تنبيه مهم: هذا المقال ليس هجومًا على عموم المسلمين المقيمين في الغرب، ولا حكمًا على أعيانهم، ولا تجاهلًا لأحوال المضطرين والمستضعفين ومن لا يجدون طريقًا آمنًا للانتقال إلى بلاد المسلمين؛ فهذه أحوال لها تفصيلها الشرعي، ولكل إنسان ظروفه التي يعلمها الله.
إنما المقال ردٌّ علمي ومنهجي على عبارة خطيرة صدرت من محمد شمس الدين في تعامله مع حديث نبوي، حيث لم يكتف بمناقشة الإسناد، بل سخر من معنى الحديث بقوله: “تخيل أن نبيًا يتبرأ من أتباعه بحسب عنوان إقامتهم!”
فالحديث هنا ليس عن فلان وفلان من المسلمين في الغرب، ولا عن محاكمة الناس بأعيانهم، وإنما عن أصل المسألة: هل يجوز أن تُرد نصوص الوعيد والهجرة ومفارقة المشركين بهذه الطريقة؟ وهل يصح تحويل الخلاف الحديثي إلى سخرية من معنى جاءت به نصوص أخرى، وجرى عليه كلام أهل العلم؟
وما أنقله في هذا المقال من أحاديث وآثار وكلام للعلماء إنما هو لإثبات أن المعنى الذي سخر منه محمد شمس الدين ليس معنى شاذًا ولا مخترعًا، بل أصلٌ قرآني وحديثي وفقهي معتبر، مع بقاء التفصيل في تنزيل الأحكام على الأشخاص والظروف.
ونسأل الله أن يحفظ المسلمين في كل مكان، وأن يردّنا جميعًا إلى الحق ردًا جميلًا.
نشر الشيخ عبد القادر البكور نصيحة لمحمد شمس الدين قال فيها:
نصيحة للأخ محمد بن شمس الدين أن يسعى في النجاة من براءة النبي ﷺ منه، هذه البراءة المذكورة في قوله عليه الصلاة والسلام: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين».
فاهتم بنفسك ونجاتها من الوعيد، وترك الإقامة في بلاد الكفر، بدل أن تتربص لزيد وعبيد، تخطئ فلانًا، وتبدع فلانًا، وتراقب فلانًا، وتتصيد كلمات فلان.
وسوريا ولله الحمد آمنة، لا حجة لك في تركها إلى أوروبا، ووالله لو كنت مكانك يا محمد لخجلت من نفسي واستحييت أن أتكلم في أحد، فضلًا عن أن أتربص لأهل الدعوة والعلم مفتشًا منقبًا عن أدنى ما أتوهمه خللًا.
ثم لعلك إذا تركت ألمانيا وجلست في بلاد المسلمين، وخالطتهم، وعرفت واقعهم وإشكالاتهم؛ تتوسع مداركك، ويحسن فهمك للأمور، وتعرف أن الدعوة لا تقوم بطريقتك.
انتهت النصيحة.

وهذه نصيحة طيبة في أصلها، كان اللائق بمن يخشى الله ويعرف خطر الحياة في الغرب أن يقابلها بشيء من التواضع، حتى لو كان يرى لنفسه عذرًا في البقاء، أو لا يستطيع الرجوع، أو يخالف الناصح في تنزيل الحكم على حاله.
كان يكفيه أن يقول: جزاك الله خيرًا، والمسألة عندي لها ملابساتها، وأسأل الله أن يرشدني للحق.
لكن محمد شمس الدين لم يفعل ذلك.
بل جاء رده كعادته صادمًا متشنجًا، لا يناقش المسألة بهدوء، ولا يتعامل مع النصيحة على أنها تذكير بحديث نبوي ووعيد شرعي، بل قلبها إلى معركة شخصية، ثم كتب كلامًا خطيرًا جدًا، من جملته:
«تخيل أن نبيًا يتبرأ من أتباعه بحسب عنوان إقامتهم!»

وهذه العبارة الكارثية وحدها كافية لكشف أصل الخلل عنده، وسأبيّن لكم خطرها؛ لأنها تهيّئ القارئ، وخصوصًا أتباعه، لاستقباح كلام النبي ﷺ نفسه لو ثبت عنه، بدل أن يتأدّب مع النص، ويجمع أدلة الباب من القرآن والسنة وكلام أهل العلم.
