وصلني سؤال: أنا سيده اعيش في اوروبا وعندي مشكله ان ابنتي عندها افكار غريبة بعد دخولها للجامعه خلعت الحجاب واصبحت تناقشني في اشياء غريبه وامس قالت لي ان غير المسلم ممكن يدخل الجنه و لا يجوز الحكم عليه بالنار ولا تكفيره وان الانسان فقط باخلاقه ولا يهم دينه وعبادته وتقول الانسانيه هي الاساس وبصراحه ما عرفت ارد عليها
الجواب: أهلاً بكِ يا أختي الكريمة. كان الله في عونكِ، وربط على قلبكِ. أشعر تماماً بحجم الألم والقلق الذي يعتصر قلبكِ وأنتِ ترين ابنتكِ وفلذة كبدكِ تتغير أفكارها وتخلع حجابها.
هذا الموقف الذي تمرين به يمر به آلاف الآباء والأمهات في الغرب، وهي ضحية لضغط ثقافي وفكري هائل يسمى “الإنسانوية” (Humanism) والليبرالية، وهو الدين الجديد الذي يُبشَّر به في الجامعات الغربية.
ما قالته ابنتكِ ليس مجرد أفكار عابرة، بل هو “منهج” كامل يتم تدريسه وزرعه في عقول الشباب لتمييع الدين وجعله مجرد “تراث” لا قيمة له وهو من قبيل: اعتنق الإنسانية ثم اعتنق ما شئت من الديانات.
وهناك فيديو للدكتور إياد قنيبي يرد فيه على انتشار مثل هذه العبارات
وقبل أن أجيبك على بشكل خاص حول كيفية التعامل معها هناك نصيحة عامة والله أعلم بحالك وظروفك وحالتك الاجتماعية ومدى إمكانية ذلك لكن سأقولها: نصيحتي لك بالتفكير الجاد في الهجرة من هذه البلاد بأسرع وقت ممكن لإنقاذها قبل أن تتشرب هذه الأفكار بشكل أكبر وتبتعد أكثر.
البيئة هي “الحاضنة” التي تغذي هذه الأفكار. وتغيير البيئة قد يكون علاجًا سريعًا لمثل هذه الأفكار إذا لم تتغلغل في رأسها.
وهناك بعض “التنبيهات” بحكم الواقع في الغرب حتى تنجح خطة الإنقاذ ولا تأتي بنتيجة عكسية:
ابنتكِ الآن في الجامعة (أي أنها بالغة راشدة حسب القانون الأوروبي).
المخاطرة: إذا شعرت أن قرار العودة لبلد مسلم هو “عقاب” لها على خلع الحجاب أو تغيير أفكارها، فقد تعاند وتتمرد، والقوانين هناك تحميها وتسمح لها بالاستقلال عنكِ، وهنا تكون الكارثة الكبرى (أن تترك البيت وتعيش بمفردها في تلك البيئة).
الحل: فكرة السفر يجب أن تُطرح بذكاء، ليس بصيغة “الهروب من الفساد”، بل بصيغة “البحث عن فرصة أفضل”، أو “الاشتياق للأهل”، أو “تغيير الجو النفسي”، أو “تجربة العيش في بلدنا الأصلي لفترة”.
بدلاً من قرار نهائي مفاجئ بترك البلاد (وهو ما قد ترفضه بشدة الآن)، يمكن البدء بخطوة “الإجازة الطويلة”.
حاولي إقناعها بالسفر معكِ لبلد مسلم (بلدكم الأصلي أو غيره) في إجازة طويلة.
الهدف من هذه الرحلة هو “التخلص من السموم الفكرية”. ابتعادها عن ضغط الزملاء والجامعة والمجتمع الغربي لفترة، ورؤيتها لمجتمع مسلم يعيش حياته بشكل طبيعي وسعيد، قد يعيد تشغيل فطرتها.
في هذه الأثناء، حاولي ربطها بصحبة صالحة هناك، أو زيارة أماكن تشرح الصدر (مثل العمرة إن أمكن، فهي غسيل للروح).
لأن الضغط هناك ليس “فكرياً” فقط، بل هو ضغط نفسي واجتماعي.
هناك، الفتاة المحجبة الملتزمة تشعر أنها “منبوذة” أو “متخلفة” أو “غريبة” فتخلع الحجاب حتى تندمج ولا تشعر أنها منبوذة وقد رأيت حالات كثيرة كهذه ووثقتها.
