السلام عليكم عندي سؤال وهو دائما ما يراودني هل ما نحن فيه الان من ذل هو بسبب من سبقونا من الأمم المسلمة الم يكونوا في عزهم وفي مجدهم الم يكن عندهم العقول التي برعت في كل العلوم سواء في الهندسة والجبر والطب وغيره لما لم يخضعوا هذه العلوم في صناعة السلاح في حين ان الاوربين عندما تعلموا هذه العلوم بعد ان كانوا جهلاء اول شيء صنعوه هو سلاحهم ونحن اول من احترق بنار هذا العلم حتي اصبحنا عبيدا لهم ولسحلاحهم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
ألمك مفهوم؛ لأنك تنظر إلى أمةٍ كان لها قرآن، وعلم، وحضارة، ورجال، ثم ترى كثيرًا من بلاد المسلمين اليوم مستضعفة أمام سلاح غيرها واقتصاده ونفوذه.
لكن الجواب العادل ليس: “أجدادنا كانوا أغبياء ولم يصنعوا السلاح”، ولا هو: “الغرب انتصر فقط لأنه تعلّم منّا ثم خاننا”. الحقيقة أعمق: المسلمون امتلكوا العلم والسلاح في مراحل كثيرة، لكن الخلل وقع حين ضعفت الأمة عن تحويل العلم إلى قوة دائمة منظّمة، ومعه وقع ضعف الدين، والعدل، والوحدة، والسياسة، والصناعة، والتربية، والجهاد بمعناه الواسع.
أول ما يجب تصحيحه: المسلمون لم يكونوا غافلين عن القوة العسكرية. الدولة العثمانية مثلًا استعملت المدافع والبارود والأسلحة النارية، ودمجت البنادق في قواتها، وكانت الانكشارية من أشهر الجيوش النظامية في العالم القديم؛ وتذكر الموسوعة البريطانية Britannica أن العثمانيين استعملوا البارود بالمدافع والقنابل والبنادق، وخصصوا وحدات للمدفعية والانكشارية.
كما تذكر كامبردج أن أسلحة العثمانيين اليدوية في القرنين السادس عشر والسابع عشر كانت قريبة من أسلحة خصومهم الأوروبيين، لكن المشكلة ظهرت في أمور مثل ضعف التقييس والتنظيم الصناعي مقارنة ببعض القوى الأوروبية.
فالمشكلة لم تكن أن المسلمين “لم يعرفوا السلاح”، بل أن التفوق العلمي والعسكري يحتاج إلى مؤسسات مستمرة، وتمويل، وصناعة، وتحديث دائم، ووحدة قرار، وعدل سياسي، وتعليم منتج.
والقرآن لم يربِّ الأمة على الضعف ولا على ترك القوة، بل قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60].
فهذه الآية أصل عظيم: القوة في الإسلام ضرورة لردع العدو من استباحة الأمة. وليست القوة صلاةً بلا صناعة، ولا صناعةً بلا إيمان، ولا علمًا نظريًا بلا إعداد. ولذلك قال النبي ﷺ: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير» رواه مسلم. فالإسلام يريد المؤمن القوي في إيمانه، وعلمه، وبدنه، وسياسته، واقتصاده، وسلاحه، وتنظيمه.
أما: لماذا صارت الأمة إلى ما ترى؟ فالقرآن يعطينا قانونًا لا يجامل أحدًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
وقال سبحانه: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: 53].
فزوال التمكين ليس صدفة تاريخية، بل له سنن: إذا ضعفت العقيدة، وتمزقت الأمة، وفسد الحكم، وغلب الترف، وتحوّل العلم إلى ترف ذهني لا قوة عملية، واحتُقر أهل الصناعة، وتسلطت الأنانية القُطرية، وترك الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقُدِّم الولاء للمال والسلطة على الولاء لله ورسوله والمؤمنين؛ جاءت الهزيمة.
لكن لا يجوز أن نحمّل “من سبقونا” كل شيء بإطلاق. فيهم أئمة وعلماء ومجاهدون ومصلحون ومهندسون وأطباء وقادة، ومنهم من بذل ما استطاع. قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: 134].
هذه الآية تقطع عادة البكاء على الماضي دون عمل. نعم ندرس أخطاء الماضي، لكن لا نحولها إلى شماعة.