فهو لا يناقش الحديث هنا بعلم، بل يحاكم النص النبوي إلى ذوقه العقلي، ويستعمل نفس الفلسفة العقلانية الفاسدة التي يزعم ليل نهار أنه يحاربها.
منذ متى تُرد ألفاظ الوحي بعبارة: “تخيل”؟
ومنذ متى صار استنكار العقل القاصر ميزانًا لقبول ألفاظ النبي ﷺ أو ردها؟
ومنذ متى صار من تعظيم النبي ﷺ أن يُستبعد صدور وعيد عنه لأن المخيلة الحديثة الملوثة بحب الدنيا لا تستسيغه؟
محمد شمس الدين يتستر هنا بالعلل الحديثية ليرد حديث: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين ظهراني المشركين»، ويزعم أنه مرسل وليس صحيحًا.
حسنًا، من أراد مناقشة الإسناد فليُناقشه بأدوات الصنعة، لا بالتدليس على العامة، ولا بتحويل البحث الحديثي إلى سخرية من معنى الحديث.
الفرق كبير بين أن يقول طالب علم أو عالم: “هذا الطريق فيه إرسال، والحديث له بحث”، وبين أن يقول: “تخيل أن نبيًا يتبرأ من أتباعه بحسب عنوان إقامتهم!”
الأولى بحث علمي يقبله الجميع وهو موجود.
والثانية محاكمة للحديث بالعاطفة والعقل المجرد.
وهنا تظهر الانتقائية الفاضحة.
محمد شمس الدين يقبل في مواطن أخرى آثارًا وأحاديث يعلّق عليها العقيدة، ويُسقط بها علماء، ويشنّع بها على مخالفيه، وربما كان في أسانيدها ومتونها ما هو أضعف بكثير مما يردّه هنا. فإذا خدم الأثر مشروعه الحدادي صار حجة، وإذا اصطدم الحديث بمقامه في الغرب، صار مرسلًا لا يلتفت إليه، وصار معناه مستنكرًا بعبارة: “تخيل”!
هذا ليس تحقيقًا حديثيًا.
هذا هوى يلبس لباس الصنعة.
ثم إن الإرسال الذي يتعلل به ليس إرسال راوٍ مجهول أو ساقط، بل هو مرسل تابعي مخضرم، أدرك زمن النبي ﷺ، وجل روايته عن كبار الصحابة، بل هو من أوسع التابعين رواية عن أصحاب رسول الله ﷺ. ثم إن للحديث طرقًا أخرى صرّحت بوصل الحديث عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه.
والحفاظ الذين تكلموا في بعض طرقه بالإرسال إنما تكلموا من جهة الصنعة الحديثية الدقيقة، لا أنهم أهدروا أصل المعنى، ولا جعلوا الحديث مادة للسخرية، ولا أسقطوا به نصوص الهجرة ومفارقة المشركين، ولا قالوا للناس: تخيلوا أن نبيًا يتبرأ!
فحتى لو سُلّم بالكلام في إرسال هذا الطريق، فهل معنى ذلك أن الباب كله سقط؟ وهل قال أهل العلم الذين تكلموا في الإرسال إن الإقامة بين المشركين لمن لا يستطيع إقامة دينه مباحة لا حرج فيها؟ أبدًا. بل كلامهم في الفقه والتفسير جارٍ على معنى الحديث ومؤيد له؛ فالآية في سورة النساء، وكلام ابن كثير في تحريم إقامة القادر على الهجرة العاجز عن إقامة الدين، وكلام الونشريسي وابن رشد وابن حزم في خطورة المقام بين أهل الكفر، كل ذلك يقرر المعنى نفسه. فمحمد شمس الدين لا يرد مجرد إسناد، بل يحاول أن يستعمل الكلام في الإسناد لهدم معنى شرعي متقرر حول الإقامة في ديار الكفر لم يتغير منذ زمن فتح مكة إلى يومنا هذا، وهذه هي الخيانة المنهجية في التعامل مع النصوص.
وفي نيل الأوطار للإمام الشوكاني جمع الأحاديث المتعلقة بهذا الموضوع تحت باب: بقاء الهجرة إلى دار الإسلام وأن لا هجرة من دار أسلم أهلها، وأورد فيه حديث سمرة، وحديث جرير، وحديث بقاء الهجرة، وحديث لا هجرة بعد الفتح، وهذا الجمع من الشوكاني مهم؛ لأنه يثبت أن أهل العلم جعلوا هذه النصوص بابًا واحدًا متصل المعنى لا روايات متفرقة لا صلة بينها (سأنقل لكم الباب في نهاية المقال لمن أراد المراجعة).
