السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
احد الإخوة قال انه ما يحصل في السودان مثلا ان الظالم المغتصب او القاتل العمد اذا فر لخارج البلاد وهو اساسا لا يعلم هوية المرأة المغتصب او الشخص المقتول وتاب وعاد الى الله قبل ان يقدر عليه فإن الله يعفو عنه وذلك الخطأ يسقط عنه ويوم القيامة يرضى المظلوم بزيادة حسناته واستند في دليله على قصة الظالم نفسه المذنب من بني اسرائيل عندما منعو المطر
الجواب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
هذا الطرح الذي نقلتَه يا أخي محمد يلمس مسألةً من أدقِّ مسائل الشريعة، وهي مسألة التوبة من المظالم المتعلقة بحقوق العباد (الدماء والأعراض والأموال).
ومن الواجب بيان الحق في هذا الأمر بوضوحٍ تام، بعيداً عن التبسيط المخل الذي قد يفتح باباً للاستهانة بحقوق العباد أو التجرؤ على الدماء والأعراض تحت ستار التوبة السهلة.
التفريق بين حق الله وحق العباد
يجب أولاً أن نعلم أن الجرائم الكبرى كالقتل والاغتصاب تتعلق بها ثلاثة حقوق متداخلة، لا يسقط أحدها بالضرورة بسقوط الآخر:
الحق الأول: حق الله عز وجل، وهو عصيان أمره وارتكاب ما حرّمه.
وهذا الحق يسقط بالتوبة النصوح الصادقة التي استوفت شروطها (الإقلاع، والندم، والعزم على عدم العودة).
فإذا تاب العبد توبةً صادقة، فإن الله سبحانه وتعالى بفضله وكرمه يقبل توبته في هذا الجانب، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥].
الحق الثاني: حق أولياء الدم (في القتل) أو حق المجني عليها (في الاغتصاب). وهذا الحق في الدنيا لا يسقط إلا بالقصاص أو الدية أو العفو. وفرار الظالم للخارج لا يسقط هذا الحق عنه شرعاً، بل يبقى في ذمته ديناً وملاحقةً قضائية شرعية متى ما قُدر عليه.
الحق الثالث: حق المقتول أو المغتصبة (الحق الشخصي للمظلوم). وهذا هو “مربط الفرس” في سؤالك؛ فهذا الحق لا يملكه إلا المظلوم نفسه، ولا يسقط بمجرد التوبة بين العبد وربه، بل لا بد من استحلال المظلوم أو رد مظلمته إليه.
شروط التوبة في حال جهل هوية المظلوم
إذا ادعى الظالم التوبة وهو لا يعرف هوية من ظلمهم، أو تعذر عليه الوصول إليهم (كما في حالات الفتن والحروب)، فإنه يلزمه شرعاً ما يلي:
بذل الجهد الحقيقي والبحث المستفيض للتعرف على الضحايا أو أهاليهم لطلب العفو أو أداء الحقوق. فليس له أن يكتفي بمجرد القول “أنا لا أعرفهم”.
الندم الشديد والعمل الصالح المستمر، مع نية أنه لو عرفهم لأدى إليهم حقهم.
الإكثار من الصدقة والدعاء والاستغفار للضحايا، بنية أن يكون ثواب هذه الأعمال لهم عوضاً عما نالهم من ظلم.
وهنا يأتي قول بعض العلماء إن الله تبارك وتعالى إذا علم صدق توبة هذا العبد، وعجزه الحقيقي عن رد المظلمة، فإنه سبحانه “يرضي الخصوم” يوم القيامة من فضله الواسع دون أن ينقص من حسنات التائب شيئاً.
لكن انتبه جيداً: هذا فضلٌ إلهي يُرجى للتائب الصادق، وليس “قاعدة آلية” تجعل الجريمة كأنها لم تكن بمجرد الفرار والادعاء بالجهل.
قصة عاصي بني إسرائيل وتوظيفها
أما الاستدلال بقصة الرجل الذي مُنع المطر بسببه في عهد موسى عليه الصلاة والسلام، فهو استدلال في غير محله إذا أُريد به إسقاط حقوق المظلومين.
تلك القصة -على فرض ثبوتها كأثر- تتحدث عن رجل “بارز الله بالمعاصي” أربعين سنة، ولم تنص القصة على أنه كان قاتلاً أو مغتصباً لآحاد الناس وممنوعاً من رد مظالمهم. الغالب في سياق هذه القصص أنها تتحدث عن ذنوب بين العبد وربه (حقوق الله).
أما الدماء والأعراض، فقد حسم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أمرها بقوله: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» [رواه البخاري].
فهذا النص النبوي القاطع يقرر أن الأصل في المظالم هو “المقاصة” من الحسنات والسيئات، ولا يُستثنى من ذلك إلا من تفضل الله عليه بإرضاء خصمه لصدق توبته وعجزه التام عن الرد.
خطورة تهوين الجرائم الكبرى
إن القول بأن “الخطأ يسقط عنه” بمجرد الفرار والجهل بالضحية هو قول خطير؛ لأنه قد يُفهم منه تشجيع الظلمة على الاستمرار في غيهم ثم الهروب.
القاتل العمد والمغتصب في ميزان الشريعة مجرمون ارتكبوا كبائر موبقة. والمغتصب تحديداً قد جمع بين فاحشة الزنا، وظلم الإكراه، والاعتداء على العرض، وترويع النفس؛ وكل واحدة منها كافية في الهلاك.
ربنا جل جلاله يقول في القتل العمد: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]. فكيف يجرؤ أحد على القول إن هذا كله “يسقط” هكذا ببساطة دون استيفاء الشروط الثقيلة للتوبة؟
وخلاصة ما ينبغي تقريره: أن باب التوبة مفتوح لكل أحد، حتى للقاتل والمغتصب فليس لأحد أن يحجب رحمة الله عن عباده، أو يزرع اليأس في نفوس المذنبين فيدفعهم نحو التوغل في جرائمهم أكثر، لكنها توبة “مرة” وشاقة، تقتضي الندم الذي يقطع القلب، والعمل الذي يستغرق العمر، والبحث الدؤوب عن أصحاب الحقوق لاستحلالهم.
أما من تاب صدقاً وعجز فعلاً، فأمره إلى الله تبارك وتعالى، وهو سبحانه الحكم العدل الذي لا يظلم مثقال ذرة، ولن يضيع حق المظلوم عنده أبداً، فإما أن يُقتص له من الظالم، وإما أن يرضيه الحق سبحانه من عطائه بما يشاء، وهذا الفرق الجوهري بين “قبول التوبة” وبين “إسقاط حق المظلوم”؛ فالتوبة قد تُقبل، لكن الحق لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء.
والله تعالى أعلم.

