وصلني هذا السؤال عبر بوت تليجرام: السلام عليكم ورحمة الله دائما ما اسمع كلاما عن استجابة الدعاء اذا تم بيقين تام وانه حتى لو كان الأمر مستحيلا فالله عز وجل يستجيب لك دعائك لكن في نفس الوقت اسمع كلاما عن انه قد لا يستجيب الله لك لحكمة عنده فانا حين ادعي بيقين واتذكر ان الله قد لا يستجيب لي فالأمر يرعبني نوعا ما ويجعلني اتردد احيانا قبل الدعاء فاشعر انني تهت في هذا الأمر لان الأقوال كثيره لكنني اثق انكم بإذن الله ستجيبون على سؤالي وستساعدوني
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..
أهلاً بك أخي الكريم/أختي الكريمة، وما تشعر به ليس “تيهاً” بالمعنى السلبي، بل هو وقفة تلميذٍ نجيب أمام عظمة الخالق، يريد أن يفهم كيف تدار الأمور في ملكوت الله، وهذا القلق الذي يساورك هو في الحقيقة نابع من تعظيمك لله وحرصك على أن يكون دعاؤك صحيحاً ومستجاباً.
دعني أخبرك سراً يريح قلبك من هذه الرجفة: “الرعب” الذي تشعر به هو ثغرة يحاول الشيطان من خلالها أن يقطع عليك أعظم باب للصلة بالله وهو الدعاء، فحين يصور لك أن الحكمة قد تحرمك مما تحب، فإنه يريدك أن تترك الطلب أصلاً، لكن الحقيقة التي سأبسطها لك الآن ستجعلك تقبل على الدعاء بقلبٍ أخفّ ويقينٍ أرسخ.
مفهوم الاستجابة الواسع.. ليس كما نتصوره نحن
أول ما ينبغي أن يستقر في روعك هو أن “الاستجابة” في وعد الله ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60] هي وعدٌ مطلق لا يتخلف أبداً، ولكن الخلل يقع عندنا في “تعريف الاستجابة”، فنحن نحصرها في أن يعطينا الله “عين” ما طلبنا في “الوقت” الذي حددناه، بينما الاستجابة عند الله أوسع بكثير.
اسمع لهذا الحديث العظيم الذي يفك عقدة حيرتك، يقول النبي ﷺ: «ما من مسلمٍ يدعو بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رحمٍ إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تُعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها» (رواه أحمد وصححه الألباني).
تأمل معي.. في الحالات الثلاث، الله “استجاب” لك! فإذا دعوت بيقين، فالله قد سمعك، وقد تقبل منك، وقد فعل لك “الأصلح”. فهل تظن أن الله إذا ادخر لك ثواب دعائك في الجنة لتجده نوراً وعظمة في وقتٍ تكون فيه أحوج ما تكون للحسنة، هل يُسمى هذا “عدم استجابة”؟ أو إذا صرف عنك حادثاً أو مرضاً أو ضيقاً كنت ستقع فيه ببركة هذا الدعاء، هل يُسمى هذا “حرماناً”؟
اليقين.. هل هو يقين بالنتيجة أم يقين بالخالق؟
وهنا نصل لمربط الفرس في سؤالك؛ أنت تقول “أدعو بيقين تام”.. اليقين المطلوب في الدعاء ليس هو “اليقين بأن ما أطلبه سيحدث حتماً كما أريد”، بل هو “اليقين بأن الله يسمعني، وأنه قادر على إجابة طلبي، وأنه أكرم من أن يردني صفراً، وأنه سيفعل لي ما فيه خيري”.
اليقين هو ثقة بـ “الفاعل” (الله) وليس ثقة بـ “المفعول” (الطلب). تخيل طفلاً يطلب من والده الطبيب الحكيم أن يعطيه مشروباً ملوناً يظنه عصيراً وهو في الحقيقة سمّ، فالأب يمنعه ويعطيه بدلاً منه عسلاً لذيذاً. الطفل في قصور عقله قد يبكي ويظن أن والده لم يستجب له، لكن الحقيقة أن الأب “استجاب” لنداء طفله بالرعاية والحماية، ومنعه مما يضره إجابةً لمصلحته.
وهكذا نحن مع الله، ولله المثل الأعلى، ندعو ونلح، ويقيننا هو أن “يد الله لا ترد من طرق بابها”، فإذا أعطانا ما سألنا فبفضله، وإذا منعنا فبعلمه ورحمته وحكمته.
هل الحكمة تصادم اليقين؟
الملفت في تساؤلك هو شعورك بأن الحكمة “تخيفك”، والحق أن الحكمة هي “صمام أمانك”. فكر فيها بهذا الشكل: هل تحب أن يستجيب الله لك كل دعوة تدعوها حرفياً حتى لو كان فيها هلاكك وأنت لا تعلم؟ ﴿وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ۖ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: 11]
الحكمة الإلهية هي التي تصفّي دعواتنا، فتأخذ منها ما ينفعنا وتدعه لنا، وتبدل ما يضرنا بما هو أنفع، فالحكمة ليست “عائقاً” يمنع الدعاء، بل هي “رحمة” تغلف الدعاء. لذا، لا تتردد.. ادعُ بكل ما أوتيت من قوة ويقين، واعلم أن يقينك هو الذي يفتح الأبواب، وحكمة الله هي التي تختار لك أي باب تدخل منه.
يا أخي/أختي، أنت تتعامل مع “الودود”، مع من هو “أرحم بك من أمك”. الخوف الذي تشعر به سيزول حين تدرك أن “المنع” من الله هو في حقيقته “عطاء” مقنّع، فالله لا يمنع بخلاً -حاشاه- وهو الذي خزائنه ملأى لا تغيضها نفقة، بل يمنع ليرفع، أو ليحمي، أو ليبتلي فيعظم الأجر.
الحقيقة التي ينبغي أن تُكتب بماء الذهب في قلبك هي: “أنا أدعو لأن الدعاء عبادة، ولأن ربي أمرني، ولأني أثق في قدرته، وما سيختاره الله لي بعد هذا الدعاء هو أفضل وأجمل وأحكم مما كنت سأختاره لنفسي لو كنت أملك خزائن السموات والأرض”.
أرأيت كيف تنقلب الصورة؟ الحكمة التي كانت ترعبك أصبحت الآن هي التي تطمئنك، لأنك تدرك أنك في “رعاية” حكيم، لست في عشوائية كونٍ لا صاحب له.
خلاصة القول أن اليقين المستجاب هو الذي تصحبه الطمأنينة لتدبير الله، فادعُ بيقين في كرمه وقدرته، وسلم له في اختياره وتوقيته، وستجد أن صدرك انشرح، وأن خوفك تبدل أمناً.
﴿وَإِذَا سأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]
واعلم أن أعظم ما تحصله من الدعاء ليس هو الشيء الذي تطلبه، بل هي تلك اللحظات التي انكسرت فيها بين يدي خالقك، وشعرت بفقرك إليه وغناه عنك، فهذه هي الروح والجنة الحقيقية.
فاطمئن يا أخي/أختي، فالله أرحم بك من نفسك، وشريعته أعدل مما يُروج له، وحكمته هي حصنك الحصين.

