بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد،
فإن الباعث على كتابة هذا البحث هو ما أطلقه المدعو عادل عصمت من تصريحات يتحدى فيها المسلمين أن يأتوا بآية واحدة تذكر أركان الإسلام الخمسة مجتمعة، ظاناً أنه بهذا السؤال قد أتى بما لم يستطعه الأولون والآخرون!
وكان بإمكاني أن أكتفي بسرد الآيات القرآنية التي ترد عليه، فهي كثيرة ظاهرة لا تخفى على من له أدنى إلمام بكتاب الله. لكنني آثرت أن يكون هذا البحث شاملاً مستوعباً لكل ما يتعلق بهذه الشبهة، محيطاً بها من جميع جوانبها: العقلية والنقلية واللغوية والمنهجية.
وما دفعني إلى هذا التوسع هو إدراكي أن هدف القوم ليس البحث عن الحقيقة، ولا طلب العلم، ولا الاستفهام الصادق. بل إن غايتهم الحقيقية هي إنكار السنة النبوية جملة وتفصيلاً، وإبطال الاستشهاد بها في أي باب من أبواب الدين. فهم يتخذون من هذا السؤال ذريعة للوصول إلى غاية أبعد، وهي فصل الأمة عن نبيها صلى الله عليه وسلم، وقطع الصلة بين الكتاب وبيانه، تمهيداً لتحريف معاني القرآن وفق أهوائهم ومصالحهم.
ولذلك جاء هذا البحث مطولاً مفصلاً، أخاطب به العامة والخاصة على حد سواء. أما العامة فليجدوا فيه ما يثبت قلوبهم ويحصنهم من هذه الشبهات التي تُلقى عليهم في وسائل التواصل والقنوات. وأما الخاصة وطلبة العلم فليجدوا فيه مادة علمية متكاملة يستطيعون الرجوع إليها والإفادة منها في ردودهم ومناظراتهم.
وإنني أُبيح لكل مسلم أن ينقل من هذا البحث ما شاء، وأن يعيد استخدامه كيف شاء، دون حاجة إلى ذكر المصدر أو الإشارة إلى الكاتب. فالغاية هي نصرة دين الله وحماية عقول المسلمين من التشكيك في ثوابتهم، ولا أبتغي من وراء ذلك جزاءً ولا شكوراً من أحد.
وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن ينفع بهذا البحث المسلمين، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يرد به كيد الكائدين، وأن يحفظ هذه الأمة من كل من يريد بها سوءاً في دينها أو دنياها.
والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.
مقدمة البحث
يردد بعض منكري السنة النبوية سؤالاً يظنونه ذكياً حين يقولون: “نتحداكم أن تأتوا بآية واحدة تقول إن أركان الإسلام خمسة كما تقولون بالحديث”. والحقيقة أن هذه الشبهة رغم بساطتها الظاهرة تكشف عن جهل عميق بمنهج القرآن الكريم في التشريع، وبالعلاقة التكاملية بين الكتاب والسنة النبوية الشريفة، بل هي محاولة بائسة لعزل الرسول صلى الله عليه وسلم عن رسالته التي أُمر ببيانها.
هذا السؤال ليس سؤالاً يبحث عن الحق، بل هو مغالطة منطقية مكشوفة تقوم على “الإلزام الباطل” بما لم يُلزمنا به الله، والهدف منه القفز فوق سلطة النبي صلى الله عليه وسلم في التشريع والبيان. وهؤلاء يريدون “ديناً على مقاس أهوائهم”، يحذفون منه ما يشاؤون باسم “عدم وجود آية برقم محدد”.
يهدف هذا البحث إلى تفنيد هذه الشبهة من جذورها، وبيان أن الأركان الخمسة مذكورة في القرآن بنصوص واضحة لا لبس فيها، وأن المطالبة بآية تجمعها في صيغة واحدة هي مغالطة منطقية لا تستقيم مع منهج القرآن ولا مع العقل السليم.
الباب الأول: كشف الخلل المنطقي في السؤال
الفصل الأول: فساد السؤال من أساسه
الوقوف عند عتبة هذا السؤال “أين الآية التي تذكر الأركان مجتمعة؟” يكشف عن خلل منهجي جذري في فهم طبيعة الوحي. فالقرآن الكريم ليس “كتالوجاً” تجارياً يُرصّ في صفحة واحدة، ولا “قائمة مشتريات” مرقمة، ولا كتاب “فهرسة وحساب” يسرد القواعد في قوائم كالقوانين الوضعية. بل هو كتاب هداية وتشريع نزل مُفصّلاً على مدى ثلاث وعشرين سنة، يُرسّخ القواعد ويُفصّل الأحكام ويربط القلوب بخالقها وبنبيها صلى الله عليه وسلم.
