السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إلى الإخوة الكرام الذين يتركون تعليقات الإنكار والتشديد كلما رأوا مقطعاً دعوياً استُعين فيه بتقنيات الصور المولَّدة بالذكاء الاصطناعي: نعلم يقيناً أن الحامل لمعظمكم على هذا الإنكار هو “حب الخير” والغيرة على حدود الله، وهذا مقصدٌ نبيلٌ نشكركم عليه وندعو لكم بالأجر فيه.. ولكن اعلموا -وفقكم الله- أن «كم من مريدٍ للخير لم يبلغه» كما قال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
وحتى تتضح الرؤية وتتسع الصدور، أودّ أن أضع بين أيديكم هذه الوقفات الهادئة:
أولاً: فقه نصوص الوعيد وتحقيق مناطها: إن أحاديث الوعيد الشديد في شأن “المصورين” وأنهم “أشد الناس عذاباً يوم القيامة”.. حملها بعض أهل العلم على من يصنع التماثيل والأوثان التي تُعبد من دون الله أو يضاهي بها خلق الله كبراً وعناداً.
فبالله عليكم، أيعقل في ميزان الشريعة وعَدلها أن يُجعل مَن يُرتّب خوارزميات رقمية (بكسلات ضوئية) لإنتاج مشهدٍ تقريبي يخدم آية أو حديثاً، في منزلةٍ أشد عذاباً من فرعون، وعباد الأوثان، والملاحدة الطاعنين في دين الله؟!
ثانياً: حقيقة ما نصنعه تقنياً وواقعياً: هذه المقاطع ليست رسماً باليد، ولا نحتاً لتمثال، ولا مجسماتٍ تُعلق على الجدران لتعظيمها؛ بل هي أوامر برمجية رقمية تفرزها خوارزميات الذكاء الاصطناعي على شاشات مؤقتة، لا نبغي بها رياءً، ولا تجارةً، ولا مضاهاةً لخلق الله، وإنما هي «وسيلة معاصرة» لمخاطبة جيلٍ بصريّ بات يمرر آلاف المقاطع الفاسدة يومياً، فكان لزاماً على الدعاة أن يزاحموا الباطل في ساحته بأدوات العصر، والقاعدة الفقهية المقررة: (الوسائل لها أحكام المقاصد).
ثالثاً: الجرأة على التحريم كالمروق إلى التحليل: إن خطورة التسرع في تحريم ما لم يقم عليه إجماع قطعي، كخطورة التسرع في التحليل سواءً بسواء؛ والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾. المسألة مسألة نازلة معاصرة، ولنا فيها سلفٌ من كبار العلماء والفقهاء المعاصرين من الثقات الذين أفتوا بجواز استخدام الوسائط الرقمية المولدة طالما كانت منضبطة بالضوابط الشرعية وخالية من المحاذير وتخدم مقصداً شرعياً حسناً.
رابعاً: لا إنكار في مسائل الخلاف والاجتهاد: إذا كنتَ قد أخذتَ بفتوى ترى المنع أو التورع، فجزاك الله خيراً، الزم ما تراه ديناً بينك وبين الله، لكن ليس من الفقه ولا من أدب النصيحة أن تُلزم عموم المسلمين باجتهادك أو تقليدك؛ فالأمر فيه سعة، والخلاف فيه معتبر وسائغ.
خاتمة ورجاء: يا إخوة الإسلام.. الأمة اليوم تُغزى في عقائد وأخلاق أبنائها من كل حدبٍ وصوب بمحتوى بصري هائل ومبهر؛ فلا تكونوا -عن غير قصد- عوناً على إغلاق منافذ الخير وإضعاف منصات الدعوة، فتصدوا عن سبيل الله وأنتم تحسبون أنكم تحسنون صنعاً.
دعونا نزاحم الفساد، ونبلّغ رسالة ربنا بما يسره الله من أدوات هذا العصر، ونسأل الله أن يرزقنا وإياكم البصيرة والإخلاص في القول والعمل.
