كلمة حق أرادوا بها باطلا مطلقا، مأجورة لتفكيك عرى الإسلام من داخله، أخبرنا بها النبي صلى الله عليه وسلم وكشف عوارها قبل أكثر من 1400 عام، حين رسم لنا ملامح هذه الفتنة العمياء التي يرتدي أصحابها ثياب “الاستنارة” وهم غارقون في ظلمات التحريف.
إن من أراد فصل السنة عن القرآن، كمن أراد فصل الروح عن الجسد؛ فكلاهما وحي خرج من مشكاة واحدة.
هؤلاء الزنادقة الذين يرفعون شعار “الاكتفاء بالقرآن” غرضهم الحقيقي ليس تعظيم الكتاب، بل هدم الركن الثاني من أركان الوحي (السنة) ليبقى القرآن وحيدا أمام “مشارط” تأويلاتهم الباطنية، فيحولونه إلى عجينة لينة يشكلونها كيف شاؤوا بحسب نزواتهم الشخصية وإملاءات مُموليهم.
كيف لعقل سوي أن يقبل “المجمل” في القرآن ويرفض “البيان” الشافي في السنة؟!
هم بالقرآن يهدمون القرآن!
يقول الله تعالى في سورة النحل، الآية 44: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون)
فلو كان القرآن كافيا في تفاصيله التشريعية وحده، لما جعل الله وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم هي “التبيين”.
إن هؤلاء القوم يعصون القرآن صراحة وهم يزعمون اتباعه، فأين هم من قوله تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله)؟!
إنكار السنة ليس مجرد “وجهة نظر” أو قراءة معاصرة، بل هو “الطريق الملكي” الذي مهدوه لتحريف الدين تبعا للأهواء المادية، وذلك عبر بروتوكول تدميري واضح:
اغتيال مقام النبوة: يسعون لجعل النبي صلى الله عليه وسلم مجرد “ساعي بريد” صامت، انتهت مهمته بمجرد تسليم الرسالة، ليرفعوا عنه صفة التشريع والبيان.
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا المنهج استباقيا، فعن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه” (رواه أبو داود).
أليس هذا هو حال “شحارير” العصر وباطنيته الجدد؟!
الهروب من التكاليف الشرعية: إنكار السنة هو وسيلة رخيصة للفرار من الالتزامات الشرعية (كالحجاب، والمواريث، والحدود، وكيفية الصلاة) ليعيشوا إسلاما “سائلا” بلا أحكام تضبط الغرائز.
تجريف الذاكرة والهوية: يطعنون في جيل الصحابة نُقلة السنة ليسقطوا عدالة الجيل الذي نقل القرآن نفسه؛ فهدفهم عزل المسلم عن جذوره ليصبح ريشة في مهب الفلسفات الغربية المسمومة.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع” (رواه الترمذي).
وإليكم قائمة بالآيات الحاسمة التي تنسف وتُبطل منهج “الشحارير” وتؤكد وجوب اتباع السنة وتبيين النبي ﷺ للوحي، مصنفة حسب وجه الاستدلال:
أولاً: آيات وجوب طاعة الرسول ﷺ واستقلالية حكمه:
(مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) [النساء: 80]
(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا) [الأحزاب: 36]
(فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء: 65]
(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الحشر: 7]
ثانياً: آيات وظيفة النبي ﷺ في “تبيين” الكتاب (لا مجرد نقله):
(وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [النحل: 44]
(وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [النحل: 64]
(كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 151]
ثالثاً: آيات اقتران “الحكمة” بالكتاب (والحكمة هي السنة):
(وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ) [البقرة: 231]
(لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [آل عمران: 164]
رابعاً: آيات التحذير من مخالفة أمره ﷺ:
(فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور: 63]
(قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) [آل عمران: 32]
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) [محمد: 33]
خامساً: آيات مرجعية الرسول ﷺ في التنازع:
(فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) [النساء: 59]
سقطت الأقنعة عن جثث من زعموا تعظيم القرآن وهم يغرسون في صدره خنجر التعطيل.
سيبقى القرآن غضا طريا كما أنزل، وستبقى السنة سراجا منيرا لا ينطفئ، رغم أنوف الشحارير والباطنيين الجدد.