لو تأملنا هذا السؤال جيداً لوجدناه يقوم على عدة مغالطات متراكبة:
أولاً: مغالطة الإلزام الباطل – إذ يُلزمون المسلمين بشرط لم يشترطه الله عز وجل. فالقرآن لم يَعِد أن يذكر كل شيء بأرقام وقوائم مرتبة، بل جعل للنبي صلى الله عليه وسلم دور البيان والتفصيل.
ثانياً: مغالطة الحصر اللفظي – حيث يفترض المعترض أن الحقائق لا تثبت إلا إذا وردت في قالب لغوي واحد ومحدد يختاره هو.
ثالثاً: مغالطة طلب الدليل المتطابق – وهي افتراض أن القرآن يجب أن يسرد القواعد كما تُسرد في الكتب المدرسية.
رابعاً: مغالطة التفكيك – محاولة فصل “النص” عن “البيان”، وفصل القرآن عن الوحي النبوي الذي أُمرنا باتباعه.
خامساً: مغالطة الشرط التعجيزي – وضع شرط لم يضعه الله ولا رسوله، وهو وجوب ورود كل التشريعات في آية واحدة.
سادساً: مغالطة المنحدر الزلق ومغالطة رجل القش – فأهل السنة لا يقولون إن القرآن “كتاب رياضيات” يسرد الأرقام، بل هو كتاب هداية وتشريع.
ولو طبقنا منطقهم هذا على أمور أخرى لوصلنا إلى نتائج كارثية تهدم الدين كله:
هاتوا آية تحدد الصلوات الخمسة!
هاتوا آية تحدد ركعات الفجر!
هاتوا آية تحدد ركعات الظهر!
هاتوا آية تفصّل مناسك الحج كاملة!
هاتوا آية تحدد نصاب الزكاة بالأرقام!
هاتوا آية تحدد الأنبياء كلهم!
هاتوا آية تذكر صفة الوضوء كاملة من التسمية إلى غسل الرجلين!
إن مطالبتهم بآية تجمع الأركان كمطالبة قاضٍ بفقرة واحدة تجمع كل القانون الجنائي! وهذا يكشف فساد المنطق من أساسه.
الفصل الثاني: السؤال الإلزامي الذي يُسقطهم
ثمة سؤال بسيط يُسقط حجتهم من أساسها: كيف تصلون أنتم؟ وكيف تحجون؟ وكيف تزكون؟ بأي كيفية تؤدون هذه العبادات؟
لو قالوا “لا نفعل شيئاً من ذلك” فقد خرجوا من الإسلام بإنكار الفرائض المعلومة بالضرورة.
ولو قالوا “نفعل كما نشاء” فقد جعلوا الدين فوضى لا ضابط لها.
ولو قالوا “نفعل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم” سقطت شبهتهم في الحال، إذ كيف عرفوا فعله إلا من السنة التي ينكرونها؟
وثمة سؤال إلزامي آخر: هل أركان الإسلام عندكم أربعة أم ماذا؟ هل تُنكرون أن الصلاة فرض؟ والزكاة فرض؟ والصوم فرض؟ والحج فرض؟ والشهادة فرض؟
إن قالوا “نعم ننكر” فقد هدموا القرآن الذي تأمر آياته بكل ذلك صراحة.
وإن قالوا “لا، هي فرائض” فقد أقروا بالأركان الخمسة، وبطل تحديهم الصبياني الذي لم يكن إلا جدالاً بالباطل.
الفصل الثالث: مغالطة العدد الجامع
القرآن الكريم ذكر آدم ونوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام في مواضع متفرقة، لكنه لم يقل في آية واحدة “عدد الأنبياء”. فهل يعني هذا أننا لا نعرف عدد الأنبياء المذكورين في القرآن؟ بالطبع لا. فالقرآن ذكرهم والسنة جمعت وفصلت، وهذا هو المنهج القرآني في التشريع.
