السلام عليكم و رحمة الله و بركاته،
لا أستطيع تحمل نفسي بما يحدث في غزة. لا استطيع ان اقول عن نفسي مسلم و المسلمون يذبحون و يسجنون و يعذبون و يحاربون و انا جالس اجمع المال و اتنعم و افكر بمشروع االزواج.
والله كل فيديو اشاهده احس بعده بحزن و عجز و نفاق.
انا استطيع تحدث الانجليزية و لكن ليس لدي وجود اعلامي قوي. كلما اجلس لكتابة منشور او فيديو أحس بإحباط. من سيشاهد هذا ؟ و ماذا سيغير هذا؟
أخاف ان اكون ممن ثبطهم الله.
انا اعلم ان تحرير فلسطين لا يكون الا بفتح الغرب. و لا يكون ذلك بالسلاح و العتاد لأننا سلبنا من ذلك، انما يكون بالدعوى و الصبر. و التغيير ممكن من المجتمع الغربي بنفسه. الان يعيش الغربي فوضى يرى انهيار قيمه الوهمية و فسق حكامه و هو عاجز عن التغيير. لذلك الثورة قادمة لا محالة و علينا كمسلمين ان يكون لدينا موقع في هذه الثورة. و هذا الواجب يصرخ في وجهي كثيرا و انا عاجز. فما الحل ؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا أخي، وحياك الله وبياك.
أسمعُ وجعك بقلبي قبل عقلي، وأستشعرُ زفراتك التي كادت أن تخنق كلماتك. هذا الشعور الذي يمزقك، هذا الحزن الجاثم على صدرك عند رؤية مشاهد العزة والابتلاء في غزة، هو في حقيقته علامة حياة في قلبك. يقول الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» (رواه مسلم).
فأنت الآن تعاني “حمّى الإيمان”، وهذا أبعد ما يكون عن النفاق. المنافق يا أخي هو من يرى تلك المشاهد فلا يتحرك فيه ساكن، أو يشمت، أو يرى في دماء المسلمين فرصة لمصلحة دنيوية. أما أنت، فيؤلمك المصاب، ويحزنك العجز، وهذا هو عين الصدق مع الله عز وجل.
دعني أضع يدك على مكامن الداء والدواء في هذه الحيرة التي تعيشها، من خلال نقاط أريدك أن تتأملها بعمق:
أولاً: أوهام النفاق وفخ “جلد الذات”
الشيطان يدخل للإنسان من باب “اليأس” حين يعجز عن إدخاله من باب “المعصية”. يوهمك أنك منافق لأنك تأكل وتشرب وتخطط للزواج بينما غيرك يُذبح. ولكن تأمل: هل توقفت الحياة في عهد النبي ﷺ عندما كان المسلمون يُعذبون في مكة؟ هل توقف الصحابة رضي الله عنهم عن بناء بيوتهم وتجاراتهم؟ إن استمرارك في بناء حياتك، وجمع مالك من حلال، وإقدامك على الزواج، ليس خيانة للقضية، بل هو “إعداد”.
نحن نحتاج إلى المسلم الغني القوي، ونحتاج إلى الأسرة المسلمة التي تُربي جيلاً يعرف حق فلسطين. زواجك هو مشروع لبناء لبنة في أمة منهكة، فلا تسمح للشيطان أن يصور لك الحلال كأنه جريمة.
ثانياً: معضلة “من سيشاهد هذا؟”
أنت تقول إنك لا تملك وجوداً إعلامياً قوياً وتخشى أن يكون الله قد ثبطك. يا أخي، إن الله عز وجل لم يطالبنا بالنتائج، بل طالبنا بالبذل. تأمل قصة “مؤمن آل فرعون” أو “الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى”. كانوا أفراداً، لم يملكوا منصات إعلامية، لكن الله خلّد ذكرهم في كتابه لأنهم “سعوا”. اللغة الإنجليزية التي تتقنها هي “سلاح” بين يديك. حتى لو شاهد منشورك عشرة أشخاص فقط، فقد أديت ما عليك، وبذلت ما تملك. من يدريك لعل واحداً من هؤلاء العشرة يكون له أثر يغير مجرى الأمور؟ قيمة الفعل ليست في “التريند” أو عدد المشاهدات، بل في “الإخلاص” والمصداقية. العمل القليل مع الإخلاص يباركه الله سبحانه وتعالى، والقعود بحجة “قلة الأثر” هو عين التثبيط الذي تخشاه.