فهل وجد محمد شمس الدين إمامًا من أئمة الحديث قال هذه العبارة السوقية عن معنى الحديث؟
وهل وجد حافظًا من الحفاظ جعل سبب الورود ذريعة لإلغاء عموم اللفظ؟
وهل وجد عالمًا معتبرًا قال إن حديث البراءة لا معنى له لأن النبي ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟
بل الواقع أن جماعة من أهل العلم قبلوا الحديث أو اعتمدوا معناه، وصححه الشيخ مقبل الوادعي والشيخ الألباني، وقبلهما احتج به الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى.
وقال الإمام ابن القيم في أحكام أهل الذمة: وفي ” السنن ” و ” المسند ” من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” «لا تستضيئوا بنار المشركين، ولا تنقشوا على خواتيمكم عربيا» “. وفسر قوله: ” «لا تستضيئوا بنار المشركين» ” يعني: لا تستنصحوهم ولا تستضيئوا برأيهم. والصحيح أن معناه: مباعدتهم وعدم مساكنتهم، كما في الحديث الآخر: ” «أنا بريء من كل مسلم بين ظهراني المشركين لا تراءى نارهما» “.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: وقوله: {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} لما ذكر أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض قطع الموالاة بينهم وبين الكفار، ولهذا روي: “من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله” رواه أبو داود من حديث سمرة مرفوعا، وفي حديث آخر: “أنا بريء من كل مسلم بين ظهراني المشركين .” معنى قوله: {إلا تفعلوه تكن فتنة} الآية، أي: إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين، وإلا وقعت الفتنة في الناس، وهو التباس الأمر، واختلاط المسلم بالكافر، فيقع فساد عريض.
مختصر تفسير سورة الأنفال (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني عشر) (ص25)وقال الشيخ ابن باز رحمه الله: وقد روى أبو داود والترمذي والنسائي بإسناد جيد عن جرير بن عبد الله البجلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين المشركين» وما ذلك إلا لأن إقامته بينهم وسيلة إلى كفره بالله أو إلى نقص دينه وضعف قيامه بحق مولاه سبحانه وتعالى.
مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز (5/ 14)وقال الشيخ محمد صالح المنجد: دلت الأدلة على تحريم المقام بين ظهراني المشركين، ووجوب الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام لمن قدر على ذلك. قال الله تعالى: (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا) النساء/97. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين) . رواه أبو داود (2645) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
فهل صار هؤلاء جميعًا لا يفهمون مقام النبوة، وجاء محمد شمس الدين وحده ليكتشف أن الحديث لا يليق بالنبي ﷺ لأن خياله لم يستوعبه؟
ثم إن المسألة لا تقف على هذا الطريق وحده.
أين يذهب من النصوص المتكاثرة في الهجرة، ومفارقة المشركين، والفرار بالدين، والتحذير من الركون والذوبان؟
أين يذهب من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا (وهو صحيح): «لا يقبل الله عز وجل من مشرك بعدما أسلم عملًا أو يفارق المشركين إلى المسلمين»؟
وأين يذهب من حديث: «لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم فمن ساكنهم أو جامعهم فهو مثلهم». رواه الترمذي وأبو داود والنسائي، وصححه الألباني.
وأين يذهب من حديث: «من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله»، وإن كان في إسناده كلام، لكنه جارٍ في نفس الباب والمعنى، ويقوى بمجموع النصوص والآثار؟
وأين يذهب من الآية المحكمة في سورة النساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾
وهنا لا نحتاج إلى صراخ ولا تهويل بل نريد من هذا المتعالم أن يفسر لنا معنى الآية فقد أعلن سابقًا في مناظرته مع علاء المهدوي أنه لا يحتاج إلى سلف في التفسير فليخرج ويفسر الآية
أما أهل العلم كالحافظ ابن كثير رحمه الله فقد حسم أصل المسألة عند تفسير هذه الآية، فقال إن الآية عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين، وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنًا من إقامة الدين، وأنه ظالم لنفسه، مرتكب حرامًا بالإجماع.