في الغرب، المعيار هو المادة واللذة الفردية.
العودة لبيئة مسلمة (حتى لو كان فيها تقصير) تجعل شعائر الدين “أمراً طبيعياً” ومشتركاً عاماً، مما يزيل عنها ضغط “الشعور بالغرابة”.
وبما أنكِ الأم، وأنتِ أدرى بمفتاح شخصية ابنتكِ:
لا تواجهيها بالقرار الآن: لا تقولي لها “سنسافر لأنكِ انحرفتِ”.
مهدي للأمر: ابدأي بالحديث عن الحنين للوطن، أو عن ضيقكِ أنتِ من الغربة، أو عن رغبتكِ في أن ترتاحي قليلاً هناك.
استغلي الإجازات: حاولي سحبها من تلك البيئة في أقرب فرصة (عطلة الجامعة) لأطول فترة ممكنة.
القرار الحاسم: إذا رأيتِ أن بقاءها هناك سيؤدي إلى “الردة” والعياذ بالله أو ضياع الدين بالكلية، وكان بإمكانكِ نقل الأسرة كلها بطريقة لا تؤدي لتمردها وهروبها، فالفرار بالدين واجب، ولا شيء يعدل سلامة العقيدة.
أسأل الله أن يلهمكِ الحكمة في استدراجها للخير، وأن يكتب لكم النجاة من الفتن.
والآن دعينا نتعامل مع الأمر الواقع الحالي وأول نصيحة لكِ هي الهدوء التام في التعامل معها.
سوف أعطيكِ ما تيسر من أدوات تردين بها عليها لعلها تعيدها إلى الصواب:
أولاً: يجب عليك فهم لماذا تقول ابنتكِ هذا الكلام؟
ابنتكِ في الغالب لا تكره الإسلام كدين، لكنها واقعة تحت ضغط نفسي رهيب. المجتمع حولها يقول لها: “إذا كنتِ تعتقدين أن زميلتكِ اللطيفة ستدخل النار لمجرد أنها نصرانية أو ملحدة، فأنتِ وحشية ومتطرفة”. هي تريد أن تهرب من هذا الضغط، وتريد أن تكون “مقبولة” و”إنسانية” في نظر مجتمعها، فتبنت فكرة أن “الأخلاق هي الأساس” لتريح ضميرها وتتصالح مع محيطها. خلع الحجاب كان مجرد نتيجة لهذا التغير الفكري، وليس السبب.
ثانياً: كيف نرد على هذه الأفكار
عندما تناقشينها، لا تبدأي بالصراخ أو التوبيخ، بل ناقشيها بهدوء العاقل الذي يملك الحجة حتى لا تفقديها في هذا المجتمع الخطير فهناك نشرات وملصقات توزع على الفتيات تشجع على التمرد.
طالما أنها تناقش فهذا مؤشر جيد لأن غيرها تتهرب من النقاشات وهذا يعني أنها في البداية.
إليكِ الردود المفصلة على كل نقطة ذكرتها:
1. شبهة: “الإنسانية والأخلاق هي الأساس، والدين والعبادة ليست مهمة”
الرد: قولي لها: يا ابنتي، الأخلاق شيء عظيم، لكن الأخلاق بلا دين مثل الشجرة بلا جذور. من الذي يحدد ما هي “الأخلاق”؟
في الغرب، الشذوذ كان جريمة قبل 50 سنة، واليوم يعتبرونه “حقاً أخلاقياً”.
هتلر كان يرى أن “تطهير العرق” عمل أخلاقي نبيل لخدمة البشرية!
الاستعمار الغربي أباد الملايين باسم “نشر الحضارة”.
إذا لم يكن هناك إله يحدد الخير والشر، فالأخلاق تصبح مجرد “أهواء” و”آراء”. الإسلام هو الذي يعطي الأخلاق ثباتاً ومصدرًا إلهيًا.
الله لم يخلقنا لنكون “لطفاء” فقط، بل خلقنا لنعبده. يقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. الغاية من الوجود هي العبودية (التوحيد)، والأخلاق ثمرة من ثمرات هذه العبودية.
تخيلي موظفاً في شركة، خلوقاً جداً ومحترماً مع زملائه، لكنه يرفض الاعتراف بمديره، ويرفض تنفيذ المهام الأساسية المطلوبة منه. هل سيقبل المدير منه ذلك لمجرد أنه “لطيف”؟ ولله المثل الأعلى، كيف نقبل أن يتجاهل الإنسان خالقه الذي رزقه وأحياه، ثم نقول “المهم أخلاقه”؟! هذا جحود بحق الخالق.