سؤال اليوم الأخطر: ماذا نفعل نحن بعقولنا، وجامعاتنا، وأموالنا، وشبابنا، وإيماننا؟
والغرب لم ينتصر لأنه “أول ما تعلّم صنع سلاحًا” فقط. انتصر لأنه جمع عدة أسباب مادية: تنافس دولي شرس داخل أوروبا، تطوير دائم للمدفعية والبحرية، مؤسسات تمويل، شركات استعمارية، ثورة صناعية، جامعات بحثية، قدرة على تحويل النظرية إلى مصنع، ثم إلى جيش، ثم إلى نفوذ عالمي. وفي المقابل، كثير من بلاد المسلمين دخلت في عصور لاحقة في ضعف إداري، وتفكك سياسي، وتبعية اقتصادية، وتأخر في الصناعة الثقيلة، وتأخر في مراكز البحث، ثم جاء الاستعمار فزاد الجرح عمقًا.
تذكر أن الدولة العثمانية كانت من أقوى دول العالم في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، ثم انتهت في أوائل القرن العشرين، وهذا يبين أن المسألة ليست عجزًا أصليًا في المسلمين، بل صعود وهبوط بحسب السنن.
وهنا نقطة مهمة: العلم وحده لا يكفي. الأمة قد تحفظ كتب الجبر والطب والهندسة، لكنها لا تصبح قوية حتى تحوّل العلم إلى نظام حضاري: مدارس قوية، مصانع، عدالة، أمن، اقتصاد مستقل، قيادة رشيدة، جيش منضبط، أخلاق عمل، وحماية للعقول من الهجرة أو الإهمال. لذلك كان الخلل الأكبر ليس في “وجود العقول”، بل في تضييع شروط الانتفاع بالعقول.
وأيضًا من أعظم ما يفسّر هذا الذل الذي أصاب الأمة ما جاء صريحًا في حديث النبي ﷺ: «إذا تبايعتم بالعِينَة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلّط الله عليكم ذُلًّا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم». فهذا الحديث يضع اليد على أصل الداء: ليس الذل مجرد تأخر صناعي، ولا مجرد تفوق عسكري للعدو، بل هو قبل ذلك عقوبة ربانية وسنة من سنن الله إذا ركنت الأمة إلى الدنيا، واشتغلت بالمال والمعاش والترف، ورضيت بالدعة، وتركت الجهاد الشرعي والإعداد والقوة. وليس المقصود ذم الزراعة أو العمل والكسب، فهذه من مصالح الحياة، وإنما المقصود أن تتحول الدنيا إلى الغاية الكبرى، حتى تُنسى فريضة العزة والمدافعة وحماية الدين وديار المسلمين.
وقال سبحانه في ذم التثاقل عن الجهاد عند وجوبه: ﴿إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ [التوبة: 39].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]، فالعزة مشروطة بالإيمان الحقيقي الذي يثمر طاعةً وإعدادًا وثباتًا، لا بمجرد الانتساب.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]، ونصرة الله تكون بنصرة دينه، وإقامة أمره، وترك معصيته، وبذل أسباب القوة التي أمر بها.
فترك الجهاد الشرعي وترك الإعداد من أعظم أسباب الذل، بل هو سبب منصوص عليه في الحديث. لكن الجهاد الذي يرفع الذل هو الجهاد الشرعي المنضبط بالعلم والقدرة وأحكام الشريعة ومصالح الأمة، لا الفوضى ولا الغلو ولا الأعمال العشوائية التي تزيد الأمة ضعفًا وتمكّن العدو منها. ولذلك ختم النبي ﷺ الحديث بقوله: «حتى ترجعوا إلى دينكم»، ولم يقل: حتى تملكوا السلاح فقط؛ لأن السلاح بلا دين قد يصير أداة فساد، والدين بلا إعداد وقوة يتحول في واقع الناس إلى ضعف وتبعية. فالرجوع الحق إلى الدين يشمل التوحيد، والطاعة، والعدل، وترك الربا، وإحياء فريضة الجهاد بضوابطها، وبناء القوة، والصناعة، والعلم، والوحدة، والتربية على العزة.
الخلاصة الحاسمة: لسنا أذلاء لأن الإسلام ناقص، ولا لأن المسلمين الأوائل بلا عقول، ولا لأن العلم بطبيعته ضدنا. بل وقع الضعف حين انفصلت أجزاء القوة: دين بلا إعداد كافٍ، وعلم بلا صناعة، وحماسة بلا تنظيم، وثروات بلا استقلال، وشعوب بلا مشروع جامع. والدواء ليس جلد الماضي فقط، بل الرجوع إلى سنن الوحي: إيمان صحيح، علم نافع، إعداد قوة، وحدة، عدل، صناعة، وتربية جيل لا يعبد الغرب ولا يهرب من مسؤوليته.