ثالثاً: استراتيجية “فتح الغرب” التي ذكرتها
أصبت بنسبة كبيرة في قولك حول تحرير فلسطين بل وجميع بلاد المسلمين فلن يكون ذلك (والله أعلم) إلا بسقوط الهيمنة الغربية وانهيار الغرب لأنه عمليًا يحمي إسرائيل ويمدها بكل وسائل البقاء تقنيًا وماليًا ويدعمها سياسيًا، ونحن للأسف لا قدرة مادية لمواجهتهم وهم الآن يتخبطون ويدخلون في معارك وحروب فيما بينهم وعسى ذلك يكون سببًا في إضعافهم أو سقوطهم ونسأل الله أن نشهد هذا الحدث العظيم.
ولكن هذا لا يعني ترك الجهاد في سبيل الله والسعي لإنهاء الاحتلال ودعم من يقفون على هذا الثغر بكل ما نستطيع، وبالتوازي مع ذلك العمل على دعوة المجتمع الغربي نفسه بكل الوسائل الممكنة وكشف حقائق الغرب وما يحدث فيه حتى لا ينخدع به شباب المسلمين كما هو الحال قبل أحداث أكتوبر 2023.
بفضل الله فضح الغرب بشكل كبير وسقطت أكذوبة العدالة والحرية وظهرت فضائحه المتتالية بشكل عجيب وقد كنت أكتب وأسجل الحلقات الطويلة خلال السنوات الماضية لشرح حقيقة الغرب فجاءت الأحداث وكشفته بشكل لا يخفى على أحد.
العالم الغربي اليوم يعاني من “أزمة هوية” و”انهيار قيمي” كما هو مفصل في دراسات أزمات الحضارة الغربية المعاصرة. هم يملكون المادة ولكنهم يفتقدون “المعنى”. رؤيتهم لصبر أهل غزة وثباتهم جعلت الملايين منهم يتساءلون: “ما هذا الدين الذي يعطي أصحابه هذه القوة؟”.
هنا يأتي دورك. استغل لغتك الإنجليزية لا لكي تصرخ فقط بـ “أنقذوا غزة”، بل لكي “تعرّفهم بالإسلام”. اشرح لهم مفاهيم الصبر، والرضا بالقدر، والعدالة الإلهية، واليوم الآخر.
اجعل منشوراتك جسراً يربط بين “ألم غزة” وبين “عظمة الإسلام”. هذا هو الفتح الحقيقي الذي يخشاه العدو؛ أن تتحول مظلوميتنا إلى “دعوة” تكتسح عقولهم وقلوبهم.
رابعاً: خطوات عملية للخروج من حالة الشلل
1. توقف عن جلد الذات: اقبل أنك إنسان تعيش في سياق مختلف، وأن لكل ثغر رجاله. ثغرك هو لغتك ومالك وبناء أسرتك.
2. قاعدة “القليل الدائم”: خصص نصف ساعة يومياً فقط للكتابة أو الترجمة بالإنجليزية. لا تنتظر الإلهام، بل اجعلها “ورد نصرة” لا تتركه أبداً.
3. التعاون لا التنافس: إذا كنت تشعر بضعف وجودك الإعلامي، لا تنشر وحدك. تواصل مع الصفحات الكبيرة، اعرض عليهم ترجمة مقاطع، أو كتابة محتوى. كن “جندياً خفياً” خلف الكواليس.
4. المال نصرة: المال الذي تجمعه، اجعل منه “سهماً” ثابتاً للصدقة والإغاثة. هكذا يصبح جمعك للمال عبادة وجهاداً.
5. الدعاء بيقين: لا تستصغر الدعاء، فهو سهم الليل الذي لا يخطئ، وهو اعتراف بفقرك وقدرة ربك تبارك وتعالى.
يا أخي، إن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها. وسعك الآن هو لسانك وقلمك ومالك. فلا تقعد حزيناً تندب حظك، بل قُم وتوضأ وصلِّ ركعتين، واستعن بالله جل وعلا وابدأ بكتابة أول سطر بالإنجليزية، معتبراً إياه رصاصة في صدر الباطل، وخطوة في طريق الفتح.
فمَن يدري؟ لعل كلماتك تلك هي التي ستنير بصيرة غافل في أقصى الأرض، ويكون الله قد ادخر لك بها مقاماً لا تدركه إلا بصدق السعي.

