السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أعود مرة أخرى وأكتب لكم لأنني بحاجة إلى نصحكم جزاكم الله خيرا كثيرا.
ابني البالغ من العمر 19 سنة والذي في بداية طريقه للتوبة والاستقامة بفضل من الله ورحمة تراوده أفكار عدة منها مؤخرا وسواس يأتيه بأن دعاءه لن يقبل وأن توبته لن تقبل وهذا يجعله حزينا وقانطا من رحمة الله سبحانه وتعالى.
أرجو نصحكم بارك الله بكم.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
بدايةً، الحمد لله الذي شرح صدر ابنك للتوبة والاستقامة في هذا السن المبكر، فهذه نعمة عظيمة تستوجب الشكر، وبشارة خير بأن الله يريد به خيراً؛ فالشاب الذي ينشأ في عبادة الله هو أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
ما يمر به ابنكِ في هذه المرحلة هو في الحقيقة معركةٌ بين نور الحق الذي بدأ يشرق في قلبه، وبين يأس الشيطان الذي يرى صيداً ثميناً يفلت من بين يديه، فابنك -وهو في التاسعة عشرة من عمره- في مرحلة كلاسيكية جداً تُسمى “ابتلاء البدايات”، وهي في الحقيقة علامة على صدق توبته، لا على فسادها كما يتوهم.
لقد وضع ابنكِ قدمه على أعظم طريق يمكن لإنسان أن يسلكه، وهو طريق العودة إلى الله (التوبة). ومن الطبيعي جداً أن يبذل الشيطان قصارى جهده ليعيق هذا المسير؛ فإبليس لا يوسوس في “البيت الخرب”، بل يحاول هدم “البيت المعمور” بالإيمان.
وأول ما ينبغي أن يعلمه ابنكِ ويستقر في روعه، هو أن شعوره بالقلق من عدم القبول، وخوفه من ردّ توبته، هو في ذاته دليلٌ على صدق توبته وقوة إيمانه.
لقد جاء ناسٌ من أصحاب النبي ﷺ فسألوه: “إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به”، فقال لهم الحبيب المصطفى ﷺ: «أَوَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟» قالوا: نعم. قال: «ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ» (رواه مسلم).
تأملي معي هذا المعنى العظيم؛ فالشيطان لا يأتي للشخص الغارق في المعاصي ليوسوس له بعدم القبول، بل يشجعه على المضي قدماً.
لكنه يأتي للتائب ليقول له: “لن يُقبل منك”، “ذنبك أكبر من المغفرة”، “دعاؤك محجوب”. وكل هذا محض كذب وتلاعب، لأن القاعدة القرآنية التي لا تتخلف أبداً هي أن الله أرحم بعبده من الأم بولدها.
دعي ابنكِ يتدبر هذه النصوص القاطعة التي تحطم صخور اليأس والحياد الفكري الذي يحاول الشيطان فرضه عليه.
يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]. لاحظي أنه سبحانه ناداهم بـ “يا عبادي” رغم إسرافهم، ونفى القنوط، وأكد مغفرة “الذنوب جميعاً” بلا استثناء.
ويُبيّن لنا ربنا تبارك وتعالى أن التوبة الصادقة ليست مجرد مسح للذنوب، بل هي تحويلٌ للمسار وبناءٌ جديد، حيث يقول: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفرقان: 70]. فكرم الله بلغ أن يجعل تلك السيئات القديمة أرصدةً من الحسنات إذا صدق العبد في أوبته.
ويحسم ربنا جل وعلا الأمر بقوله الواضح لكل قلبٍ حزين: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156].
فهل ذنب ابنكِ خارج عن نطاق “كل شيء”؟ حاشا لله.
إن رحمة الله تسع الذنوب كلها مهما عظمت في عين صاحبها إلا الشرك -نعوذ بالله منه-.
ويؤكد نبينا ﷺ هذا المعنى بقوله في الحديث الصحيح: «التائبُ من الذنبِ كمن لا ذنبَ له» (رواه ابن ماجه). فبمجرد أن ندم ابنكِ وعزم على الترك، عاد بفضل الله صفحةً بيضاء نقية، وما يأتيه بعد ذلك من شكوك هو مجرد “غبار” يحاول الشيطان أن يغطي به جمال هذه الطهارة.
يجب أن يدرك ابنكِ أن “اليأس من رحمة الله” هو فخٌ أخطر من المعصية التي تاب منها؛ لأن المعصية شهوة عابرة، أما اليأس فهو سوء ظن بالخالق القدير الشكور.
تأمل قوله تعالى محذراً من هذا المزلق: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87]. فالمؤمن دائماً ما بين الخوف والرجاء، لكن الرجاء عنده يغلب لأن ربه هو “الودود”.
وإذا وسوس له الشيطان بأن دعاءه لا يُستجاب، فليقرأ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]. لم يقل الله “أجيب دعوة الطائعين” فقط، بل قال “الدعّاء” بإطلاق، فمجرد طرق الباب هو علامة الإذن بالدخول.
ويُطمئننا ربنا جل في عُلاه في موضع آخر: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62]. وابنكِ الآن “مضطر” لرحمة ربه، فكيف يظن أن الكريم سيخيب رجاءه؟
وصايا عملية لابنك الشاب
نصيحتي لابنكِ الغالي، وهي نصيحة محبٍّ مشفق:
لا تناقش الشيطان ولا تجادله في صحة توبتك. إذا قال لك: “توبتك غير مقبولة”، قل له: “قبولها على الله لا عليك، وأنا أحسن الظن بربي”. انشغل بالعمل الصالح وبالذكر، فالفراغ هو مرتع الوساوس.
أما الحزن الذي يشعر به، فليجعله “حزن ندم” يدفعه للعمل، لا “حزن قنوط” يقعده عن الطاعة. والفرق بينهما أن ندم المؤمن يتبعه استغفار وسكينة، وقنوط الشيطان يتبعه ضيق ويأس.
كما ينبغي له أن يعلم أن استجابة الدعاء لا تعني دائماً تحقق المطلوب في الحال، بل قد يدخرها الله له في الآخرة، أو يدفع عنه بها سوءاً، أو يعطيه خيراً مما سأل.
فليثبت وليستبشر، فالله يحب التوابين، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].
وما دام الله قد وفق ابنكِ للتوبة، فهذا دليلٌ على أنه يريد أن يتوب عليه، لقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: 118].
أسأل الله العظيم أن يربط على قلب ابنكِ، وأن يملأه يقيناً وطمأنينة، وأن يصرف عنه كيد الشيطان ووساوسه، ويجعله من عباده الصالحين المفلحين. ولا تنسيه من دعائك الصادق في أوقات الإجابة، فدعاء الوالد لولده لا يُرد.