بل إن القرآن ذكر خمسة من أركان الإيمان في آية واحدة وسكت عن السادس وهو القدر، قال تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا}. فهل نقول إن القدر ليس ركناً من أركان الإيمان؟ بالطبع لا، لأن الحقائق الشرعية تُؤخذ بمجموع النصوص لا ببتر آية واحدة عن سياق الكتاب كله.
الفصل الرابع: الحكمة الإلهية في منهج التشريع
القرآن الكريم أمر بالصلاة دون أن يفصل عدد الركعات، وأمر بالزكاة دون أن يحدد النصاب بالأرقام، وأمر بالحج دون أن يستوعب كل المناسك بالترتيب، وذكر الصيام مع بعض التفصيل. وهذا ليس نقصاً بل هو تصميم إلهي مقصود.
يقول الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}. فالبيان والتفصيل وظيفة أوكلها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، ومن يرفض هذا البيان فهو يرفض ما أمر به القرآن نفسه.
قال الإمام ابن كثير في تفسيره: “أي: وأوحينا إليك هذا القرآن لتعلم الناس مراد الله وتفسر لهم ما أشكل عليهم”.
فالنبي صلى الله عليه وسلم حين لخّص لنا هذه الفرائض العظيمة المنتشرة في كتاب الله وجمعها في حديث “بُني الإسلام على خمس”، لم يأتِ بشيء من عنده، بل قام بمهمته “البيانية” التي كلفه الله بها، وهي جمع شتات المحكمات في قاعدة جامعة تيسر على المسلم فهم دينه. جاء البيان النبوي المعصوم ليجمعها في عقد واحد ليسهل على الأمة حفظ دينها.
ولهذا الإيجاز القرآني وتفصيل السنة حكم بالغة، منها:
أولاً: إثبات حجية السنة، فلو ذُكر كل شيء في القرآن لادعى قوم الاستغناء عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ثانيًا: ربط الأمة برسولها صلى الله عليه وسلم بحاجتها الدائمة للرجوع إليه.
ثالثًا: المرونة المنضبطة، حيث يعطي القرآن الأصول والسنة تفصلها وتطبقها.
رابعًا: حماية الدين من التزيد والنقصان، فحصر الأركان في خمسة يحمي الدين، إذ هل يجرؤ أحد أن يضيف ركناً سادساً من عنده؟ أو يحذف ركناً؟
خامسًا: تفريق الأركان في ثنايا الكتاب دليل على مركزية كل ركن واستقلاليته بأدلة تفصيلية تُبرز جلالة قدره.
الفصل الخامس: الهدف الخبيث من وراء الشبهة
الهدف من هذا التحدي ليس البحث عن آية، بل هو محاولة “علمنة الإسلام” من داخله، وتفريغه من روحه التعبدية وتحويله إلى مجرد قيم إنسانية سائلة توافق مزاج الغرب والمنظمات الدولية.
إنهم يريدون “نَزع المركزية” عن أركان الإسلام الخمسة، لفتح الباب أمام القراءة المنحرفة المسماة زوراً بالمعاصرة لتقول:
“الصلاة ليست هي الحركات المعروفة”
“الحج ليس في مكة”
“الزكاة هي ضريبة للدولة العلمانية”
إنهم يريدون هدم “البنية الهيكلية” للإسلام لكي يتحول الدين إلى “سيولة فكرية” لا شكل لها ولا ضابط، فيستطيع الملحد والعلماني والزنديق أن يدعي أنه “مسلم” وفق رؤيته الخاصة، طالما أننا هدمنا “الأركان” التي تحدد هوية المسلم.
إنكار “العدد” الوارد في الحديث هو مدخل لإنكار “المعدود” في القرآن! فهم لا يحاربون “الحديث” بل يحاربون قدرة العقل على الربط بين آيات القرآن، ويريدون ديناً “مجزءاً” يسهل عليهم تحريفه وتفكيكه.
الباب الثاني: الشواهد القرآنية على أركان الإسلام
قبل الخوض في التفاصيل، نؤكد على قاعدة جوهرية: القرآن الكريم ذكر الأركان الخمسة كلها بنصوص صريحة لا تحتمل التأويل، لكنه أوكل الجمع والترتيب والتفصيل للنبي صلى الله عليه وسلم. هذه الأركان هي “أعمدة الخيمة” التي رفعها الوحي في كل سورة، وهي “هيكل تنظيمي لفرائض القرآن”.
