سؤال من أحمد يقول: عايز تفصيل لمنطقية حد الردة
الجواب: أهلاً بك يا أحمد. سؤالك في غاية الأهمية، وهو يمسّ واحداً من أكثر التشريعات التي يُثار حولها الغبار في عصرنا، نظراً لاختلاف “المفاهيم الحاكمة” بين النظام الإسلامي والنظام العلماني الحديث.
في البداية وقبل كل شيء: المسلم لا يطبق شرع الله لأنه “اقتنع عقلياً” بجدواه فحسب، بل يطبقه لأنه “أمرٌ من الله ورسوله”، سواء أدركنا الحكمة أم غابت عنا. العقل عندنا خادم للنقل ومصدّق له، وليس حاكماً عليه.
لذلك قبل الخوض في أي منطق أو سياسة، يجب أن نُقرر قاعدة الإيمان الراسخة: نحن “مسلمون”، والمسلم هو من أسلم وجهه لله، وقبل حكمه ورضي به.
يقول الله تعالى مُقسماً بنفسه المقدسة: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]. فالإيمان لا يكتمل إلا بانتفاء الحرج من حكم النبي ﷺ، والتسليم المطلق له.
ويقول سبحانه حاسماً أمر الخيرة: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36].
حكم حد الردة ليس اجتهاداً من فقيه، ولا رأياً لسياسي، بل هو وحيٌ نطق به من لا ينطق عن الهوى ﷺ.
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (رواه البخاري).
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلا بِإِحْدَى ثَلاثٍ: … والتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» (متفق عليه).
فبمجرد ثبوت النص، نقول: “سمعنا وأطعنا”. هذا هو عهدنا مع الله، وهذا هو مقتضى “لا إله إلا الله”.
بعد أن أثبتنا الحكم بالنص والتسليم، يأتي دور العقل ليتأمل في “حكمة التشريع”، فيجد أن هذا الحكم الإلهي قمة في الحفاظ على الأمة، وأنه يتوافق مع “المنطق السياسي” لأي دولة تحترم دستورها.
لفهم “منطقية حد الردة”، يجب أن نخرج من صندوق “الحرية الشخصية الفردية” بمفهومها الليبرالي، وننظر للموضوع بمنظار “النظام العام” و”حفظ الكيان” وتقديم حق الله على حقوق البشر.
وسامحني أخي بالله عليك هل تحتاج في واقعنا الحالي حجة منطقية للاقتناع بحد الردة ونحن (المسلمون) يقام علينا حد الردة في كل أنحاء العالم؟
نحن نقتل ونباد في كل مكان لماذا؟ بسبب ديننا وعقيدتنا! هذا هو حد الردة الغربي ضد كل مسلم يطالب بتطبيق شرع الله!
فحد الردة الآن يطبق من جميع الأمم على المسلمين في فلسطين وبورما وتركستان الشرقية وفي جميع أنحاء العالم!
لكن عمومًا إليك تفكيك المنطق التشريعي والسياسي لهذا الحد في النقاط التالية:
الردة في المفهوم الإسلامي هي “خيانة عظمى”
في الدولة الحديثة، الانتماء يكون للوطن أو للدستور، ومن يخرج عليهما ويسعى لتقويضهما يُسمى “خائناً” وتُطبق عليه عقوبة “الخيانة العظمى” التي تصل في أغلب دول العالم (بما فيها أمريكا ودول أوروبا) إلى الإعدام، خاصة في أوقات الحرب أو التهديد الوجودي.
في الإسلام، الدين هو “الدستور” وهو “جامعة المسلمين”. والخارج منه “المفارق للجماعة” (كما في نص الحديث) هو بمثابة الخائن لوطنه (في العرف المعاصر) أو المنقلب على الدستور.
المسلم هو “مواطن” في دولة الإسلام، وعقده معها هو “الإسلام”.
فالمرتد الذي يُعلن ردته ويجهر بها، هو بمثابة المنشق عن النظام، والداعي لتمزيق الرابطة التي تجمع المجتمع.
وزاد الأمر على الردة في العصر الحديث أن أصبحت الردة + العمالة والخيانة لصالح أعداء الأمة.
