هذا السؤال يطير به الملحد إلياس في المجموعات الإلحادية وكأنه عثر على كنز لم يسبقه إليه أحد.
يقول: لماذا الله لم يخبر محمداً بوجود النفط؟
طيب، لنفكر في هذا معاً.
تخيّل أنك سافرت بآلة الزمن إلى رجل يعيش في القرن السابع الميلادي، ووضعت أمامه خريطة تفصيلية لآبار البترول في الجزيرة العربية، ثم أعطيته دليلاً مصوراً لصناعة محرك احتراق داخلي وتكرير الخام وتصنيع البلاستيك. ماذا سيفعل بكل هذا الكلام؟ غالباً سيستعمل الورق حطباً لنار طبخه، أو يظنك مجنوناً يهذي بطلاسم لا علاقة لها بواقعه.
السؤال نفسه ينمّ عن نظرة مادية ضيقة جداً، تفترض أن قيمة أي رسالة إلهية تُقاس بمقدار ما تقدمه من معلومات اقتصادية وكتالوجات للمواد الخام. وهذا قلبٌ كامل لوظيفة الوحي.
الرسالة جاءت لتجيب عن سؤال واحد جوهري: لماذا نحن هنا؟
لم تأتِ لتجيب عن: كيف نصنع الثروة أو نستخرج الذهب الأسود من باطن الأرض.
الأنبياء بُعثوا ليعرّفوا الناس بخالقهم، ويبيّنوا لهم الغاية من وجودهم، ويضعوا نظاماً أخلاقياً وتشريعياً يحكم حياتهم بالعدل. هذه هي المهمة. ليس في توصيف عملهم أنهم مهندسو تعدين أو مستشارو طاقة.
والأمر لا يقف هنا.
نحن في عالم اختباري، والاختبار له شروط. لو أن الله كشف للبشر كل أسرار الكون دفعة واحدة، كل مكان فيه كنز، كل علاج لكل مرض قبل أوانه، لتعطّل العقل البشري تماماً، ولتوقفت حركة البحث والاكتشاف التي هي جزء أصيل من معنى الاستخلاف في الأرض. حكمة التكليف تقتضي أن يسعى الإنسان ويكدح ويكتشف بنفسه، وهذا السعي ذاته عبادة.
لكن هل توقفتَ لحظة عند المفارقة؟
أنت تستخدم الوقود الأحفوري (الأثر) لتنكر وجود من أوجده (المؤثّر). تسأل بسخرية: لماذا لم يخبرنا الله عن هذه المادة؟ وأنا أسألك: من الذي رتّب لهذه المادة العضوية أن تترسب تحت ضغط وحرارة هائلين عبر ملايين السنين، في أماكن محددة بكميات مضبوطة، تكفي بالضبط لقيام حضارة كاملة في اللحظة التي نضج فيها العلم البشري لاستخدامها؟
هل الصدفة العمياء تملك خطة استراتيجية لتخزين الطاقة لكائنات لم توجد بعد؟
لنكمل.
لو أن الوحي ذكر هذه الثروة بالاسم والوصف الكيميائي قبل أربعة عشر قرناً، لحدث أحد أمرين: إما أن الناس آنذاك يكفرون بكلام لا يملكون أدوات فهمه أصلاً، وإما أن ملاحدة ذلك الزمان يقولون: هذا هراء وأوهام.
لكن الله ذكر ما هو أعظم وأشمل حين قال: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾، والبترول من تلك النعم الباطنة التي ادّخرها لأوانها، لتقوم بها حضارة في زمن بعينه، كجزء من أرزاق البشر المقدّرة.
وهنا تأتي نقطة مهمة عن الإشارات العلمية في القرآن.
حين يتحدث القرآن عن مراحل تكوّن الجنين مثلاً، الهدف ليس إعطاء درس في علم الأجنّة. الهدف أعمق: انظر كيف خُلقت من عدم، وبُني هيكلك بهذا الإتقان المذهل، أليس الذي صنع هذا بقادر على أن يُحيي الموتى؟ العلم هنا خادم للعقيدة، والفيزياء وسيلة للوصول إلى الإيمان لا غاية بذاتها.
وقبل أن تكمل سخريتك، قف لحظة مع نفسك واسألها سؤالاً واحداً: أنت تطالب القرآن بأن يذكر لك البترول، طيب، ماذا فعلت بالحقائق العلمية التي ذكرها فعلاً وأثبتها العلم الحديث بعد قرون؟ هل نظرت فيها؟ هل أنصفتها ولو بدقيقة تأمل؟ أم أنك قفزت فوقها كلها واخترت أن تسأل عن شيء لم يُذكر لتبني عليه حجتك، متجاهلاً عشرات الأشياء التي ذُكرت؟
هذا ليس منهجاً علمياً، هذا انتقاء.
