في اللقاء الفاسد الأخير خرج يوسف أبو عواد بطوام كثيرة
لفت نظري هذا التلاعب كمثال يؤكد لكم أن القوم يريدون هدم القرآن والقرآن يكذبهم ويلعنهم
يقول يوسف أبو عواد: “الشرك يا دكتور لا علاقة له بما قيل إنه عقيدة، هذا نموذج من الآيات التي تشير إلى أن الشرك والإيمان هما سلوكيات تتعلق بالإصلاح والإفساد وحقن الدماء وسفك الدماء”.
وهذا تكذيبٌ صريحٌ لمئاتِ الآياتِ التي عرَّفتِ الشركَ بأنَّهُ جعلُ شريكٍ للهِ في عبادَتِهِ أو ذاتِهِ أو صفاتِهِ.
تأمّلْ قولَ الحقِّ سبحانه وهو يصفُ حقيقةَ الشركِ عندَ المشركينَ الذين لم يكونوا يرونَ أنفسَهُم “مفسدينَ في الأرضِ” بل كانوا يزعمونَ التقرُّبَ إلى الله:
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾ [الزمر:3]
فالشركُ هنا “عبادةٌ” لغيرِ اللهِ طلباً للزلفى، وليس “سفكاً للدماءِ” كما يفتري أبو عواد. بل إنَّ اللهَ تبارك وتعالى بَيَّنَ أنَّ الشركَ ظلمٌ عظيمٌ لذاتِهِ العليةِ قبلَ أن يكونَ ظلماً للخلقِ:
﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:13]
ويتأكَّدُ هذا حينَ نرى القرآنَ يُسمِّي مَن ساوى بينَ الخالقِ والمخلوقِ مشركاً، حتى لو لم يؤذِ أحداً:
﴿تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:97-98]
فالمساواةُ في التعظيمِ والمحبةِ والخضوعِ هي جَوْهرُ الشركِ. فماذا يصنعُ أبو عواد بقولِ اللهِ عز وجل:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء:48]
لو كان الشركُ هو “سفكَ الدماءِ” فقط، لكان القتلُ أعظمَ من الشركِ، بينما القرآنُ يجعلُ الشركَ ذنباً لا يُغفرُ والقتلَ ذنباً يقعُ تحتَ المشيئةِ. فهل يجرؤ أبو عواد أن يقول إنَّ اللهَ لا يغفرُ سفكَ الدماءِ ويغفرُ عبادةَ الأصنام؟!
هذا هو مآلُ قولهِ الفاسدِ.
يزعمُ أبو عواد وباسم الجمل أنَّ “آمنوا” تعني “الذين أَمَّنوا للناس حياتهم”، وهذا تلاعبٌ لغويٌّ بائسٌ يجتثُّ الكلمةَ من جذورِها الشرعيةِ واللسانيةِ.
الإيمانُ في القرآنِ هو التصديقُ بالغيبِ والانقيادُ لأمرِ اللهِ. يقولُ ربنا تبارك وتعالى في وصفِ المؤمنينَ حقاً:
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:3]
بدأ بـ “الغيب” قبلَ كلِّ سلوكٍ ماديٍّ. فهل “تأمينُ حياةِ الناسِ” هو إيمانٌ بالغيبِ؟! بل إنَّ اللهَ فصَّلَ أركانَ الإيمانِ ولم يجعلْ فيها “بناءَ مجتمعٍ آمنٍ” كوصفٍ وحيدٍ للإيمانِ:
﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ [البقرة:285]
فمَن آمنَ بهذه الأصولِ ولم يوفِّرِ “الأمنَ الماديَّ” لظرفٍ ما، أهو كافرٌ؟!
ومَن وفَّرَ الأمنَ للناسِ كالملحدِ في السويدِ، أهو مؤمنٌ بنصِّ القرآنِ؟! هذا عَبثٌ بالعقولِ.
والحقيقةُ أنَّ القرآنَ نطقَ بما ينسفُ هذا الزعمَ نسفاً؛ فها هو إبليسُ، هل سَفَكَ دماً أو أفسدَ في الأرضِ حينَ أُمِرَ بالسجودِ؟
لم يفعلْ شيئاً من ذلك، بل رَفَضَ أمراً واحداً للهِ استكباراً، فسَمَّاهُ اللهُ كافراً:
﴿أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:34]
فالكفرُ هنا معصيةٌ قلبيةٌ وعمليةٌ للأمرِ الإلهيِّ، وليس “إفساداً ماديَّاً”.
العبادةُ هي حقُّ اللهِ الخالصُ لا مجردُ “أمنٍ اجتماعيّ”
يخلطُ المتحدثُ خلطاً شنيعاً في قولِهِ: “الغاية القصوى هي فعلاً تحقيق المجتمع الآمن… وهذا هو العبادة؛ يعبدونني لا يشركون بي شيئاً”.
تأمّلْ كيفَ قلبَ الغايةَ والوسيلةَ!
الأمنُ ثمرةٌ من ثمراتِ العبادةِ، وليس هو العبادةَ نفسَها.
اللهُ عز وجل يقولُ بكلِّ وضوحٍ:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:56]
فهل خَلَقَ اللهُ الجنَّ ليحقنوا دماءَ البشرِ؟!
الجنُّ عالمٌ غيبيٌّ لا نراهم، وعبادَتُهم خضوعٌ للهِ.