الفصل الأول: الشهادتان في القرآن الكريم
المبحث الأول: شهادة أن لا إله إلا الله
جاءت هذه الشهادة في القرآن بصيغ متعددة تؤكد على التوحيد الخالص:
يقول الله تعالى في سورة محمد: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ}، وهذا أمر صريح بالتوحيد.
وفي آل عمران نجد آية عظيمة: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، حيث يشهد الله ذاته والملائكة وأهل العلم بهذه الحقيقة العظمى.
وفي آية الكرسي التي هي أعظم آية في كتاب الله نقرأ: {اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}.
وتتوالى الآيات في هذا المعنى، ففي سورة البقرة: {وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ}.
وفي الصافات يذم الله من يرفض هذه الشهادة: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ}.
والأمر بالتوحيد كان رسالة جميع الأنبياء، كما في سورة النحل: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}، وفي الأنبياء: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}.
المبحث الثاني: شهادة أن محمداً رسول الله
القرآن صريح في إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم. ففي سورة الفتح نقرأ نصاً قاطعاً: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}.
وفي آل عمران: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ}.
وفي الأحزاب تأتي الآية الجامعة: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ}.
وتبين آيات أخرى عموم رسالته صلى الله عليه وسلم، ففي سورة الأنبياء: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}، وفي سبأ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا}، وفي الأحزاب: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا}.
المبحث الثالث: الربط بين الشهادتين
القرآن يربط بين الإيمان بالله والإيمان برسوله في آيات كثيرة. يقول تعالى في سورة النساء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ}، وفي البقرة: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا}.
بل إن القرآن يتوعد من لم يؤمن بهما معاً، ففي سورة الفتح: {وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا}.
وفي سورة الحجرات آية عظيمة تجعل عدم الارتياب شرطاً للإيمان: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا}. فكيف يرتاب المرء في سنة رسوله بعد هذا؟
الفصل الثاني: الصلاة في القرآن الكريم
الأمر بإقامة الصلاة من أكثر الأوامر تكراراً في القرآن الكريم، إذ ورد الأمر بها في أكثر من مائة موضع.
يقول الله تعالى في سورة البقرة: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ}.
وفي سورة النساء تأتي آية تبين فرضيتها وتوقيتها: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا}.
ومما يلفت النظر أن القرآن استخدم صيغة الجمع في قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}، وهذا دليل واضح على تعدد الصلوات لا كونها صلاة واحدة. كما أن ذكر “الصلاة الوسطى” يدل على وجود صلوات قبلها وبعدها.
وتتوالى الآيات في الأمر بالصلاة: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} في طه، {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} في الكوثر.
وفي سورة هود إشارة إلى أوقات الصلاة: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ}، وفي الإسراء: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ}.
والصلاة من صفات المؤمنين كما في سورة المؤمنون: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}، وفي البقرة بيان لعظمتها: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ}.
أما التهاون فيها فله عاقبة وخيمة كما في سورة الماعون: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: إذا كان القرآن قد ذكر الصلوات بصيغة الجمع وأشار إلى أوقاتها، فمن أين نعرف عددها وكيفيتها التفصيلية إن لم تكن السنة حجة؟ إن إنكار السنة يجعل “إقامة الصلاة” مستحيلة، وهذا تكليف بما لا يُطاق، وهو محال على الله.
الفصل الثالث: الزكاة في القرآن الكريم
الزكاة من أكثر الفرائض ذكراً في القرآن الكريم، إذ وردت في ثمان وعشرين آية، وغالباً ما تُقرن بالصلاة مما يدل على عظم شأنها. بل تكرر الأمر بالصلاة والزكاة معاً في عشرات المواضع.
يقول الله تعالى في سورة البقرة: {وَآتُوا الزَّكَاةَ}، وفي التوبة: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا}.
واقتران الصلاة بالزكاة يتكرر في مواضع كثيرة، منها قوله تعالى في البقرة: {وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ}.
وهي من صفات المؤمنين كما في سورة المؤمنون: {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ}.
والعجيب أن القرآن جعل ترك الزكاة من صفات المشركين، ففي سورة فصلت: {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ}.
وبين القرآن أن في المال حقاً للمحتاجين: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} في سورة الذاريات.
كما فصل القرآن مصارف الزكاة في سورة التوبة: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ}.
ووعد الله المزكين بمضاعفة الأجر: {وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} في سورة الروم.
الفصل الرابع: صيام رمضان في القرآن الكريم
ربما يكون الصيام هو الركن العملي الأكثر تفصيلاً في القرآن الكريم.