وقال أيضًا مستدلاً بالحديث وذكر أنه موصول: وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا محمد، عن محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ على رجل دخل في الإسلام، فقال: “تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج البيت وتصوم رمضان، وإنك لا ترى نار مشرك إلا وأنت له حرب” وهذا مرسل من هذا الوجه، وقد روي متصلا من وجه آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “أنا بريء من كل مسلم بين ظهراني المشركين” ثم قال: “لا يتراءى ناراهما”.
فالمسألة ليست اختراعًا معاصرًا.
وليست حقدًا على المسلمين في الغرب.
وليست رغبة في إخراج الناس من الإسلام.
وليست حكمًا على كل مقيم بأنه كافر أو خارج من الملة.
بل هي أصل قرآني وحديثي وفقهي معروف: من عجز عن إقامة دينه، وخاف على نفسه وأهله وذريته، وقدر على الهجرة، لم يجز له البقاء مختارًا بين أهل الكفر، والواقع خير شاهد أن الإقامة في هذه البلاد فيها خطر على الذرية ومن أراد التعرف على أوضاع الجاليات يكتب سلسلة المسلمون في الغرب ويسمع القصص من داخل أوروبا.
ومن لا يقوى على الاستماع لحلقات طويلة نشرت التجارب في مقاطع مستقلة بعنوان: قصص المسلمين في الغرب.
أما قول محمد شمس الدين إن الحديث قيل في سياق الدية، فهذه ليست حجة، بل فضيحة أصولية.
نعم، معرفة سبب ورود الحديث مهمة في فهمه، لكن من أبجديات العلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
النبي ﷺ لم يقل: أنا بريء من دية هؤلاء فقط.
بل جاء اللفظ عامًا شديدًا: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين ظهراني المشركين».
فأخذ محمد شمس الدين السبب، وجعله قيدًا يلغي عموم اللفظ، ثم جعل هذا الإلغاء دينًا وفقهًا، وهذا من أبطل مسالك التعامل مع النصوص.
ثم يأتي الاستهزاء الأعجب: “بحسب عنوان إقامتهم”.
وكأن القضية مجرد رقم بيت، أو اسم شارع، أو رمز بريدي!
لا.
القضية ليست عنوان إقامة.
القضية تتعلق بديار كفر أصلية فيها يذوب دين المسلمين.
القضية تتعلق بوولاء يتغير وقد رأينا كيف تحولت أفكار كثير من المسلمين هناك.
القضية في أجيال تنسلخ عن دينها عبر التعليم الإلحادي الذي يربي الأطفال على التمرد والشذوذ والإلحاد.
القضية في أبناء ينشؤون على ثقافة الكفر، وبنات يُدفعن إلى الانحلال، وأولاد يُربَّون على الشذوذ واللادينية.
وآباء يفقدون القدرة القانونية والاجتماعية على حماية أولادهم من أعظم أبواب الفتنة.
هذا “العنوان” الذي يستهين به صار في واقع كثير من المسلمين سلطانًا على الدين واللسان والأسرة والذرية.
ومن هنا فهم العلماء خطورة الباب.
لم يتكلموا عن جغرافيا مجردة، ولا عن ورقة إقامة، بل تكلموا عن القدرة على إقامة الدين، وحفظ النفس والأهل والولد، والنجاة من سلطان الكفر وفتنته.
ولهذا كان الإمام الونشريسي رحمه الله في كلامه على هذه المسألة لا يتحدث عن “عنوان” ولا عن “منطقة سكن”، بل عن سلامة الدين والأهل والولد، وعن الخروج من حكم الملة الكافرة إلى حكم الملة المسلمة، وعن المستطيع والعاجز والمضطر.
وابن رشد رحمه الله ذكر بقاء الهجرة إلى يوم القيامة، وذكر حديث البراءة في هذا الباب، ومالك رحمه الله كره للمسلم أن يسكن بلدًا يُسب فيه السلف، فكيف ببلد تعلو فيه شعائر الكفر، وتُحارب فيه أصول الدين والفطرة، وتُصنع فيه القوانين على خلاف الوحي؟
فأين هذا الفقه العميق من تسخيف المسألة بعبارة: “عنوان إقامتهم”؟
ثم إن أعجب ما في كلام محمد شمس الدين أنه هو نفسه شاهد عملي على كذب عبارته.
