لم تسقط حصون المسلمين يوماً بمواجهة مباشرة من الخارج بقدر ما تخلخلت حصونهم حين فُتحت الأبواب من الداخل.
واليوم، ونحن نعيش فصلاً جديداً من فصول الصراع بين الحق والباطل، تبرز ظاهرة “الشحارير” (أتباع القراءة المعاصرة) لا كمدرسة فكرية أو اجتهاد فقهي، بل كأخطر عملية اختراق ناعم يتعرض لها العقل المسلم.
قامت دولة الإمارات بإنشاء منصة مجتمع ومولت المدعو باسم الجمل بميزانية مفتوحة لإعادة نشر فكر الهالك محمد شحرور لكن هذه المرة بأدوات جديدة وبطريقة خبيثة!
القصة ليست قصة “تجديد” كما يزعمون، بل هي قصة “تبديد” ممنهج، وخدعة كبرى تُلعب على مسرح السذاجة، أبطالها ملاحدة في الجوهر، ومصلحون في المظهر.
لقد أدرك الغرب بعد قرون من الحروب الصليبية والحملات العسكرية، ثم الغزو الفكري المباشر، أن الإسلام صخرة تتحطم عليها المعاول الصريحة.
فشل الاستشراق الكلاسيكي في زحزحة عقيدة المسلم، وفشلت الدعوات الإلحادية الصريحة في اختراق وجدان العامة.
هنا، تفتق العقل الشيطاني عن الحيلة القديمة الجديدة: “لا تحارب الإسلام من خارجه، بل اصنع إسلاماً جديداً من داخله”.
وجدوا ضالتهم في منهج “الهدم من الداخل”، فصنعوا ودعموا ولمّعوا شخصيات لا ترفع الصليب ولا تعلن الإلحاد، بل تمسك المصحف بيد، ومعول الهدم باليد الأخرى، لتقول للمسلم البسيط: “أنا سأفهمك الإسلام الحقيقي الذي أخفاه عنك الفقهاء لـ 1400 عام!”.
ومن أعجب ما في هذا الزمان، أن ترى هؤلاء القوم وكأن رسول الله ﷺ ينظر إليهم حين حذرنا منهم قبل قرون.
يقول النبي ﷺ: «لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» [رواه أبو داود].
هذا هو الوصف الدقيق لهيئتهم ومنهجهم!
“متكئًا على أريكته”: كناية عن الترف، والكسل، والاستعلاء.
ليسوا أهل ثغور، ولا أهل محراب، ولا ورثة علم، بل منظرون مترفون يخرجون علينا ببدلات أنيقة وربطات عنق، يمسكون بكوب القهوة ويسخرون من الشافعي والبخاري!
“ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه”: هي حجتهم الداحضة “شعارهم القرآن فقط”، وهم في الحقيقة لا يريدون القرآن، بل يريدون عزله عن بيانه النبوي ليسهل عليهم تحريف معانيه.
دعونا نُسمِّ الأشياء بمسمياتها. هؤلاء القوم ليسوا “علماء” ضلوا الطريق، ولا “مجتهدين” أخطأوا الصواب. إن المدقق في طرحهم يرى بوضوح أن القوم لا يملكون ذرة من أدوات العلم الشرعي؛ لا في اللغة، ولا في الأصول، ولا في الحديث.
إنهم في حقيقتهم ملاحدة أو لادينيين، يحملون كراهية عميقة للشريعة التي تضبط الشهوات وتقيم الحدود.
ولكن، لأنهم يعلمون أن التصريح بالإلحاد في مجتمعاتنا انتحار اجتماعي، فقد اختاروا الطريق الأذكى: “أسلمة الإلحاد”.
إنهم يضحكون عليك! نعم، يسخرون من بساطتك حين يقنعونك أن “الزنا” ليس حراماً إلا بشروط، وأن “الخمر” ليس محرماً لذاته، وأن “الحجاب” عادة جاهلية. هم لا يؤمنون بهذا الدين أصلاً، لكنهم يستخدمون الآيات كقطع “الليغو” يعيدون تركيبها لصناعة “إسلام أمريكي” يرضى عنه الغرب، إسلام “كيوت” بلا مخالب، بلا ولاء وبراء، بلا جهاد، وبلا قيم تحكم الغريزة.
والحق يقال، إن العيب ليس في “الشحرور” وحده، فهو عدو مكشوف لمن بصر، وعدو مبين لمن عقل. العيب، كل العيب، والمصيبة العظمى، هي في القطيع الذي يصفق له.
هؤلاء الأتباع البسطاء، أو المغفلون، أو الباحثون عن “فتوى تفصيل” تبيح لهم شهواتهم، هم الوقود الحقيقي لهذه الفتنة. تجد أحدهم عامياً لا يحسن قراءة الفاتحة، ثم ينتفخ غروراً وهو يردد كلام سيده الطاعن في البخاري، ظناً منه أنه بذلك صار “مستنيراً”!
هم يضحكون على سذاجتك، يستغلون جهلك بلغة العرب، ويمررون عليك مغالطات لغوية (مثل اللعب بالجذور اللغوية) لو سمعها تلميذ في الكُتّاب لضحك منها. إنهم يبيعونك الوهم، وأنت تشتري ضلالك بيدك.
إن تيار “الشحارير” ليس مجرد ظاهرة صوتية، بل هو مشروع “اختطاف للإسلام”. يهدفون لنزع القداسة عن النص، وتحويل الدين إلى “فلكلور” شخصي لا علاقة له بالحياة ولا بالحكم ولا بالأخلاق.
ويا ليت شعري، أين العلماء؟ وأين صوت الدعاة؟
إن السكوت عن هذا العبث ليس حكمة، بل هو تمكين للباطل.
على كل مسلم يغار على دينه أن يدرك: هؤلاء لصوص عقيدة، وقطاع طريق. وعلى الدعاة والعلماء أن ينتفضوا لتعرية هذا الفكر، وكشف عواره، وبيان تهافته.
فوالله إن التصدي لهؤلاء في مهد فتنتهم خيرٌ وأوجب من البكاء على الأطلال بعد أن يستفحل الداء.
احذروهم، وحذروا منهم، فإنهم واللهِ أخطر على الإسلام من جيوش الأرض مجتمعة؛ لأن العدو الخارجي يوحد الصفوف، أما “المنافق العليم اللسان” فإنه يمزق الصف من داخله.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

