مع والده للتزود من علمه.
- محمد بن إبراهيم آل الشيخ: مفتي الديار السعودية؛ تابع دروسه في معهد إمام الدعوة والحلقات العلمية.
- عبد العزيز بن عبد الله بن باز: شيخه الكبير؛ درس عليه، ثم عمل معه في دار الإفتاء، وأنابه للتدريس في الجامع الكبير.
- محمد الأمين الشنقيطي: العلامة المفسر صاحب أضواء البيان؛ درس عليه في المعهد.
- عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ: الفرضي المعروف؛ أخذ عنه الفرائض والمواريث.
- عبد الله بن حميد: رئيس مجلس القضاء الأعلى؛ انتفع به في القضاء والفقه.
- عبد الرزاق عفيفي: نائب رئيس الإفتاء، العالم الأصولي؛ درس عليه في المعهد.
- حماد بن محمد الأنصاري: العلامة المحدث؛ أخذ عنه الحديث والأسانيد.
- إسماعيل بن محمد الأنصاري: العلامة المحدث، الباحث في الإفتاء؛ درس عليه في المعهد.
- عبد العزيز بن ناصر بن رشيد: الفقيه الفرضي؛ من شيوخه في المعهد.
اثنا عشر شيخًا أولهم أبوه وأعلاهم مفتيان للديار السعودية؛ فتكوينه سلسلة نجدية خالصة من القرية إلى قمة الإفتاء.
سبعون كتابًا في الأسبوع
عُيِّن بعد تخرجه سنة 1381 هـ مدرسًا في معهد إمام الدعوة نفسه، ثم فتح سنة 1387 هـ بيته للتدريس، وأول مادة ألقاها متن الرحبية في الفرائض. وعُيِّن سنة 1389 هـ إمامًا لمسجد آل حماد قرب دخنة فكان يدرِّس فيه بكرةً وعشيًّا، ودرَّس سنة 1395 هـ في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ثم في المعهد العالي للقضاء سنة 1408 هـ وأسند إليه درس الفقه، إلى أن تقاعد سنة 1417 هـ بعد أن مُدِّد له في العمل سنوات. وأنابه شيخه ابن باز للتدريس في الجامع الكبير بعد المغرب أربعة أيام في الأسبوع، وعُيِّن إمامًا وخطيبًا في جامع والدة الأمير عبد الرحمن المقرن بالسويدي فبقي فيه حتى وفاته.
وبلغ من سعة تدريسه أن الكتب التي يشرحها في الأسبوع الواحد كانت تقارب السبعين كتابًا، في أكثر من ثلاثين درسًا موزعة في أنحاء الرياض؛ وهو مع هذا كله محتسبٌ لا يأخذ على تدريسه أجرة. فقيهٌ يشرح سبعين كتابًا في أسبوعه، ومحتسبٌ لا يأخذ على حرف منها أجرًا؛ فأين همم القراء من همة هذا الشيخ؟
في دار الإفتاء
وفي سنة 1402 هـ باشر العمل في دار الإفتاء برئاسة شيخه عبد العزيز بن باز، فقصده المستفتون من كل مكان حتى صارت فتاواه من أشهر فتاوى العصر وأقربها إلى العامة.
وكان له منهج بيِّن السمات: تيسيرٌ في الأحكام بضوابط شرعية يظهر في فتاواه واختياراته، وحرصٌ على رأي جمهور أهل العلم من غير تعصب لمذهب، واعتمادٌ للدليل بحسب قوة دلالته ورجحانه، وجرأةٌ علمية في الفتوى والنوازل عُرفت عنه، كفتواه بجواز الرمي قبل الزوال وجواز توسعة المسعى، مع جمعٍ بين العلم والعمل جعله قدوة، وأدبٍ تربوي مع تلاميذه ومحبيه. قال من خبره: «إذا تكلم في مسألة كأنما يغرف من بحر؛ لكثرة علمه وسعة محفوظاته، وقد كان في قوة علمه رحمةً للسنة وأهلها، شديدًا على أهل الأهواء والبدع».
قلتُ: والتيسير إنما يكون رخصةَ عالمٍ إذا صدر عن بحر محفوظ كهذا؛ فأما تيسير من لا يحفظ المذاهب ولا الدليل فتفلُّت. والرجل من الأولين قطعًا.