يقول الله تعالى في سورة البقرة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، والتعبير بـ”كُتب” يفيد الفرضية القاطعة المطلقة.
ثم يحدد القرآن الشهر بالاسم: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}. والأمر بـ{فَلْيَصُمْهُ} أمر جازم بركنية هذا الفعل في وقت معلوم.
وذكر القرآن رخصة المريض والمسافر: {أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}.
وحدد القرآن وقت الصيام بدقة: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}، وبين أحكام ليلة الصيام: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ}.
فالقرآن ذكر في الصيام: اسم الشهر، وبداية الصيام، ونهايته، والرخص المتاحة، وبعض الأحكام التفصيلية، بل وذكر ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.
الفصل الخامس: الحج في القرآن الكريم
الحج مذكور في القرآن في سبعة وعشرين موضعاً، ولفظ “الحج” ذاته ورد اثنتي عشرة مرة في ثماني آيات.
والآية الأصل في فرضيته قوله تعالى في آل عمران: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}، وهي تجمع بين الفرضية وشرط الاستطاعة.
وتأمل ختام الآية: {وَمَن كَفَرَ}! جعل الله ترك الحج مع الاستطاعة كفراً، فهل هناك دليل على الركنية أعظم من هذا؟
والأمر بإتمام الحج جاء في سورة البقرة: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}.
وذكر القرآن نداء إبراهيم عليه السلام: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} في سورة الحج.
وبين القرآن بعض المناسك: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}، وذكر أشهر الحج وآدابه: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ}.
كما ذكر السعي: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا}، والوقوف بعرفة والمشعر الحرام: {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ}، وأيام التشريق: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ}.
الفصل السادس: الآيات الجامعة في القرآن
المبحث الأول: آية البينة
ثمة آية عظيمة في سورة البينة تجمع جوهر العبادة، يقول الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}.
تأملوا في قوله: {وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}! الصلاة والزكاة والإخلاص لله هي محض الدين وقوامه.
هذه الآية تتضمن ثلاثة أركان صريحة: التوحيد والإخلاص الذي هو جوهر الشهادتين، والصلاة بنص صريح، والزكاة بنص صريح. ثم ختمت بأن هذا هو “دين القيمة” أي الدين المستقيم القويم. أما الصيام والحج فقد ذُكرا بالتفصيل في مواضع أخرى كما مر بيانه.
المبحث الثاني: آية البر
قال تعالى: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ}.
هذه الآية وحدها جمعت أركان الإيمان والشهادتين والصلاة والزكاة. فهل سقط الدين لأن “الصوم” لم يُذكر في نفس السطر؟ أم أن العجز عن جمع آيات القرآن هو الذي جعلهم يتوهمون “تحدياً”؟
المبحث الثالث: آية صفات المؤمنين
قال تعالى في سورة التوبة: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ}.
فالمكونات موجودة في القرآن، والوصف بأنها “أركان” أو أنها “خمسة” هو الترتيب النبوي التعليمي لهذه الأصول.
الباب الثالث: أمر القرآن بالرجوع للبيان النبوي
الفصل الأول: آيات البيان والطاعة
القرآن الكريم لم يكتف بذكر الأحكام مجملة، بل أمر صراحة بالرجوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم للبيان والتفصيل. والقرآن أمر بطاعة الرسول في أكثر من خمسين موضعاً.
يقول الله تعالى في سورة النحل: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}. فالبيان وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم بأمر الله عز وجل. ومنكرو السنة يزعمون أن دور النبي هو “ساعي بريد” فقط، لكن القرآن يكذبهم بهذه الآية الصريحة.
وفي سورة الحشر أمر صريح بالأخذ عن النبي: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}. هل يشترطون أن يقول الله: “وما آتاكم الرسول من الأرقام فخذوه”؟ الآية عامة وشاملة لكل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي سورة النساء: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}، فطاعته طاعة لله.
وفي الآية نفسها بيان أن الطاعة هي غرض الإرسال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ}.
والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم واجب كما في سورة الأحزاب: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}.
والتحذير من مخالفته شديد: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} في سورة النور.
الفصل الثاني: آية التحكيم ونفي الإيمان
من أعظم الآيات في هذا الباب قوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.
قضى الرسول صلى الله عليه وسلم بأن أركان الإسلام خمسة، فمن وجد في نفسه حرجاً من هذا الرقم أو هذا الحصر، أو طالب بآية “مرقمة” ليصدق الرسول، فهو بنص هذه الآية “غير مؤمن” حتى يُسلّم لقضاء الرسول صلى الله عليه وسلم تسليماً كاملاً بلا حرج.