فهو الذي زعم لما سئل عن أفغانستان وألمانيا أنه مقيم في بلد يستطيع فيه أن يقول ما يشاء في دين الله، ولا يُفرض عليه مذهب فقهي ولا عقدي.
حسنًا، إن كان يعيش في بلد يستطيع فيه أن يقول ما يشاء في دين الله، فلماذا صار يتحسس ألفاظه عند الحديث عن قضايا تمس الغرب واليهود والنصارى؟
ولماذا أُخفيت أو جُعلت خاصة مقاطع قديمة له في كفر أهل الكتاب، وكانت عناوينها صريحة في تقرير كفر اليهود والنصارى، وذكر الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع؟
هل تغيّر الحكم الشرعي؟
هل تراجع عن هذا الأصل؟
هل اكتشف فجأة أن هذه المسألة لم تعد من الدين؟
أم أن “عنوان الإقامة” الذي يسخر منه تحوّل إلى سلطان حقيقي على اللسان، يجعل صاحبه يحسب ألف حساب قبل أن يصرّح بما كان يصرّح به قديمًا؟
وهنا بيت القصيد.
هو يسخر من الحديث، ويقول: “تخيل أن نبيًا يتبرأ من أتباعه بحسب عنوان إقامتهم”.
ثم تأتي سيرته نفسها لتثبت أن الإقامة ليست عنوانًا فقط.
الإقامة قد تصنع خوفًا.
وقد تصنع رقابة ذاتية.
وقد تصنع مداهنة.
وقد تجعل صاحب الشعارات العالية على المسلمين شديد الحذر عند حدود الكفار.
وقد تجعل من يرفع راية التوحيد على مخالفيه يتلعثم أو يتوارى أو يخفف أو يحذف عندما يقترب الكلام من خطوط الغرب الحمراء.
فهل بعد هذا يقال إن القضية مجرد عنوان؟
الغريب أن محمد شمس الدين شديد جدًا على المسلمين، وعلى العلماء، وعلى الدعاة، وعلى المخالفين.
هناك تظهر الحدة، والعبارات القاسية، والتبديع، والتفسيق، وإسقاط الناس، والتنقيب في العبارات، وتصيد الزلات.
أما عند حدود الغرب، فتظهر لغة أخرى: حسابات، وقيود، وخطوط حمراء، وتلطف، وتحاشٍ، ثم بعد ذلك يقال للناس: ألمانيا بلد أقول فيها ما أشاء في دين الله!
هذه هي المأساة.
خوارج على المسلمين، أرانب مع الكافرين.
ولذلك فالقضية ليست مجرد رد على الأخ عبد القادر البكور.
القضية أن محمد شمس الدين يدافع عن واقعٍ بالغ الخطورة، ثم يجعل من يذكّره بالنصوص حاقدًا، ومن ينصحه بالهجرة متربصًا، ومن يستدل عليه بحديث نبوي جاهلًا أو مدلسًا.
مع أن الكلام العلمي المنضبط واضح:
لا أحد يقول إن كل مقيم في الغرب كافر.
ولا أحد يقول إن كل إقامة في بلاد الكفر محرمة بإطلاق دون تفصيل.
ولا أحد يقول إن أحكام الضرورة والعجز والمصلحة الشرعية ساقطة.
المضطر له حكمه.
والعاجز له حكمه.
ومن لا يجد ملجأ آمنًا له حكمه.
ومن دخل لعلاج أو تجارة عارضة أو دعوة منضبطة مع قدرته على إقامة دينه له حكمه.
لكن الكلام ليس عن هؤلاء.
الكلام عن تحويل الإقامة الدائمة في ديار الكفر إلى أمر طبيعي لا خطر فيه.
الكلام عن تسويق الغرب كواحة حرية دينية، مع أن الواقع يشهد بخلاف ذلك.
الكلام عن السخرية من النصوص التي جاءت بالتحذير.
الكلام عن اتهام الناصحين بأنهم حاقدون لأنهم ذكّروا بحديث نبوي.
يمكنكم مراجعة كلامي عن هذا الأمر في هذا البث الذي حاول محمد شمس الدين حذفه
والأقبح من ذلك كله أن محمد شمس الدين يستدل بقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾
وكأن ولاية النبي ﷺ للمؤمنين تمنع أن يتبرأ من فعل محرم، أو من مقام خطير، أو من حال يعرّض الدين للهلاك!
وهذا فهم مقلوب.