وفي قراءة واقعية للمشهد، نجد أن ظاهرة الردة عند بعض العرب لم تعد مجرد تغيير لقناعات شخصية، بل تحولت إلى اصطفاف صريح مع الغرب وتبنٍ كامل لأجنداته. هذا التحول في الولاء يضع هؤلاء -وفق الأعراف السياسية والقوانين الدستورية الحديثة- في خانة ‘الخيانة العظمى’؛ إذ نرى ولاء المرتد ينتقل فور إلحاده من أمته إلى المعسكر الغربي، بل قد يدفعه الحقد إلى المطالبة بالتدخل العسكري الأجنبي في بلاده وتدمير سيادتها بحجة القضاء على ‘التخلف’. ولقد شهدنا نماذج واقعية كثيرة لهذا السلوك، مما يؤكد أن ‘حد الردة’ في الإسلام ليس مجرد عقوبة، بل هو صمام أمان ضروري يحمي المجتمع من هذا العبث، ويقطع الطريق على محاولات اختراق الأمن العام وزعزعة استقرار الأمة من الداخل.
الفرق بين “الاعتقاد الباطن” و”التمرد المعلن”
وهذه نقطة دقيقة جداً يغفل عنها الكثيرون: الإسلام لا يُفتش عن القلوب: لو أن شخصاً كفر بقلبه، أو ألحد بينه وبين نفسه، وجلس في بيته، فإن الدولة الإسلامية لا تقتحم عليه بيته لتشق عن صدره وتقتله.
والدليل أن “المنافقين” في عهد النبي ﷺ كانوا كفاراً في الباطن، وكان الوحي يخبر النبي ﷺ بهم، ومع ذلك لم يقتلهم لأنهم لم يعلنوا الكفر الصراح الذي يهدم النظام العام.
حد الردة يتعلق بثبوت الكفر على الشخص وهذا لا يمكن إلا بالإعلان والجهر: العقوبة تتوجه لمن أعلن كفره وثبتت عليه يقينًا وهذه مسألة قضائية لها ضوابطها وليست لآحاد الناس وتطبيق الحد له ضوابطه.
والأسوأ من ذلك أن يحول كفره هذا إلى “دعوة” و”حرب” و”تمرد” على قيم المجتمع، وسعى لفتنة الناس في دينهم. فهنا الخيانة الأعظم، لأنه انتقل من الكفر (وهذه ردة يستحق عليها الاستتابة والحد) إلى “تخريب النظام” وكلنا نعلم يقينًا من يمول هؤلاء ولحساب من يعملون فالقضية ليست مجرد رأي أو شبهة طرأت لمسلم فسأل عنها بل هي دعوة للكفر بتمويل ودعم أعداء الأمة وبشكل معلن وصريح وانظر قناة الحرة من يمولها؟ وجميع الملاحدة العرب من يمولهم؟ فهذه خيانة وليست حرية شخصية.
حماية الدين مقدمة على حماية الأبدان
كل نظام قانوني في العالم له “مقدس” يحميه بأقصى العقوبات.
مثلا النظام الرأسمالي يقدس “المال والملكية”، لذا قد يقتل دفاعاً عنهما ورأينا كيف قامت أمريكا باختطاف رئيس فنزويلا وقتل العشرات أثناء العملية فقط لإخضاع الدولة والحصول على نفطها وثرواتها وهذا يمكن أن نطلق عليه (حد الردة الاقتصادي) وقد مارست أمريكا خلال العقود الماضية نفس السياسة مع كثير من الدول عبر الانقلابات العسكرية والغزو.
والنظام القومي يقدس “الحدود والسيادة”، لذا يقتل من يخونها.
أما في الإسلام فالقدسية للدين والعقيدة، لأن خسارة الدين تعني الخلود في الشقاء الأبدي (النار)، بينما خسارة الدنيا بالموت هي خسارة مؤقتة.
فمنطق الشرع يرى أن حماية عقائد ملايين البشر من التشكيك والفتنة، أهم من حياة فرد واحد قرر أن يهدم هذه العقائد علناً.
تخيل أن تترك شخصًا يضل عباد الله ويسرق آخرتهم ويتسبب في دخولهم جهنم ثم تقول هذه حرية والعجيب يستشهد بكلام الله!
يقول: أليس الله يقول ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾؟ الجواب: بلى، وهذه الآية محكمة.
الدخول في الإسلام: لا إكراه فيه ابتداءً. لا يجوز إجبار كافر أصلي على الإسلام.
الخروج من الإسلام: هو إخلال بـ “عقد الالتزام”.
المثال التقريبي: أنت حر تماماً في أن تلتحق بالجيش أو لا تلتحق (في حال التطوع)، لكن بمجرد أن ترتدي البزة العسكرية وتقسم اليمين، لا تملك الحرية في أن تلقي سلاحك وتغادر أرض المعركة متى شئت، وإلا حوكمت عسكرياً بتهمة الفرار أو الخيانة وربما قتلت. إذا كان الجندي الذي يفر من المعركة أو ينضم للعدو يُعدم ميدانياً في القوانين العسكرية لحماية الجيش من الانهيار، فالمسلم “جندي” في معركة الحق والباطل، وارتداده العلني انحياز لصف الباطل ووهن في صف المسلمين، فاستحق العقوبة تغليظاً وحماية للمجموع.