خذ أمثلة حقيقية ثابتة، لا كلام إنشائي:
القرآن وصف مراحل تكوّن الجنين البشري بدقة مذهلة: نطفة، ثم علقة وهي الكتلة التي تتعلق بجدار الرحم وتشبه العلقة الطبية في شكلها كما أكده علم الأجنة الحديث، ثم مضغة وهي قطعة لحم صغيرة عليها آثار تشبه أثر الأسنان وهذا يطابق شكل الجنين في الأسبوع الرابع تحت المجهر، ثم تكوّن العظام ثم كساؤها باللحم. هذا التسلسل أكّده كيث مور، وهو من أبرز علماء الأجنة في العالم، في طبعات كتابه الجامعي، واعترف صراحة بأن هذا الوصف لا يمكن أن يكون من مصدر بشري في القرن السابع حيث لم تكن هناك مجاهر ولا أدوات تشريح تسمح برؤية هذه المراحل.
القرآن قال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾. توسّع الكون لم يعرفه البشر إلا سنة 1929 حين رصده إدوين هابل بمرصده، وصار اليوم من أساسيات الفيزياء الفلكية. القرآن ذكره بصيغة اسم الفاعل (لَمُوسِعُون) التي تدل على الاستمرارية، وهذا بالضبط ما يقوله العلم: الكون يتوسع الآن ولم يتوقف.
القرآن قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. الرتق هو الشيء الملتصق المتماسك، والفتق هو فصله وتفريقه. نظرية الانفجار الكبير التي يقول بها أغلب الفيزيائيين اليوم تقول بالضبط إن الكون كله كان كتلة واحدة متراصّة ثم انفجرت وتوسعت. هذا رجل في القرن السابع لا يملك تلسكوباً ولا حاسوباً، فمن أخبره؟
القرآن قال: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾. علم المحيطات الحديث أثبت وجود حواجز فيزيائية بين المسطحات المائية المختلفة في الملوحة والحرارة والكثافة، تمنع اختلاطها رغم تلاقيها، وهذه الظاهرة صوّرها العلماء وتُدرَّس في الجامعات اليوم.
القرآن قال: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾. كلمة (أنزلنا) هنا لافتة جداً، لأن علم الفلك يؤكد أن الحديد لم يتكوّن على الأرض أصلاً، بل تشكّل في قلوب النجوم العملاقة ثم وصل إلى الأرض عبر النيازك والانفجارات النجمية. حرفياً: أُنزل من السماء. من أين لرجل في صحراء الجزيرة العربية أن يعرف أصل الحديد الكوني؟
القرآن وصف أعماق البحار بقوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾. الأمواج الداخلية تحت سطح البحر فوقها أمواج السطح فوقها السحاب، هذه الظاهرة لم يكتشفها العلم إلا في القرن العشرين، والظلام الدامس في أعماق المحيطات حقيقة لم يعرفها أحد قبل اختراع الغواصات. والنبي ﷺ عاش في بيئة صحراوية ولم يركب البحر أصلاً.
كل واحدة من هذه كافية لأن يتوقف عندها عاقل ويسأل نفسه: كيف وصل هذا الكلام إلى رجل أمّي قبل أربعة عشر قرناً؟
لكنك تتجاوز هذا كله، وتقفز إلى سؤال: لماذا لم يذكر البترول؟ كأن من أخبر بتوسع الكون وأصل الحديد ومراحل الجنين وأعماق البحار لا يستحق أن تُنصت لرسالته، لأنه لم يكتب لك تقريراً عن أسعار الخام.
ربما المشكلة ليست في النص، المشكلة في القارئ.
القرآن يركّز على الحقائق التي لها أثر وجودي ونفسي في الإنسان. الحديث عن نشأة الإنسان وعظمة الكون يولّد في القلب تعظيماً للخالق وتواضعاً أمام الحق، وهذا جوهر العبادة.
أما الثروات الطبيعية كالبترول فهي مادة نفعية بحتة، الجهل بتركيبها الكيميائي لا يُحدث أي خلل في إيمان المرء ولا في فهمه لغايته من الحياة.
والغريب أنك اخترت هذه المادة تحديداً. لماذا؟
لو أن الوحي أخبر عنها، لخرج ملحد آخر في القرن القادم يسأل: لماذا لم يخبره عن اليورانيوم؟ وثالث يسأل عن الألياف البصرية، ورابع يطالب بشرح ميكانيكا الكم. هذا سؤال لا ينتهي، وهو في حقيقته رغبة في تحويل الوحي إلى موسوعة علمية شاملة لكل ما سيكتشفه البشر عبر آلاف السنين.