وهذه فتوى للشيخ وحيد عبد السلام بالي حول الموضوع وهو من أهل العلم الثقات:
التصوير بالذكاء الاصطناعي
ليس هو التصوير المحرّم الوارد في الأحاديث عند جمهور المعاصرين، لأنه ليس رسمًا باليد ولا صناعة صورة لها روح من الإنسان مباشرة، بل هو توليد آلي عبر خوارزميات، ولا ينطبق عليه وصف “المصوّر” الذي يتوعّده النبي ﷺ.
لكن يبقى الحكم التفصيلي فيه تفصيلٌ مهم.
—
أولًا: ما معنى التصوير المنهي عنه في السنة؟
الأحاديث تنهى عن:
رسم صورة لذي روح باليد
نحت التماثيل
خلق صورة يكون الإنسان هو الصانع المباشر لها
مثل قول النبي ﷺ:
«أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة المصوّرون»
والمقصود: المصوّر الذي يحاول أن يصنع صورة فيها روح من تلقاء نفسه ويدّعي الإبداع كخلق الله.
—
ثانيًا: هل الذكاء الاصطناعي ينطبق عليه هذا الوصف؟
الراجح عند جمهور العلماء المعاصرين:
لا يدخل التصوير بالذكاء الاصطناعي ضمن التصوير المحرّم.
لماذا؟
1. لأنه ليس رسمًا باليد
فالإنسان لا يمسك قلما ولا يرسم شكلًا لذي روح، بل يكتب وصفًا فقط، والآلة هي التي تولّد الصورة.
2. لأن الذكاء الاصطناعي لا “يُنشئ من عدم”
بل هو يركّب ويولّف من ملايين الصور التي سبق أن التُقطت عدسةً أو رُسمت، فهو تنسيق بيانات وليس “خلقًا لصورة” بمعنى الخلق المحرّم.
3. لأن الإنسان ليس “مصوّرًا” حقيقة، بل مستخدمًا لأداة
مثل من التقط صورة بهاتفه، وهذا جائز عند جميع العلماء المعاصرين تقريبًا.
4. لأنه أشبه بـ”الرسم التلقائي” أو “الفوتوشوب”
والعلماء أجازوه ما لم يكن فيه محرّم آخر.
—
ثالثًا: أقوال العلماء المعاصرين
(تلخيصًا لا نصًا حرفيًا)
اللجنة الدائمة للإفتاء: أجازت الصور الرقمية الفوتوغرافية لأنها ليست رسمًا باليد.
الشيخ ابن عثيمين: أجاز الصور الفوتوغرافية لأنها حبس ظل، وليست رسمًا.
كثير من علماء عصرنا في مسائل الذكاء الاصطناعي يقولون:
الصور الناتجة عن الذكاء الاصطناعي تلحق بالصور الفوتوغرافية، وليست من التصوير المحرّم.
وبعض الباحثين احتاط فقال:
إن رسم شخصية خيالية كاملة بيد الإنسان قد يدخل في النهي،
لكن بالذكاء الاصطناعي يرجّح الجواز لأنه ليست صنعتك المباشرة.
—
رابعًا: متى يكون محرّمًا؟
قد يكون محرّمًا لا لكونه تصويرًا، بل لأسباب أخرى، مثل:
1. صورة فيها عري أو فحش → حرام قطعًا.
2. صورة لتغيير خلق الله (تزييف الوجوه) إذا كانت تسبب غشًا.
3. صور تستخدم في السحر أو الشعوذة.
4. صور تُستخدم لإنتاج محتوى غير لائق أو تماثيل مجسمة.
—
الخلاصة الشرعية
✔️ صناعة الصور بالذكاء الاصطناعي
✔️ للحيوانات والإنسان والطيور
✔️ ليست من التصوير المحرّم باليد الذي ورد الوعيد عليه
✔️ وجائزة إذا خلت من المحاذير الشرعية
❌ ولا تدخل في: «كل مصوّر في النار»
الشيخ وحيد عبد السلام بالي