لأن النبي ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، حذّرهم مما يفسد دينهم.
ولأنه رحمة للعالمين، قطع عنهم طرق الهلاك.
ولأنه ناصح أمين، شدد في أبواب الفتنة والولاء والذوبان بين المشركين.
فبراءة النبي ﷺ هنا ليست كما يصورها محمد شمس الدين براءة إخراج لكل مقيم من الإسلام، ولا حكمًا عامًا على ملايين الناس بالكفر، وإنما هي وعيد شديد وزجر عظيم عن مقام يعرّض المسلم للضياع إذا لم يستطع إقامة دينه.
لكن مشكلته أنه لا يريد التفصيل العلمي.
هو يريد صناعة مشهد عاطفي: “انظروا! هؤلاء يقولون إن النبي يتبرأ من المسلمين بسبب العنوان!”
وهذا تلبيس.
لا أحد يقول إن المسلم يكفر بمجرد عنوانه.
ولا أحد يقول إن كل مقيم في الغرب خارج من الإسلام.
ولا أحد يقول إن الضرورات والحاجات لا اعتبار لها.
إنما يقال: الإقامة بين المشركين مع العجز عن إقامة الدين والخطورة المؤكدة على الأطفال والذرية، ومع القدرة على الهجرة، ومع تعريض النفس والأهل للذوبان والفتنة، باب عظيم الخطر، جاءت النصوص بالتحذير منه، وصرح العلماء بتحريمه في مواضعه.
فبدل أن يحرر المسألة، شوّهها بطريقته المعهودة في التشغيب لكن هذه المرة يعارض حديثًا نبويًا بمجرد التخيلات!
وبدل أن يفرّق بين الحالات، سخر من أصل الباب.
وبدل أن يحفظ مقام الحديث النبوي، رده بعبارة: “تخيل أن نبيًا يتبرأ!”
ثم تأتي العلة الكبرى: الانتقائية.
حين يريد إسقاط عالم، أو تبديع مخالف، أو خدمة منهجه الحدادي في التجريح، يقبل من الآثار والروايات ما لو عُرض عليه في غير هواه لمزقه تمزيقًا.
وحين يصطدم حديث له طرق وشواهد وكلام معتبر لأهل العلم بمزاجه، يتحول فجأة إلى ناقد حديثي متشدد، ثم يزيد الطين بلة فيسخر من معناه ويجعله مخالفًا لمقام النبوة.
هذه ليست صنعة حديثية.
هذا هوى يلبس لباس التحقيق.
الذي يعظم السنة لا يقول عن لفظ منسوب إلى النبي ﷺ تلقاه جماعة من أهل العلم بالقبول: “تخيل أن نبيًا…” بهذا الأسلوب.
والذي يعرف قدر النصوص لا يجعل عقله وذوق جمهوره حاكمًا عليها.
والذي يطلب الحق لا يهوّن من فتنة أكلت دين أجيال كاملة، ثم يسميها مجرد “عنوان إقامة”.
الخلاصة: ليست القضية أن كل مقيم في الغرب كافر.
وليست القضية أن كل إقامة في بلاد الكفر محرمة بإطلاق دون تفصيل.
وليست القضية إلغاء الضرورات والحاجات والمصالح الشرعية.
القضية أن محمد شمس الدين يتلاعب بالنصوص.
يضعف ما لا يعجبه، ويصحح ما يخدمه.
يستعمل العلل الحديثية حين توافق هواه، ويهجرها حين تصادم مشروعه.
يتظاهر بتعظيم النبي ﷺ، ثم يسخر من لفظ حديثه بحجة أنه لا يوافق خياله.
ويزعم أنه يعيش في بلد يقول فيه ما يشاء في دين الله، ثم يشهد واقعه أن الإقامة هناك ليست “عنوانًا” بريئًا، بل ضغط وسلطان وخطوط حمراء، حتى على من يرفعون شعارات التوحيد إذا اقترب الكلام من مناطق لا يرضى عنها الغرب.
فليزل التناقض من منهجه أولًا.
وليتعلم الفرق بين تحرير المسائل وبين العبث بالنصوص.
وليكف عن تسخيف أحاديث رسول الله ﷺ لتبرير واقعٍ يعلم هو قبل غيره أنه لا يقدر فيه أن يقول كل ما يشاء في دين الله.