يقول الله تعالى في سورة الحجر، الآية 9: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)
والذكر يشمل الوحيين؛ الكتاب والسنة البيانية له، ومن حاول هدم أحدهما فقد كفر بالآخر، ومن اتبع هؤلاء فقد باع دينه بوهم “الحداثة” الزائف.
===
قرأت تعليقًا في تويتر على المنشور يقول صاحبه إن عمر بن الخطاب قال نفس الكلمة بمعنى آخر!
سبحان الله
قد ذكرت في بداية كلامي: كلمة حق أرادوا بها باطلا مطلقًا
ثم إن الخوارج رفعوا شعار: إن الحكم إلا لله وبه كفروا الصحابة وقاتلوهم وقتلوهم والعبرة ليست بالشعارات وإنما بالتطبيق العملي ومنهج الشخص الكلي
إذن الاستدلال بكلمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “حسبنا كتاب الله” في مقام رد السنة هو محض تدليس وكذب؛ لأنك تستدل بفعل من كان “أشد الناس” تمسكا بالسنة لتهدم السنة!
عمر بن الخطاب لم يقل هذه الكلمة في مقام “التشريع” أو “التأسيس لمنهج” يلغي بيان النبي ﷺ، بل قالها في لحظة بشرية عصيبة، حين اشتد الوجع برسول الله ﷺ في مرض موته، فأراد عمر -بفقهه وعظيم شفقته- أن يخفف عن النبي ﷺ عناء الكتابة والتعب، موقنا وهو أعلم الناس بالقرآن والسنة أن الله قد أتم الدين وأكمله في القرآن وما علموه من السنة طوال ثلاث وعشرين سنة.
هل يستوي من قال “حسبنا كتاب الله” إشفاقا على النبي ﷺ، ومن يقولها اليوم ليبيح الزنا (المساكنة) ويلغي حدود الميراث ويجحد عذاب القبر؟!
عمر بن الخطاب هو الذي كان يقف عند الحجر الأسود ويقول: “إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك” يمكن الاستدلال بعبارته على إنكار السنة؟
هذا هو فقه عمر: التسليم المطلق للفعل النبوي حتى فيما لا تدركه العقول استقلالا، بينما فقه “الشحارير” هو التمرد المطلق على كل ما ثبت عن النبي ﷺ ليحل محله “عقل المهندس” القاصر.
الفاروق عمر رضي الله عنه كان المعمار الأول لتأسيس دولة الإسلام القائمة على “الوحيين”، ولم يعرف عنه قط أنه رد حكما ثابتا في السنة، بل كان يسأل الصحابة: “أيكم سمع رسول الله ﷺ قضى في كذا؟”.
فهل يكون من يبحث عن السنة في كل صغيرة وكبيرة منكرا لها؟!
هناك 3 فروق جوهرية بين عبارة عمر رضي الله عنه وعبارة الشحارير:
مقام المقولة: عمر قال مقولته في سياق “خوف الفتنة” و”الإشفاق على النبي”، بينما الشحارير يقولونها في سياق “إحلال القيم الليبرالية” محل الدين.
التطبيق العملي: عمر حكم بالسنة، وقاتل دونها، وجعلها مصدر القضاء الثاني بعد الكتاب.
أما شحرور، فقد جعل السنة “تاريخية” منتهية الصلاحية، وزعم أن برلمانات الغرب هي “التطبيق المعاصر للسنة”!
مفهوم “حسبنا”: عمر يرى أن القرآن حسبنا لأنه “يأمر بطاعة الرسول”، فالاكتفاء بالقرآن عند عمر هو اكتفاء بآياته التي تجعل السنة وحيا.
بينما “حسبنا” عند الشحارير تعني: “لا رسول لنا إلا في البلاغ الصوتي”، وتحويل النبي ﷺ إلى مجرد “ساعي بريد” انتهت مهمته بموته.
عمر الفاروق كان يعرف أن “كتاب الله” هو الذي يقول: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾. فعمر حين استمسك بالكتاب، استمسك بالدليل الآمر باتباع السنة.
بينما هؤلاء يرفعون “حسبنا القرآن”، للكفر بالقرآن وإسقاط مرجعية السنة وجعلوا أنفسهم “آلهة” تشرع من دون الله ما لم يأذن به.