2. شبهة: “غير المسلم يدخل الجنة، ولا يجوز تكفيره”
هذه الشبهة تنقض القرآن من أساسه.
قولي لها: يا ابنتي، لو أن شخصاً طيباً جداً وكريماً وخلوقاً، أراد السفر إلى دولة ما، لكنه لا يحمل “جواز سفر” ولا “تأشيرة دخول”. هل سيسمحون له بالدخول لمجرد أنه طيب؟ بالتأكيد لا. “التوحيد” (شهادة أن لا إله إلا الله) هو “جواز السفر” لدخول الجنة. هذا قانون الله في ملكه، والجنة ملك لله، يُدخل فيها من يشاء بشروطه هو، لا بشروطنا نحن.
القرآن واضح وحاسم في هذه المسألة، ولا مجاملة.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البينة: 6].
ويقول: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85].
إذا كان الجميع سيدخل الجنة (المسلم، والنصراني، والملحد) لمجرد “إنسانيتهم”، فلماذا أرسل الله الرسل؟
ولماذا تحمل الأنبياء العذاب؟ ولماذا نلتزم نحن بالصلاة والصيام والحجاب؟ يصبح الدين حينها “عبثاً” وحاشا لله أن يعبث.
تنبيه مهم: نحن لا نحكم على “شخص معين” (فلان بن فلان) بالنار بعينه إلا من ذكره الله ورسوله، لأننا لا ندري بما خُتم له (وهذا الأمر علمه عند الله). لكننا نحكم على “العمل” و”الوصف”: من مات على الكفر بدين محمد ﷺ بعد أن سمع به، فهو من أهل النار بنص القرآن. هذا حكم عام قطعي.
ثالثاً: كيف تتعاملين معها؟
الاحتواء لا الطرد: ابنتكِ في مرحلة “صدمة فكرية”. إذا واجهتها بالعنف والصراخ، ستخسرينها وستهرب أكثر إلى حضن أصدقائها وأفكارهم. كوني لها “الملاذ الآمن” حتى وهي مخطئة. قولي لها: “أنا أحبكِ وسأظل أحبكِ، وخوفي عليكِ هو دافعي لمناقشتكِ”.
استمعي أكثر مما تتكلمين: اجعليها تفرغ كل ما في جعبتها. اسأليها: “من أين سمعتِ هذا؟ وما دليلكِ عليه؟”. اجعليها تكتشف هشاشة منطقها بنفسها من خلال الأسئلة الذكية.
ربطها باليقين: مشكلة ابنتكِ ليست في “الحجاب” فقط (هذا عرض) ولا يمكن الآن مناقشتها في مسألة الحجاب وعقيدتها فيها خلل عظيم كهذا يتعلق بأصل الإيمان. هي تحتاج لترميم علاقتها بالله وبالقرآن. ذكّريها بأسماء الله الحسنى، وبعدله، وحكمته ثم بعد ذلك ناقشيها في الحجاب وهذا يسمى ترتيب الأولويات.
الصحبة البديلة: الوحدة في الغرب قاتلة، وضغط الأصدقاء في الجامعة كاسح. حاولي بحكمة أن تربطيها بمجتمع مسلم (نشاطات شبابية في المركز الإسلامي، فتيات مسلمات صالحات في عمرها). الإنسان ابن بيئته.
الدعاء في جوف الليل: سهام الليل لا تخطئ. قلب ابنتكِ بين أصبعين من أصابع الرحمن. ألحّي على الله أن يردها إليه رداً جميلاً، واعلمي أن الهداية بيد الله وحده، ودورك هو البلاغ والنصح والرحمة.
خلاصة القول لابنتكِ: “يا بنيتي، نحن لا نظلم أحداً، والله هو الحكم العدل. نحن نتعامل مع غير المسلمين بأعلى درجات الأخلاق والإحسان والبر في الدنيا، لكن أمر الآخرة والجنة والنار هو حق خالص لله، وقد أخبرنا بوضوح في كتابه من يدخل جنته ومن لا يدخلها. فلا نكون (ملكيين أكثر من الملك) ولا (أرحم من الله بعباده). إنسانيتنا نستمدها من خالق الإنسان، لا من أهواء البشر المتغيرة”.
ثبتكِ الله، وأقر عينكِ بهداية ابنتكِ وعودتها للحق، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

