أكنّ للأستاذ أحمد مولانا احتراماً صادقاً، وأعرف جديته في البحث وانحيازه لقضايا الأمة. ولأنه طرح أسئلته بصيغة من يطلب الجواب، رأيت أن من حقه علينا أن نجيبه جواباً علمياً مفصلاً، لا جواب المناكفة. وما سأكتبه رأيي وبحثي المتواضع بناءً على المتوفر من المعطيات التاريخية والميدانية والوثائق الدولية، والحكم في النهاية للقارئ المنصف.
وحتى لا أُتهم بتجزئة كلامه أو تحميله ما لم يقل، أنقل نص منشوره كاملاً:
يقول الأستاذ أحمد مولانا: “يقول كثير من الأصدقاء إن الحوثي دخيل على اليمن، ومكروه شعبيا. لكن توجد بعض الأسئلة التي لا أجد إجابة عنها من طرف أصحاب هذا الرأي: السعودية شكلت تحالفا عربيا لمواجهة الحوثي في عام 2015، والمملكة أحد أكبر 10 دول على مستوى العالم من حيث الإنفاق العسكري، ولديها أحدث ترسانات الأسلحة الغربية عموما، والأمريكية خصوصا، ولديها رديف محلي في اليمن، فلماذا لم تقض على الحوثي طوال تلك السنوات طالما أنه منبت الصلة ومكروه شعبيًا؟ فضلا عن أنه لا توجد فرق أو ألوية إيرانية تقاتل معه على الأرض، وحتى في سوريا لم يستطع الإيرانيون فعل شيء في مواجهة عملية ردع العدوان، والتي انطلقت دون غطاء جوي. كذلك اليمن أصل العرب، ودولة قبائل، وفي ظل وجود دعم إقليمي من دول قوية بالعتاد والمال، كيف لا تستطيع القبائل الأصيلة طرد الحوثي الدخيل؟ أيضا الحوثي ليس لديه طيران مقاتل، فلا رافال ولا إف 16 و15 و18 ولا يوروفايتر أو أسلحة نوعية حديثة تعادل السلاح الغربي، وهو عبارة عن مليشيات وزنابيل كما يقول أصحاب الرأي أعلاه، فلماذا يبحث خصومه عن دعم إقليمي ودولي من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة ودول أخرى في مواجهته؟ ألا يدل ذلك على وجود تقييمات غير صحيحة في الصورة المذكورة؟”
تتلخص أسئلة الأستاذ في خمسة:
لماذا لم تحسم السعودية الحرب رغم إنفاقها وترسانتها؟
كيف يصمد الحوثي دون ألوية إيرانية، بينما انهارت إيران في سوريا أمام “ردع العدوان”؟
كيف عجزت قبائل اليمن عن طرد “الدخيل”؟
إن كان الحوثي “زنابيل” بلا طيران، فلماذا يستنجد خصومه بالغرب؟
ألا يدل كل هذا على أن تقييم “الدخيل المكروه” خاطئ؟
وسأجيب عنها سؤالاً سؤالاً، بعد تمهيد منهجي لا بد منه.
ما الذي نقوله، وما الذي لا نقوله؟
قبل الأجوبة يلزم تحرير محل النزاع، لأن السؤال بُني على خلط بين ثلاث مسائل مختلفة:
الأولى: قوة الحوثي العسكرية والتنظيمية.
الثانية: شعبية الحوثي، أي قبول غالبية اليمنيين بحكمه.
الثالثة: كون مشروعه “دخيلاً”، أي غريباً عن هوية اليمن وعقيدة أهله.
نحن لم نقل يوماً إن الحوثي ضعيف عسكرياً، ولا إنه تنظيم من ورق. من يصف أفراده بـ”الزنابيل” يصف مستواهم الأخلاقي والاجتماعي في التراث اليمني، لا قدرة تنظيمهم. الحوثي تنظيم عقائدي مسلح منضبط، صلب البنية، يملك خبرة قتالية ممتدة منذ حروب صعدة الست (2004 إلى 2010)، ومسنود بخبرة الحرس الثوري. هذا كله نقرّ به.
لكن الذي ننكره هو القفز من المسألة الأولى إلى الثانية والثالثة: من “إنه قوي” إلى “إنه مقبول” و”إنه أصيل”. فالقوة شيء، والشعبية شيء آخر، والأصالة شيء ثالث. وكل أسئلة الأستاذ تثبت المسألة الأولى، ولا تقترب من الثانية والثالثة.
