سؤال: إذا كانت الفتوحات الإسلامية لنشر الإسلام كما يزعم المسلمون، فلماذا لم يفتح المسلمون قارة إفريقيا كلها؟ وهل فعلا اتجهت فتوحاتهم نحو الشمال وأوروبا لأن غرضهم كان السبايا والجواري البيض الشقر، لا نشر الدين، ولذلك أهملوا جنوب إفريقيا وعمق القارة الإفريقية؟ أريد جوابًا من فضلك
الجواب: هذه الشبهة مبنية على جهل مركب بالتاريخ والجغرافيا معًا، بل هي من الشبهات التي تسقط بمجرد فتح خريطة العالم والنظر في خط سير الفتوحات الإسلامية.
أول خطأ فادح في هذا الادعاء أنه يتكلم عن إفريقيا وكأنها ليست جزءًا من تاريخ الفتوحات الإسلامية، مع أن المسلمين دخلوا إفريقيا قبل أن يدخلوا أوروبا أصلًا.
مصر إفريقية. ليبيا إفريقية. تونس إفريقية. الجزائر إفريقية. المغرب إفريقي. السودان إفريقي. شمال القارة كله إفريقي. فكيف يقال إن المسلمين لم يذهبوا إلى إفريقيا، وهم فتحوا مصر، ثم برقة، ثم إفريقية، ثم المغرب، حتى وصلوا إلى المحيط الأطلسي؟
الحقيقة التاريخية الواضحة أن المسلمين دخلوا إفريقيا في وقت مبكر جدًا، في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بفتح مصر على يد عمرو بن العاص رضي الله عنه. ثم توالت الفتوحات في شمال إفريقيا على يد قادة كبار مثل عقبة بن نافع، وحسان بن النعمان، وموسى بن نصير، حتى صار شمال إفريقيا جزءًا عظيمًا من دار الإسلام.

أما أوروبا، فإن المسلمين لم يدخلوها من جهة الأندلس إلا بعد ذلك بعشرات السنين. أي أن إفريقيا فُتحت قبل أوروبا، لا بعدها.
فمن أين جاءت دعوى أن المسلمين تركوا إفريقيا وذهبوا إلى أوروبا طلبًا للجواري البيض؟ هذه ليست قراءة تاريخية، بل خيال مريض أُلبس ثوب البحث.
بل الأشد إضحاكًا لهذا الادعاء أن الجيش الذي عبر إلى الأندلس وفتح جزءًا من أوروبا كان أغلبه من الأمازيغ، أي من أهل شمال إفريقيا الذين دخلوا في الإسلام. وقائده طارق بن زياد نفسه كان من رجال المغرب الإسلامي. فكيف يكون المسلمون قد أهملوا إفريقيا، بينما صار أهل إفريقيا أنفسهم جزءًا من جيوش المسلمين وفتحوا الأندلس؟
هذا وحده كافٍ لهدم الشبهة من أصلها.
لو كان هدف الفتوحات هو البحث عن “الجواري الشقر”، فلماذا اتجه المسلمون شرقًا إلى العراق وفارس وخراسان والسند والهند وما وراء النهر؟ هل كانت بلاد السند والهند وخراسان بلاد الشقراوات؟ وهل فتح المسلمون مصر والمغرب والصحراء بحثًا عن نساء أوروبيات؟ وهل جاهد المسلمون الفرس والروم والترك والبربر والقبط والسند والهنود لأجل لون معين من النساء؟

هذا تفسير ساقط؛ لأنه لا يفسر شيئًا من خريطة الفتوحات. الفتوحات الإسلامية لم تتحرك نحو عرق معين، ولا لون معين، ولا جنس معين، بل تمددت في كل الجهات: شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا، بحسب الظروف العسكرية والسياسية والجغرافية في ذلك العصر.
المسلمون واجهوا قوتين عظميين كانتا تتحكمان في المنطقة وتمنعان الشعوب من الخروج من سلطانها: دولة الروم ودولة الفرس. ولذلك كانت الفتوحات تتجه حيث توجد إمبراطوريات، ومدن، وحصون، وطرق عسكرية، ومراكز حكم. لم تكن الجيوش تسير في الفراغ، ولا تخترق القارات كما تخترقها الطائرات اليوم.
قد يقول قائل: لماذا لم تدخل الجيوش الإسلامية النظامية إلى عمق إفريقيا جنوب الصحراء كما دخلت مصر والشام والعراق؟
فالجواب واضح: لأن الصحراء الكبرى كانت حاجزًا طبيعيًا هائلًا أمام حركة الجيوش النظامية في ذلك العصر. نحن نتكلم عن آلاف الكيلومترات من الصحراء القاحلة، وطرق شديدة الصعوبة، وندرة ماء، وحرارة قاتلة، ثم بعد ذلك غابات ومناطق وعرة ومناخ وأوبئة لا تصلح لتحرك الجيوش الكبيرة بسهولة.

فعدم دخول الجيش النظامي إلى كل بقعة في جنوب القارة لا يعني أن المسلمين أهملوا إفريقيا، بل يعني أن الجغرافيا لها أحكامها. ومع ذلك، فإن الإسلام دخل عمق إفريقيا بوسائل أخرى أعظم أثرًا وأبقى نتيجة: بالدعوة، والتجارة، والعلم، والرحلات، والمصاهرة، والطرق الصحراوية.
ولهذا نشأت في إفريقيا ممالك إسلامية عظيمة، ومدن علمية كبرى، ومراكز حضارية شهيرة. ولم يكن الإسلام في إفريقيا طارئًا ولا هامشيًا، بل صار جزءًا من هوية شعوب كاملة في غرب إفريقيا وشرقها ووسطها.
وهنا يظهر الفرق بين الإسلام وغيره.