وهذا يتناقض مع سنة الله في جعل الإنسان يكتشف الكون بعقله الذي وهبه إياه.
الله أعطاك العقل لتكتشف الكهرباء والوقود والذرة، وأعطاك الوحي لتعرف كيف تستخدم هذه القوى في الخير لا في إبادة البشرية.
ورغم كل هذا، القرآن لم يُغفل حقيقة أن الأرض مليئة بالخيرات. قال سبحانه: ﴿وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، وتحدث عن الحديد وبأسه ومنافعه، وعن تسخير كل ما في الأرض للإنسان. الثروة النفطية جزء من هذا التسخير العام، فالله أخبرنا بالأصل الكلي: كل ما في الأرض مسخّر لكم، وترك لنا شرف التفصيل والاكتشاف.
لو كان الله يريد إبهار النبي ﷺ بالمعلومات المادية لأخبره بمواقع الذهب في القارات التي لم تُكتشف بعد، أو بمناجم الألماس في أعماق أفريقيا. لكنه أعطاه ما هو أبقى وأعظم: منظومة قيم وأخلاق وتشريع عجزت كل العقول البشرية عن الإتيان بمثلها، وأجوبة وجودية عن مصير الإنسان لا يملك العلم التجريبي ولا أي ثروة مادية ذرة من الإجابة عنها.
يا إلياس، تأمل في هذا جيداً.
لو كان البترول هو كل شيء، لو كانت المادة تكفي، فلماذا يشعر الإنسان المعاصر الذي يملك كل نواتج التقنية والصناعة بهذا الفراغ الروحي الهائل؟ لماذا تنتشر العدمية واليأس في أغنى مجتمعات الأرض؟
وبما أنك تهاجم الوحي وتطالبه بما ليس من وظيفته، أسألك سؤالاً عادلاً: ماذا قدّم لك الإلحاد أنت؟
هل أعطاك معنى للحياة غير أنها فوضى عشوائية تنتهي بالعدم؟
هل فسّر لك الموت بشيء أكثر من أنه انطفاء نهائي بلا حكمة ولا غاية؟
هل أعطاك سبباً واحداً متماسكاً لوجود الأخلاق، لماذا الظلم قبيح ولماذا العدل حسن، إن كان الكون كله مادة صمّاء لا تفرّق بين الجلاد والضحية؟
أنت تقف أمام الوحي وتسأله: أين ذكر البترول؟ وأنا أقف أمام إلحادك وأسأله: أين إجاباتك عن أي شيء يهمّ الإنسان فعلاً؟ الموت، المعنى، العدالة، الضمير، الشعور بالذنب، الحاجة الفطرية للتجاوز والخلود. ليس عندك لأي سؤال من هذه جواب واحد لا يتناقض مع مقدماتك المادية.
الوحي أجاب عن كل هذا. إلحادك لم يجب عن شيء. فمن منّا يقف على أرض صلبة ومن منّا يقف في فراغ؟
الذهب الأسود أضاء المصابيح، لكنه لم يُضئ القلوب. هذا النور لا تجده إلا في الوحي الذي تسخر منه.
السؤال الحقيقي ليس: لماذا لم يخبرنا الله عن البترول؟
السؤال هو: بماذا ستجيب خالقك يوم يسألك عن عقلك الذي استعملته للسخرية بدل أن تتفكر في إعجاز خلقه؟
يقول الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
اللهم يا حي يا قيوم، يا فاطر السماوات والأرض، يا من وسعت كل شيء رحمة وعلماً.
اللهم ربّ إلياس، أنت خلقته وتعلم سرّه وجهره وما يختلج في صدره من حيرة وتساؤلات.
اللهم يا هادي المضلين ويا منير بصائر التائهين، أرِ إلياس الحق حقاً وارزقه اتباعه، وأرِه الباطل باطلاً وارزقه اجتنابه.
اللهم اشرح صدره للإيمان ونوّر قلبه بنور اليقين وأخرجه من ظلمات الشك والعدمية إلى أنوار المعرفة بك وبجمال شريعتك.
اللهم خذ بيده إليك، وحبّب إليه الإيمان وزيّنه في قلبه، وكرّه إليه الكفر والفسوق والعصيان واجعله من الراشدين.
اللهم لا تجعل للشيطان عليه سبيلاً، وافتح له أبواب رحمتك، واجعله ممن سبقت لهم منك الحسنى، إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.