المحور الأول: المغالطة الأم.. هل البقاء دليل على القبول؟
البناء الذي يقوم عليه المنشور هو: لو كان الحوثي مكروهاً لسقط، وبما أنه لم يسقط فهو ليس مكروهاً. وهذه في علم المنطق مغالطة “عدم اللزوم”، إذ لا يلزم من بقاء السلطة رضا المحكومين بها.
وعالم السياسة الإيطالي غايتانو موسكا وضع منذ عام 1896 في كتابه “الطبقة الحاكمة” قاعدة صارت من مسلّمات علم الاجتماع السياسي: الأقلية المنظمة تتغلب دائماً على الأغلبية غير المنظمة. مئة رجل منضبطين بقيادة واحدة وعقيدة واحدة وسلاح واحد، يحكمون ألفاً متفرقين، لا لأن الألف يحبونهم، بل لأن الألف لا يتحركون كجسد واحد.
ولننظر في شواهد يعرفها الأستاذ أكثر من غيره:
نظام الأسد صمد ثلاث عشرة سنة (2011 إلى 2024) أمام ثورة شعبية عارمة، ومعارضة مسلحة دعمتها تركيا وقطر والسعودية، بل والولايات المتحدة ببرنامج تسليح معلن. فهل كان صمود الأسد طوال هذه السنين دليلاً على أن الشعب السوري يحبه؟ لا أظن الأستاذ يقول بهذا.
تنظيم الدولة صمد في الموصل قرابة تسعة أشهر (أكتوبر 2016 إلى يوليو 2017) أمام الجيش العراقي والحشد والبيشمركة وتحالف دولي من أكثر من ستين دولة، يملك أقوى سلاح جو في التاريخ. فهل كان ذلك دليلاً على أن أهل الموصل اختاروه؟
الكيان الصهيوني قائم منذ 1948، وهزم جيوشاً عربية مجتمعة. فهل بقاؤه ينفي عنه وصف الكيان الدخيل؟
والأستاذ أعلم الناس ببلده وبأنظمة استمرت عقوداً وهي مرفوضة من قطاعات واسعة من شعبها. فلو صحت قاعدة “البقاء دليل الشعبية” لكان كل مستبد عمّر في الحكم معبّراً عن إرادة شعبه، ولكانت كل ثورة فشلت دليلاً على أن الشعب كان مع جلاده.
ثم إن الإمامة الزيدية نفسها، التي يستنسخها الحوثي اليوم، حكمت أجزاء من شمال اليمن قروناً متقطعة، ومع ذلك ثار عليها اليمنيون مراراً: ثورة 1948 التي قُتل فيها الإمام يحيى، وحركة 1955، ثم ثورة 26 سبتمبر 1962 التي أسقطتها. فطول عمر الحكم الإمامي لم يكن يوماً دليلاً على رضا اليمنيين به، بل كان تاريخه سلسلة من التمردات والانتفاضات التي قُمعت بالحديد والنار.
إذن، القاعدة التي بُني عليها المنشور ساقطة من أساسها، ولو لم نجب عن أي سؤال بعدها لكفى ذلك. لكننا سنجيب عن كل سؤال بعينه.
المحور الثاني: لماذا لم تحسم السعودية الحرب؟
يقيس الأستاذ قدرة السعودية بميزانيتها العسكرية التي تتراوح بحسب معهد ستوكهولم لأبحاث السلام بين 75 و80 مليار دولار سنوياً. لكن الحروب لا تُحسم بفواتير الشراء، بل بثلاثة أمور: جيش مقاتل، وإرادة سياسية للحسم، وحليف محلي موحد مستقل القرار. والسعودية افتقدت الثلاثة.
أولاً: فجوة السلاح والمقاتل
امتلاك طائرات “إف 15” لا يصنع جيشاً برياً قادراً على اقتحام الجبال. والسعودية تجنبت طوال الحرب الزج بجيشها في القتال البري الواسع. وقد كشفت صحيفة نيويورك تايمز في ديسمبر 2018 أن المملكة اعتمدت على آلاف المقاتلين السودانيين، كثير منهم من دارفور وبعضهم أطفال، استُؤجروا لخوض المعارك البرية بدلاً من الجنود السعوديين. دولة تستأجر غيرها للقتال على الأرض لا يصح أن تُتخذ ترسانتها مقياساً لاختبار شعبية خصمها.