الفصل الثالث: كلام النبي وحي من الله
في سورة النجم تأكيد قاطع أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم ليس من هواه: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ}. وهذا يعني أن ما يأتينا عن النبي في أمر الدين هو من عند الله.
وفي سورة النساء يقرن الله طاعته بطاعة رسوله: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}، وفي إبراهيم: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ}.
بل إن الإعراض عن الرسول علامة نفاق كما في سورة النساء: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا}.
الفصل الرابع: الكتاب والحكمة
كرر القرآن ذكر “الكتاب والحكمة” في مواضع كثيرة، كقوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}، وقوله: {وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}.
أجمع علماء السلف أن “الحكمة” هنا هي السنة النبوية. فالحديث عن الأركان الخمسة هو من “الحكمة” التي علمها الله لنبيه ليُعلمها للأمة، وهي وحيٌ من الله.
الفصل الخامس: آيات التفريق بين الله ورسله
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا}.
هذا هو حال من يريد التفريق بين الله (القرآن) ورسوله (السنة)، فدمغهم الله بوصف “الكافرون حقاً”.
وقال تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ}.
الفصل السادس: حديث أصحاب الأرائك
لقد أنبأنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم بظهور منكري السنة قبل أربعة عشر قرناً! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ…» رواه أبو داود والترمذي بسند صحيح.
أليس هذا هو عين ما يفعله هؤلاء؟ “أصحاب أرائك” في القنوات والمنصات، يريدون نسخ أربعة عشر قرناً من الإجماع ليضعوا ديناً جديداً يوافق أهواءهم!
والنتيجة الحاسمة هنا أن من رفض البيان النبوي فقد رفض ما أمره القرآن بقبوله، ومن أنكر السنة فقد خالف القرآن الذي يدعي الاكتفاء به.
الباب الرابع: إلزامات عملية لا مفر منها
الفصل الأول: استحالة أداء الصلاة بدون السنة
ثمة أسئلة لا يمكن الإجابة عليها من القرآن وحده:
كم عدد الصلوات اليومية؟ خمس صلوات
كم ركعة في صلاة الفجر؟ ركعتان
وكم في الظهر؟ أربع ركعات
وكم في العصر؟ أربع ركعات
وكم في المغرب؟ ثلاث ركعات
وكم في العشاء؟ أربع ركعات
ما أركان الصلاة؟ القيام والركوع والسجود والتشهد وغيرها
ماذا نقرأ فيها؟ الفاتحة وما تيسر من القرآن
ما التشهد وما صيغته؟ التحيات لله والصلوات والطيبات…
كل هذه التفاصيل الضرورية لأداء الصلاة مصدرها السنة النبوية.
فبدون السنة لا صلاة صحيحة. بل إن إنكار السنة يجعل “إقامة الصلاة” مستحيلة، وهذا تكليف بما لا يُطاق، وهو محال على الله.
الفصل الثاني: استحالة أداء الحج بدون السنة
كيف نعرف ترتيب مناسك الحج من الإحرام إلى الطواف إلى السعي إلى يوم التروية إلى الوقوف بعرفة إلى المبيت بمزدلفة إلى رمي الجمار إلى النحر إلى الحلق إلى طواف الإفاضة؟
كم عدد أشواط الطواف؟ سبعة
وكم عدد أشواط السعي؟ سبعة أيضاً
ما وقت الوقوف بعرفة؟ من زوال يوم عرفة إلى فجر يوم النحر
ما هي الجمرات وكيف نرميها؟ الصغرى والوسطى والكبرى، بسبع حصيات لكل منها
كل هذا من السنة، وبدونها لا حج.
الفصل الثالث: استحالة أداء الزكاة بدون السنة
ما نصاب الذهب الذي تجب فيه الزكاة؟ خمسة وثمانون جراماً
وما نصاب الفضة؟ خمسمائة وخمسة وتسعون جراماً
وما نسبة الزكاة؟ اثنان ونصف بالمائة
ومتى تجب؟ بعد مرور حول كامل على ملك النصاب
وما أنصبة الأنعام من الإبل والبقر والغنم؟ لكل منها تفصيل دقيق في السنة
وما زكاة الزروع؟ العشر إذا سُقيت بلا كلفة، ونصف العشر إذا سُقيت بكلفة
فبدون السنة لا زكاة صحيحة.