ما شرح وما ألف
شرح رحمه الله مئات الكتب في فنون العلم كلها، وانتهى من بعضها عدة مرات. ففي التفسير شرح: تفسير الطبري، وتفسير أحكام القرآن، وتفسير البغوي، وتفسير ابن كثير، وفتح القدير للشوكاني. وفي الحديث: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، وبلوغ المرام.
وفي العقيدة شرح: أصول اعتقاد أهل السنة، وكتاب السنة للخلال، وكتاب السنة للصابوني، وكتاب العظمة لأبي الشيخ، والشريعة للآجري، والعقيدة الواسطية، وشرح الطحاوية، ونونية ابن القيم. وأحب كتبَ شيخ الإسلام ابن تيمية حبًّا شديدًا فشرحها جميعًا، ما عدا درء تعارض العقل والنقل وبيان تلبيس الجهمية لتأخر طباعتهما، والرد على المنطقيين. وفي الفقه شرح: العمدة لابن قدامة، والعُدة شرح العمدة، والروض المربع، وزاد المعاد، وقواعد ابن رجب.
وخلَّف من المصنفات والرسائل إرثًا ضخمًا، من أبرزه:
- تخريج أحاديث شرح الزركشي: تحقيقه لنيل الدكتوراه.
- شرح الخرقي: تحقيق علمي لجامعة الإمام.
- الكنز الثمين في فتاوى ابن جبرين: ديوان فتاواه.
- أخبار الآحاد في الحديث النبوي.
- العذب الزلال.
- السبك الفريد في شرح كتاب التوحيد.
- شرح أصول السنة.
- الجواب الفائق في الرد على مبدل الحقائق.
ومن كتبه: الشهادتان معناهما ومدلولهما، وحاجة البشر إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحلول الشرعية للخلافات الزوجية، والسراج الوهاج للمعتمر والحاج، وتربية الأجيال وتنشئة الأطفال، والصيام آداب وأحكام. وأشرف على طبع «حاشية الروض المربع» للشيخ عبد الرحمن بن قاسم.
خمسون حجة وجيب لا يمسك شيئًا
كان عالمًا ورعًا تقيًّا، خمائل الصلاح عليه لائحة وأنوار الهدى فيه واضحة. حجَّ لبيت الله ما يقارب خمسين مرة، واعتمر في السنة ما لا يقل عن خمس مرات، وكان كثير الصيام يصوم الإثنين والخميس والأيام البيض، كثير الذكر وتلاوة القرآن لا سيما في الليل، كثير الدعاء والابتهال.
وأما كرمه فبابٌ يشبه أخبار الأوائل: كان كثير الصدقة ما يُسأل عن شيء إلا أعطاه، يخرج ما في جيبه ولا ينظر إليه، فإذا نفد ما عنده طلب من طلابه ليعطي الفقير، فإن لم يجد قال للسائل: ائتني في بيتي؛ فيعطيه. يدٌ تفرغ ما فيها، فإذا فرغت سألت غيرَها لتعطي؛ فانظر أيَّ مذهبٍ في البذل هذا.
وكان غاية في التواضع والمباسطة، قال من عاشره: لم نر بعد سماحة الشيخ ابن باز في هذا مثله؛ ابتسامته للناس كلهم، لا يفرق بين رفيع أو وضيع ولا كبير أو صغير، وأوقع الله محبته في قلوب الخلق. وكان مجلسه في بيته يغص بالناس والمحتاجين: يشفع لهذا، ويعطي ذاك، ويزكي الآخر؛ وشفاعاته عند ولاة الأمر والوجهاء وأهل الخير لا يمكن عدُّها ولا حصرها. فاجتمع في بيت واحد ما يتفرق في مؤسسات: درسٌ وفتوى وصدقة وشفاعة.
تلاميذه
تخرج به جمع غفير من العلماء والقضاة وطلبة العلم، حتى قلَّ أن تجد ناحية من نواحي البلاد ليس له فيها تلاميذ. فمن أبرزهم:
- سعد بن عبد الله الحميد: أستاذ الحديث بجامعة الملك سعود.
- عبد الله بن عبد الرحمن السعد: المحدث المشهور.
- عبد العزيز بن محمد السدحان: الداعية والكاتب.