===========
قال الإمام الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار الجزء 14/318 : [الباب الثالث والخمسون] باب بقاء الهجرة إلى دار الإسلام وأن لا هجرة من دار أسلم أهلها
219/ 3451 – (عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله”، رواه أبو داود). [حسن لغيره]
220/ 3452 – (وعن جرير بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى خثعم، فاعتصم ناس بالسجود فأسرع فيهم القتل، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأمر لهم بنصف العقل وقال: “أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين”، قالوا: يا رسول الله ولم؟ قال: “لا تتراءى ناراهما”، رواه أبو داود والترمذي).
[صحيح دون الأمر بنصف العقل]
221/ 3453 – (وعن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها”، رواه أحمد وأبو داود). [صحيح]
222/ 3454 – (وعن عبد الله بن السعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو”، رواه أحمد والنسائي). [صحيح]
223/ 3455 – (وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا”، رواه الجماعة إلا ابن ماجه، لكن له منه: “إذا استنفرتم فانفروا”. [صحيح] وروت عائشة مثله. متفق عليه). [صحيح]
224/ 3456 – (وعن عائشة، وسئلت عن الهجرة فقالت: لا هجرة اليوم، كان المؤمن يفر بدينه إلى الله ورسوله مخافة أن يفتن، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام، والمؤمن يعبد ربه حيث شاء. رواه البخاري). [صحيح]
225/ 3457 – (وعن مجاشع بن مسعود أنه جاء بأخيه مجالد بن مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هذا مجالد جاء يبايعك على الهجرة، فقال: “لا هجرة بعد فتح مكة، ولكن أبايعه على الإسلام والإيمان والجهاد”، متفق عليه). [صحيح]
حديث سمرة قال الذهبي: إسناده مظلم لا تقوم بمثله حجة.
وحديث جرير أيضا أخرجه ابن ماجه ورجال إسناده ثقات، ولكن صحح البخاري وأبو حاتم وأبو داود والترمذي والدارقطني إرساله إلى قيس بن أبي حازم، ورواه الطبراني أيضا موصولا.
وحديث معاوية أخرجه أيضا النسائي.
قال الخطابي: إسناده فيه مقال.
وحديث عبد الله السعدي [رجال إسناده موثقون، وقد] أخرجه أيضا ابن ماجه وابن منده والطبراني والبغوي وابن عساكر.
قوله: (فهو مثله) فيه دليل على تحريم مساكنة الكفار ووجوب مفارقتهم.
والحديث وإن كان فيه المقال المتقدم لكن يشهد لصحته قوله تعالى: {فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم}.
وحديث بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه عن جده مرفوعا: “لا يقبل الله من مشرك عملا بعد ما أسلم أو يفارق المشركين”.
قوله: (لا تتراءى ناراهما) يعني: لا ينبغي أن يكونا بموضع بحيث تكون نار كل واحد منهما في مقابلة الأخرى؛ على وجه لو كانت متمكنة من الإبصار لأبصرت الأخرى، فإثبات الرؤية للنار مجاز.
قوله: (ما قوتل العدو) فيه دليل: على أن الهجرة باقية ما بقيت المقاتلة للكفار.
قوله: (لا هجرة بعد الفتح) أصل الهجرة هجر الوطن، وأكثر ما تطلق على من رحل من البادية إلى القرية.
قوله: (ولكن جهاد ونية) قال الطيبي وغيره: هذا الاستدراك يقتضي مخالفة حكم ما بعده لما قبله. والمعنى: أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن؛ التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة؛ انقطعت إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة، كالفرار من دار الكفر، والخروج في طلب العلم، والفرار بالدين من الفتن، والنية في جميع ذلك.
قوله: (وإذا استنفرتم فانفروا) قال النووي: يريد: أن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة يمكن تحصيله بالجهاد والنية الصالحة، وإذا أمركم الإمام بالخروج إلى الجهاد ونحوه من الأعمال الصالحة فاخرجوا إليه.
قال الطيبي: إن قوله: “ولكن جهاد … إلخ” معطوف على محل مدخول “لا هجرة” أي الهجرة من الوطن إما للفرار من الكفار، أو إلى الجهاد، أو إلى غير ذلك، كطلب العلم، فانقطعت الأولى وبقيت الأخريان، فاغتنموهما، ولا تقاعدوا عنهما. بل إذا استنفرتم فانفروا.