الفصل الرابع: حتى الصيام يحتاج السنة
رغم أن الصيام هو الأكثر تفصيلاً في القرآن، إلا أن كثيراً من أحكامه تحتاج إلى السنة:
ما المفطرات بالتفصيل؟
هل القيء المتعمد يفطر؟
ما حكم الحقن والإبر؟
ما كفارة الجماع في نهار رمضان؟
ما أحكام صيام التطوع؟
كل هذا نجده في السنة النبوية الشريفة.
الباب الخامس: تناقضات منكري السنة مع أنفسهم
الفصل الأول: استخدامهم للسنة رغم إنكارهم لها
ثمة مفارقة عجيبة في موقف منكري السنة: فهم يستخدمون أسماء السور التي ثبت بعضها بالسنة لا بالقرآن، ويعتمدون على ترتيب الآيات والسور الذي أوكله الله لنبيه، ويقرؤون القرآن بالقراءة التي نُقلت بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فإذا قبلوا نقل القرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم، فما المسوغ لرفض نقل بيانه وسنته؟ هذا تناقض صارخ لا يستقيم.
الفصل الثاني: حجة وحدة الناقل
من الذي نقل لك أن هذه الكلمات تُنطق هكذا؟ ومن الذي نقل لك رسم المصحف؟
الجواب: هم أنفسهم الصحابة والتابعون والعلماء الذين نقلوا لنا حديث “بني الإسلام على خمس”.
كيف تثق فيهم حين ينقلون لك آية {أقيموا الصلاة}، ثم تتهمهم بالكذب أو الوهن حين ينقلون لك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس»؟
هذه “انتقائية انتحارية”؛ لأن الطعن في “ناقل” السنة هو طعنٌ بالضرورة في “ناقل” القرآن، لأن الطريق الذي وصلنا عبره القرآن هو نفس الطريق الذي وصلتنا عبره السنة.
الفصل الثالث: مطالبتهم بما لم يطالب به القرآن
القرآن لم يقل في أي موضع: “سأذكر لكم كل شيء بأرقام وأعداد محددة”، ولم يقل: “لن أوكل شيئاً للنبي ليبينه”، ولم يقل: “اكتفوا بي عن البيان النبوي”. بل قال العكس تماماً: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}، و{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ}.
فمطالبتهم إذن تطالب القرآن بما لم يلتزم به ولم يعد به.
الفصل الرابع: تناقضهم في آيات أخرى
هم أنفسهم الذين يطالبون بآية للأركان الخمسة، حين نأتي لآيات المواريث المفصلة بالأرقام والكسور يحاولون تمييعها ببدعة “الحدود”، وحين نأتي لآيات الحجاب يزعمون أنها “ثقافة عصر”.
إذن القضية ليست “غياب الآية”، بل هي “محاربة الثوابت”.
ينكرون حديث “بني الإسلام على خمس” بدعوى عدم وجود آية برقم خمسة، ثم يأتون هم ويقولون “الإسلام هو القيم الإنسانية فقط”؛ فنسألهم: أين الآية التي تحصر الإسلام في “القيم الإنسانية” وتلغي الصلاة والصيام والحج؟ لن يجدوا، بل سيجدون مئات الآيات التي تأمر بالشعائر والشرائع.
إذن، هم يمارسون “الكهنوت الحداثي”؛ ينكرون وحياً ثابتاً (السنة) ليضعوا بدلاً منه “وحياً شيطانياً” (أهواءهم).
الفصل الخامس: الجواب عن شبهة “تبياناً لكل شيء”
قد يقول قائل: “لكن القرآن قال: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ}، فكيف لا يذكر الأركان محصورة؟”
الجواب: القرآن تبيان لكل شيء إما بـ “النص” أو بـ “الإحالة”.
فحين يقول القرآن {وأطيعوا الرسول}، فهو قد بيّن لك أن كل ما يقوله الرسول هو من الدين. إذن، الأركان الخمسة مذكورة في القرآن “بالإحالة” إلى السنة، ومذكورة بـ “النص” في تفاصيل الآيات.
القرآن يعطيك “الخريطة الكبرى”، والسنة تعطيك “إحداثيات المواقع”. من يملك الخريطة ويرفض الإحداثيات، سيظل تائهاً ولن يصل أبداً.