دخول الإسلام “عقد” له شروط، ومن شروطه الالتزام به وعدم الخروج عليه وإفساد المجتمع.
والقرآن تحدث عن هذه المسألة بشكل واضح وصريح لأن هذه وسيلة لتشكيك المسلمين وهذا حصل في صدر الإسلام.
لو فُتح باب الردة بلا عقوبة، لأصبح الدين “ألعوبة” ومسرحاً للمناورات السياسية، كما قالت طائفة من اليهود في صدر الإسلام: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. فكانت الخطة: ندخل الإسلام صباحاً ونخرج منه مساءً لنُحدث بلبلة ونقول للناس “جربناه ولم نجد فيه خيراً”. حد الردة يقطع الطريق على هذا التلاعب؛ فالدين ليس فندقاً تدخله وتخرج منه للتجربة.
لكن دعنا نسأل: من الذي يعترض على حد الردة ويسلط هؤلاء لإنكاره؟ الغرب وتيار الحداثة التابع له!
الغرب الذي يعترض على حد الردة، يبيح قتل “الجاسوس” و”الخائن للوطن” لأنه هدد “أمن الدولة” بل يبيح غزو الدول وقتل الملايين (حد الردة الجماعي) لأجل مصالح الدولة وهيمنتها كما تفعل أمريكا وروسيا وغيرها من الدول القوية ولا نتحدث عن الحروب السابقة بل نتحدث عن الواقع الحالي.
السؤال المنطقي: لماذا يكون “أمن الدولة” و”الحدود الترابية” مقدساً يستحق القتل دونَه، بينما يكون “أمن العقيدة” و”مصير الناس الأخروي” هيناً لا يستحق الحماية؟
هذا اختلال في “ميزان القيم” فهؤلاء جعلوا الدولة (الصنم الحديث) فوق كل شيء، ونحن جعلنا الله ودينه فوق كل شيء.
هل تريد مجتمعاً “سداح مداح” تُنتهك فيه أقدس مقدساته تحت مسمى الحرية، أم مجتمعاً يحترم عقده التأسيسي؟
حتى الليبرالية التي هي الحرية المطلقة (حسب زعمهم) تضع “خطوطاً حمراء” (مثل معاداة السامية أو إنكار الهولوكوست أو رفض حقوق الشواذ في الغرب)، فمن أعطاهم الحق في وضع خطوط حمراء ومنعنا نحن من حماية ديننا؟
نحن نقيم الحد طاعةً لله ورسوله أولاً، ثم ندرك بعقولنا أن في هذا الحكم حياةً للأمة، وحفظاً لهويتها، وصيانةً لتماسكها أمام محاولات التفكيك والاختراق، وحد الردة ليس عقوبة على “الفكر المجرد”، بل هو عقوبة “شرعية” لحماية كيان الأمة وهويتها من التفكك، ولمنع الجهر بالخيانة العظمى للنظام الإسلامي العام. وهو تشريع وقائي رادع يحفظ للمجتمع تماسكه واستقراره العقدي.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33].
والمرتد المجاهر الداعي لردته يجمع بين الوصفين المذكورين في الآية: المحاربة: المحاربة ليست بالسيف فقط، بل “محاربة العقيدة” و”محاربة الثوابت” هي رأس المحاربة، لأنها تهدم الأسس التي يقوم عليها المجتمع المسلم.
السعي في الأرض فساداً: أيُّ فسادٍ أعظم من فتنة الناس في دينهم وتفكيك عرى المجتمع؟ إذا كان قاطع الطريق يُقتل لأنه يفسد أمن الطرق والأموال، فالمرتد الداعية يُقتل من باب أولى لأنه يفسد “أمن العقول والقلوب” ومصير الناس في الآخرة.
وفي الختام أخي الكريم.. اعلم أن الله ما وضع لهذه العقيدة سياجاً من حديد (حد الردة) إلا لأن ما بداخله كنزٌ عظيمٌ هو سر سعادة البشرية ونجاتها. لو كان الدين رخيصاً لما حُمِيَ بالدماء، ولكن لأنه أغلى من الروح، شُرع بذلُ الروح دونه. فتمسك بدينك وعض عليه بالنواجذ، ولا تبيعه بشبهة عابرة في سوق الأفكار المتغيرة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.”