قال الحافظ: وليس الأمر في انقطاع الهجرة من الكفار على ما قال، انتهى.
وقد اختلف في الجمع بين أحاديث الباب، فقال الخطابي وغيره: كانت الهجرة فرضا في أول الإسلام على من أسلم لقلة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع، فلما فتح الله مكة دخل الناس في دين الله أفواجا، فسقط فرض الهجرة إلى المدينة، وبقي فرض الجهاد والنية على من قام به أو نزل به عدو، انتهى.
قال الحافظ: وكانت الحكمة أيضا في وجوب الهجرة على من أسلم ليسلم من أذى من يؤذيه من الكفار، فإنهم كانوا يعذبون من أسلم منهم إلى أن يرجع عن دينه، وفيهم نزلت: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} الآية، وهذه الهجرة باقية الحكم في حق من أسلم في دار الكفر وقدر على الخروج منها.
وقال الماوردي: إذا قدر على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر فقد صارت البلد به دار إسلام، فالإقامة فيها أفضل من الرحلة عنها لما يترجى من دخول غيره في الإسلام، ولا يخفى ما في هذا الرأي من المصادمة لأحاديث الباب القاضية بتحريم الإقامة في دار الكفر.
وقال الخطابي أيضا: إن الهجرة افترضت لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة إلى حضرته للقتال معه وتعلم شرائع الدين. وقد أكد الله ذلك في عدة آيات، تحى قطع الموالاة بين من هاجر ومن لم يهاجر فقال: {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا}، فلما فتحت مكة ودخل الناس في الإسلام من جميع القبائل انقطعت الهجرة الواجبة وبقي الاستحباب.
وقال البغوي في شرح السنة: يحتمل الجمع بطريق أخرى، فقوله: “لا هجرة بعد الفتح”، أي: من مكة إلى المدينة.
وقوله: ” [لا] تنقطع” أي: من دار الكفر في حق من أسلم “إلى دار الإسلام.
قال: ويحتمل وجها آخر، وهو أن قوله: “لا هجرة” أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان بنية عدم الرجوع إلى الوطن المهاجر منه إلا بإذن.
فقوله: “لا تنقطع” أي هجرة من هاجر على غير هذا الوصف من الأعراب ونحوهم.
وقد أفصح ابن عمر بالمراد فيما أخرجه الإسماعيلي بلفظ: “انقطعت الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار”، أي: ما دام في الدنيا دار كفر فالهجرة واجبة منها على من أسلم وخشي أن يفتن على دينه، ومفهومه أنه لو قدر أن لا يبقى في الدنيا دار كفر أن الهجرة تنقطع لانقطاع موجبها.
وأطلق ابن التين أن الهجرة من مكة إلى المدينة كانت واجبة، وأن من أقام بمكة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بغير عذر كان كافرا.
قال الحافظ: وهو إطلاق مردود.
وقال ابن العربي: الهجرة هي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فرضا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم واستمرت بعده لمن خاف على نفسه والتي انقطعت أصلا هي القصد إلى [النبي] حيث كان.
وقد حكى في البحر أن الهجرة عن دار الكفر واجبة إجماعا حيث حمل على معصية فعل أو ترك أو طلبها الإمام بقوته لسلطانه.
وقد ذهب جعفر بن مبشر وبعض الهادوية إلى وجوب الهجرة عن دار الفسق قياسا على دار الكفر، وهو قياس مع الفارق.
والحق عدم وجوبها من دار الفسق لأنها دار إسلام، وإلحاق دار الإسلام بدار الكفر بمجرد وقوع المعاصي فيها على وجه الظهور ليس بمناسب لعلم الرواية ولا لعلم الدراية، وللفقهاء في تفاصيل الدور والأعذار المسوغة لترك الهجرة مباحث ليس هذا محل بسطها.
انتهى كلامه رحمه الله في هذا الباب
ومما يستفاد من كلام الإمام الشوكاني هنا أن العلماء مهما قالوا في أسانيد الأحاديث لا يطعنون فيها ولا يخضعون الكلام المنسوب للنبي صلى الله عليه وسلم لتخيلات بعض المرضى الذين استحبوا الحياة بين الكفار لأجل منافع دنيوية فأمثال محمد شمس الدين لا نشاط له في الواقع لدعوة الكفار إلى الإسلام (في ألمانيا) بل جل نشاطه ضد علماء المسلمين.