الإسلام حين دخل إفريقيا لم يحول أهلها إلى جنس حقير، ولم يجعل لونهم لعنة، ولم يبنِ عليهم نظرية عرقية، بل صار الإفريقي مسلمًا أخًا للمسلم، عالمًا، قاضيًا، قائدًا، سلطانًا، تاجرًا، فقيهًا، ومجاهدًا. دخل الأمازيغ في الإسلام فصاروا من حَمَلته وفاتحيه. ودخل غيرهم من شعوب إفريقيا في الإسلام فصارت لهم دول وعلماء ومراكز حضارية.
أما الذي تعامل مع إفريقيا كمخزن للعبيد فليس الإسلام، بل الغرب الاستعماري الحديث.
الغرب هو الذي ذهب إلى إفريقيا لا ليهدي الناس، ولا ليعلمهم، ولا ليقيم عدلًا، بل ليخطف البشر من قراهم، ويقيّدهم بالسلاسل، ويشحنهم في بطون السفن، ويبيعهم في أسواق العبيد، ويجعلهم وقودًا لمزارع السكر والقطن والتبغ. الغرب هو الذي بنى جزءًا كبيرًا من رفاهيته الحديثة على جماجم الأفارقة ودمائهم وعرقهم.

فمن العجيب أن يأتي وارث الحضارة التي اختطفت ملايين الأفارقة واستعبدتهم بسبب لونهم، ثم يتهم الإسلام بأنه أهمل إفريقيا لأنه كان يبحث عن الجواري البيض!
هذا قلب وقح للحقائق.
أما من جهة الشرع، فغاية القتال في الإسلام ليست النساء، ولا المال، ولا اللون، ولا الشهوة. النبي صلى الله عليه وسلم حسم المعيار حين بيّن أن القتال المشروع هو ما كان لتكون كلمة الله هي العليا. فالقتال للمغنم، أو الشهرة، أو العصبية، أو الشهوة، ليس هو القتال الذي يمدحه الإسلام.
والنبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه إن هداية رجل واحد خير من حمر النعم. فميزان الإسلام واضح: هداية الإنسان أعظم من المال، وأعظم من الغنيمة، وأعظم من الدنيا كلها.
نعم، وُجد السبي في الحروب القديمة، ولم يكن هذا شيئًا اخترعه المسلمون، بل كان نظامًا عالميًا معروفًا بين الأمم كلها: الروم، والفرس، والعرب، وغيرهم. لكن الفرق الجوهري أن السبي في الإسلام لم يكن غاية الفتح، ولم يكن قائمًا على لون أو عرق، ولم يكن عبودية أبدية مغلقة كما فعل الغرب مع الأفارقة.

الإسلام فتح أبواب العتق، والكفارات، والمكاتبة، وحثّ على تحرير الرقاب، وأدخل الموالي في المجتمع حتى صار منهم العلماء والقادة والأمراء. أما العبودية الغربية الحديثة فكانت عبودية عرقية وحشية، تجعل الإنسان عبدًا لأنه أسود، وتجعل أبناءه عبيدًا من بعده، وتحوله إلى سلعة لا كرامة لها.
فالفرق بين الأمرين كالفرق بين نظام حربي قديم قيّده الإسلام وفتح أبواب الخروج منه، وبين مشروع استعماري عنصري جعل لون الإنسان سببًا دائمًا لاستعباده.
إذن الشبهة ساقطة من كل جهة.
ساقطة تاريخيًا؛ لأن المسلمين دخلوا إفريقيا قبل أوروبا.
وساقطة جغرافيًا؛ لأن شمال إفريقيا جزء من إفريقيا، وفتح مصر والمغرب هو فتح إفريقي صريح.
وساقطة عقليًا؛ لأن الفتوحات الإسلامية اتجهت إلى فارس والسند والهند وآسيا الوسطى، لا إلى أوروبا وحدها.
وساقطة واقعيًا؛ لأن الإسلام انتشر في عمق إفريقيا بالدعوة والتجارة والعلم، لا بالضرورة بالجيوش.
وساقطة أخلاقيًا؛ لأن الذي جعل إفريقيا مزرعة عبيد عرقية هو الغرب الاستعماري، لا الإسلام.
الخلاصة: المسلمون لم يهملوا إفريقيا، بل فتحوا جزءًا عظيمًا منها قبل أن يدخلوا أوروبا، ثم حمل أهل إفريقيا أنفسهم راية الإسلام، وصاروا من جنوده وعلمائه وقادته. أما تحويل القصة إلى “بحث عن الجواري الشقر” فهو هذيان دعائي لا يصمد أمام الحقائق.
الإسلام لم يكن مشروعًا عرقيًا أبيض، ولا عربيًا مغلقًا، ولا حملة لاصطياد النساء، بل رسالة عالمية خاطبت الإنسان من حيث هو إنسان: عربيًا كان أو أعجميًا، أبيض أو أسود، إفريقيًا أو آسيويًا أو أوروبيًا.
ولهذا لم يكن ميزان الإسلام لون البشرة، بل التقوى. ولم تكن غايته استعباد الشعوب، بل إخراجها من عبودية العباد إلى عبودية رب العباد.