- سعد بن عبد الله البريك: الداعية المعروف.
- صالح بن غانم السدلان: أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام.
- إبراهيم بن عبد الله الغيث: الرئيس العام لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومن القضاة الذين تتلمذوا عليه: عبد العزيز بن إبراهيم المهنا، وعبد الله الدهش، ومحمد الجار الله، ومسعود الحقباني، وغيرهم كثير. فعلمُه اليوم يقضي ويحدِّث ويدعو ويدرِّس بأيدي هؤلاء.
عشرون من رجب
أجريت له قبل وفاته بستة أشهر عملية في القلب بمستشفى الملك فيصل التخصصي، فتعرض بعدها بأسبوع لمضاعفات وصعوبة في التنفس أفضت إلى التهاب رئوي، واحتاج إلى فتحة للأكسجين في القصبة الهوائية. وسافر للعلاج في ألمانيا شهرًا، ثم عاد فبقي في العناية المركزة بالمستشفى التخصصي، حتى فُجعت الأمة بوفاته بعد ظهر يوم الإثنين العشرين من رجب سنة 1430 هـ.
وصُلي عليه بعد ظهر الثلاثاء في الجامع الكبير بالرياض، جامع الإمام تركي بن عبد الله، وحضر الصلاة جمع غفير من المشايخ وطلبة العلم والمسلمين بالآلاف، حتى امتلأت بهم الشوارع والطرقات.
صبيٌّ كان يمشي يومين كاملين ليبلغ حلقة علم؛ وشيخٌ ضاق الجامع الكبير عن مشيعيه ففاضوا إلى الشوارع. وما بين المشيتين عمرٌ كله بذل: علمٌ بلا أجر، ومالٌ بلا حساب، وشفاعة بلا ملل. فاللهم إنا نسألك من فضلك كما أعطيته، وقد قال فيه محبوه:
يا سائلي عن الشيخ ابنِ جبرين رُزِقَ الهدى.. مَن للهدى يُسأَلُ حُبُّ المشايخِ كُلِّهم لي مذهبٌ وإنما ابنُ جبرينٍ منهم أفضلُ
الخلاصة النهائية
عالمٌ رباني من الراسخين، فقيهٌ لا يفتر عن العلم تعلُّمًا وتعليمًا، جمع ما عزَّ اجتماعه: سعة المحفوظ، وصبر المعلم، واحتساب الأجر، وجود اليد، ولين الجانب، مع صلابة في السنة وشدة على أهل الأهواء. ومن أراد فقهًا مؤصلًا وفتوى أمينة وعقيدة على طريقة السلف وجد ذلك كله عنده صافيًا؛ فشروحه وفتاواه تصلح لطالب العلم وللعامي على السواء، وكان من أقدر أهل عصره على إيصال الفقه إلى الناس كافة.
بدأ حياته صبيًّا يقطع الفيافي على قدميه إلى مجالس العلم، وختمها شيخًا يمشي الناس خلف نعشه بالآلاف؛ فما ضاعت خطوةٌ مشاها إلى العلم، ولا ريالٌ أخرجه من جيبه، ولا ساعةٌ بذلها في درس.
فرحم الله أبا محمد رحمة واسعة، وجزاه عن كل متنٍ شرحه ومستفتٍ أفتاه وفقيرٍ سدَّ حاجته خير الجزاء، وأجرى عليه أجر سبعين كتابًا كان يفتحها للناس كل أسبوع محتسبًا، وجعل ممشاه إلى العلم يومين في نور يمشي به يوم القيامة، وأخلف على الأمة من أمثاله.
سجل المصادر
- «مختصر رياض المحبين في سيرة الشيخ ابن جبرين» لمتعب السلمي
- ترجمة الشيخ عبد الوهاب الزيد، الموثقة المقرَّة من الشيخ نفسه
حُررت هذه الصياغة يوم الأحد 16 من ربيع الأول 1448 هـ، الموافق 30 من أغسطس 2026 م، مما ثبت في ترجمته المعتمدة. وفضل الرجل أوسع من ورقه؛ فما لم تبلغه هذه السطور فمن قصور الجمع لا من نقص في المترجَم، ومن عنده مزيد فليتم النقص مأجورًا.