الباب السادس: أصل الشبهة والرد التاريخي عليها
هذه الشبهة هي إعادة تدوير لأطروحات المستشرقين الذين حاولوا قديماً التشكيك في ثوابت الإسلام عبر ادعاء انفصال القرآن عن السنة.
وقد ردَّ عليهم فحول العلماء كالإمام الشافعي في كتابه “الرسالة” حين أصّل لحجية السنة وارتباطها العضوي بالقرآن، وبيّن أن السنة هي التي:
تخصص العام
تقيد المطلق
تبين المجمل
فهل يظن هؤلاء المعاصرون أنهم بجهلهم وسطحيتهم سيُسقطون ما بناه أئمة الإسلام عبر أربعة عشر قرناً؟
فيا ليت شعري، كيف يستقيم في عقل هؤلاء أن الله يترك الأمة أربعة عشر قرناً تعتقد أن الأركان خمسة، ثم يأتي شخص في القرن الواحد والعشرين “يكتشف” أن الأمة كانت واهمة؟! هذا ليس “قراءة معاصرة”، بل هو “عمىً فكري” واستهانة بعقول المسلمين وتاريخهم.
وإجماع الأمة منذ عصر الصحابة معصوم لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تجتمع أمتي على ضلالة».
الباب السابع: نص الحديث الشريف وتخريجه
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» رواه البخاري ومسلم.
هذا الحديث حديثٌ شارحٌ لما في القرآن، ومصدقٌ لما استقر في عقول المؤمنين عبر القرون. وإنكار هذا الحديث ليس نقداً علمياً، بل هو “انتحار معرفي”، لأن الذي يرفض هذا التقسيم النبوي يلزمه أن يرفض كل تقسيم في الوجود لم يُذكر نصاً في القرآن، كتقسيم الصلاة لفرائض وسنن، وتقسيم المعاملات لحلال وحرام، وهذا يؤدي إلى “سيولة دينية” لا يبقى معها للإسلام معالم واضحة.
خلاصة البحث ونتائجه
ملخص الأدلة القرآنية
الشهادتان: وردتا في أكثر من عشرين آية صريحة
الصلاة: ذُكرت في أكثر من مائة آية
الزكاة: جاءت في ثمان وعشرين آية، مقرونة غالباً بالصلاة في أكثر من ثلاثين موضعاً
الصيام: ورد في إحدى عشرة آية مفصلة
الحج: ذُكر في سبعة وعشرين موضعاً
النتائج النهائية
أولاً: الأركان الخمسة مذكورة في القرآن الكريم بنصوص صريحة لا لبس فيها، موجودة “أداءً ووجوباً” في القرآن، و”عدداً وتفصيلاً” في السنة، وكلاهما وحي من الله.
ثانياً: القرآن أوكل التفصيل والجمع والترتيب للنبي صلى الله عليه وسلم بنصوص واضحة.
ثالثاً: المطالبة بآية تجمع الأركان الخمسة في صيغة واحدة مغالطة منطقية لا تستقيم مع منهج القرآن.
رابعاً: بدون السنة النبوية يستحيل أداء أي ركن من الأركان العملية بصورة صحيحة.
خامساً: إنكار السنة مخالفة صريحة للقرآن الذي أمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والأخذ عنه.
سادساً: الوحي الإلهي وحدة واحدة لا تتجزأ، ما سكت عنه القرآن بـ “التفصيل الرقمي” تكفلت به السنة، وكلاهما نورٌ من مشكاة واحدة.
سابعاً: الدين لا يُبنى على آية واحدة منعزلة، بل على استقراء الوحي كله.
ثامناً: الإسلام بناءٌ محكم، القرآن أساسه، والسنة جدرانه وبيانه.
ختاماً: يقول الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.
والحقيقة الناصعة هي أن الأركان الخمسة محفورة في قلب القرآن بآياته الآمرة بالصلاة والزكاة والصوم والحج والتوحيد، وموثقة في السنة النبوية ببيان سيد الأنام صلى الله عليه وسلم، ومستقرة في وجدان الأمة بإجماعها العملي الذي لم ينقطع يوماً واحداً.
تأمل في عظمة هذا الدين، كيف جعل له “أركاناً” ثابتة تحميه من رياح التغيير، واعلم أن من حاول هدم هذه الأركان، فلن يهدم إلا نفسه، وسيبقى الإسلام شامخاً بأصوله التي أحكمها الله في كتابه وفصّلها نبيه في سنته.
{يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}
والحمد لله رب العالمين