ثمَّ انظرْ كيفَ فرَّقَ اللهُ بينَ الإيمانِ (العقيدة) وبينَ العملِ الصالحِ (السلوك) في أكثرَ من 50 مواضعَ:
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين:6]
لو كان الإيمانُ هو نفسُ العملِ الصالحِ لكان ذكرُهُما معاً حشواً وتكراراً، والقرآنُ مُنزهٌ عن الحشوِ. إنَّ العبادةَ فعلٌ يتوجَّهُ به العبدُ لربِّهِ، كالصلاةِ والنسكِ:
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ﴾ [الأنعام:162-163]
فهل الصلاةُ والنسكُ “حقنٌ للدماءِ” فقط؟! أم هو حقُّ الخالقِ العظيمِ؟
استشهدَ أبو عواد بقولِهِ تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ ليزعمَ أنَّ الإيمانَ هو الإصلاحُ الماديُّ. ولكنَّ المفاجأةَ أنَّ ختامَ الآيةِ يَهدمُ كلَّ ما بناهُ:
﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:55]
فالشرطُ هو إفرادُ اللهِ بالعبادةِ (التوحيد العقدي) ونفيُ الشركِ بجميعِ أنواعِهِ. ولو كان الإيمانُ هو “التأمين المادي” فقط، لكانتِ المنظماتُ الدوليةُ وشركاتُ التأمينِ الغربيةُ هي “خيرُ أمةٍ أُخرجت للناسِ”! لأنَّها حقَّقت “الأمنَ” لمواطنيها بمعاييرِ أبي عواد. فهل يُستخلفُ هؤلاءِ بالمعنى القرآنيِّ؟!
إنَّ الاستخلافَ مربوطٌ بالنهجِ الربانيِّ كاملاً، وليس بمجردِ حقنِ الدماءِ. ففرعونُ في عصرِهِ حَقَنَ دماءَ مَن اتَّبَعَهُ ووفرَّ لَهُم “الأمنَ والاستقرارَ” الماديَّ، ومع ذلك أهلكَهُ اللهُ لأنَّهُ نازَعَهُ في رُبوبيتِهِ.
تأمّلِ التناقضَ الصارخَ؛ يخرجُ علينا أبو عواد عبرَ منصةِ “مجتمع” المُمولّةِ بالدرهمِ الإماراتيِّ ليتحدَّثَ عن “حقنِ الدماءِ” و”كفِّ الأذى” باعتبارِهِ جوهرَ الدينِ!
والمفارقةُ الساحقةُ: أنَّ الجهةَ التي تموّلُ هذا الفكرَ (الإمارات) هي التي سَفَكَتْ دماءَ المسلمينَ في اليمنِ وليبيا والسودان، وحاصرتْ إخوانَها، ومزَّقتِ الشعوبَ، ودعمتِ الانقلاباتِ!
فأين “حقنُ الدماءِ” في واقعِ مُموّليكم؟! وأين “كفُّ الأذى” في سياستِهم؟!
إنَّ هؤلاءِ يستخدمونَ “كفَّ الأذى” لإسقاطِ فرائضِ الصلاةِ والحجابِ والجهادِ، لكنَّهم يصمتونَ صمتَ القبورِ عن “الأذى الحقيقيِّ” الذي يمارسُهُ مَن يشتري ذِمَمَهُم!
سؤالٌ إلزاميٌّ: إذا كان الدينُ هو “كف الأذى” فقط، فهل إبليسُ الذي لم يسفكْ دماً عندَ رَفْضِهِ السجودَ يُعتبرُ “متديناً” بمعيارِك؟
وإذا كان الشركُ هو “سفكُ الدماءِ”، فبماذا تُسمِّي مَن يسجدُ لصنمٍ وهو في غايةِ الهدوءِ والسلامِ؟!
لننظرْ ماذا يقولُ القرآنُ عن الشركِ؛ هل هو مجردُ فعلٍ مسلكيٍّ؟
﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:31]
هذا وصفٌ لحالةِ الضياعِ الروحيِّ والعقديِّ لمن تَرَكَ التوحيدَ، وليس وصفاً لمجرمٍ سَفَكَ دماً. ويتأكدُ هذا بآياتٍ كثيرةٍ تَحصرُ الشركَ في صرفِ العبادةِ لغيرِ الله:
﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ [يوسف:40]
﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف:191]
﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:22]
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:36]
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء:48]
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:72]
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة:73]
﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:85]
﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ ۚ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ [الرعد:36]
﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾ [الإسراء:22]
﴿ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ۗ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا﴾ [الإسراء:39]
﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء:111]
حصيلةُ هذه الآياتِ كلِّها: أنَّ الشركَ هو صرفُ حقِّ اللهِ لغيرِهِ، وأنَّ الإيمانَ عقيدةٌ في القلبِ تُصَدِّقُها الجوارحُ. ومَن زَعَمَ غيرَ ذلك فقد كذَّبَ القرآنَ بجملتِهِ.
فملخصُ الأمرِ: أرادوا إرضاءَ النموذجِ الغربيِّ الذي يَختزلُ الإنسانَ في ماديّتِهِ، فقاموا بتبديلِ مفاهيمِ القرآنِ لتُناسبَ القاموسَ الليبراليَّ.
ادّعى أنَّ الإيمانَ هو “تأمينٌ ماديٌّ” ليُسقطَ أهميةَ التصديقِ بالغيبِ، وزعمَ أنَّ الشركَ هو “إفسادٌ ماديٌّ” ليُحلِّلَ كلَّ أنواعِ الكفرِ والضلالِ ما دامتْ هادئةً!
وهذا ليس تجديداً للدينِ، بل هو إعلانُ وفاةٍ لكلِّ معاني العبوديةِ للهِ وتحويلِنا لعبيدٍ للمصلحةِ الماديةِ.