بل الأبلغ من ذلك أن الحوثي نفسه حين هاجم الحدود السعودية في جيزان ونجران وعسير، توغل في مواقع عدة، وهذا ليس دليلاً على شعبيته في جيزان، بل دليل على هشاشة الأداء البري السعودي.
ثانياً: غياب إرادة الحسم وتناقض الأهداف
السؤال الحقيقي ليس “لماذا لم تستطع السعودية؟” بل “هل أرادت السعودية أصلاً؟”. والقرائن كلها تقول إن الرياض لم تكن تريد نصراً يُسلّم اليمن لقواه الوطنية، وفي مقدمتها التجمع اليمني للإصلاح، الذي صنفته السعودية والإمارات خصماً بعد موجة الربيع العربي.
ولنتذكر أن السعودية وقفت متفرجة في 2014 والحوثي يجتاح عمران ويقتل قائد اللواء 310 العميد حميد القشيبي في يوليو 2014، ثم يدخل صنعاء في 21 سبتمبر 2014. لم تتحرك الرياض حين كان الحوثي يسحق خصومها الإسلاميين، بل تحركت في مارس 2015 حين وصل إلى عدن وصار يهدد حدودها هي.
وللتاريخ هنا مفارقة لافتة: في حرب الستينيات، دعمت السعودية الإمام البدر والملكيين الزيديين ضد الجمهورية اليمنية. فعلاقة الرياض بالمشروع الإمامي لم تكن يوماً علاقة عداء مبدئي، بل علاقة حسابات.
ثالثاً: تحالف يطعن رديفه في ظهره
يقول الأستاذ إن للسعودية “رديفاً محلياً”. والحقيقة أن هذا الرديف كان مشلولاً ومفخخاً من داخل التحالف نفسه:
الإمارات أنشأت ودعمت تشكيلات انفصالية في الجنوب (المجلس الانتقالي والأحزمة الأمنية) تدين لها بالولاء لا للدولة اليمنية.
في 29 أغسطس 2019 أعلنت الإمارات رسمياً تنفيذ غارات جوية قرب عدن على من سمتهم “ميليشيات إرهابية”، وكانت تلك القوات في الحقيقة وحدات من الجيش اليمني الحكومي، فقُتل العشرات منهم، وطالبت الحكومة اليمنية مجلس الأمن بالتدخل. حليف يقصف جيش حليفه، ثم يُسأل اليمنيون: لماذا لم تهزموا الحوثي؟!
في معركة حجور بمحافظة حجة (يناير إلى مارس 2019)، صمدت قبائل حجور قرابة شهرين في حصار حوثي خانق، واستنجدت بالتحالف، فلم تتلق إلا إسقاطات جوية هزيلة، حتى سقطت ونكّل بها الحوثي. هذه قبائل قاتلت بصدق وخذلها من يُفترض أنه داعمها.
رابعاً: الفرامل الدولية
كلما اقترب الحوثي من الهزيمة، تدخل المجتمع الدولي لإنقاذه:
اتفاق ستوكهولم (13 ديسمبر 2018): وصلت القوات اليمنية إلى مشارف مدينة الحديدة ومحيط مطارها، وكانت المدينة أقرب إلى التحرير من أي وقت مضى. فتحركت بريطانيا والأمم المتحدة وواشنطن تحت لافتة “المخاوف الإنسانية”، وفُرض وقف إطلاق النار، فنجا الحوثي من خسارة شريانه البحري الأهم. ثم لم يُنفّذ الاتفاق، وظل الحوثي يستورد ويجبي عبر الميناء.
في فبراير 2021، ألغت إدارة بايدن في أسابيعها الأولى تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، وأوقفت دعم العمليات الهجومية للتحالف.
هدنة أبريل 2022، ثم المفاوضات السعودية الحوثية المباشرة التي استقبلت فيها الرياض وفداً حوثياً في سبتمبر 2023، ثم “خارطة الطريق” التي أُعلن عنها في ديسمبر 2023.
فكيف يُتخذ تحالف لم يُرد الحسم، وطعن رديفه، وكُبّل بقرار دولي، ثم ذهب يفاوض خصمه سراً وعلناً، مقياساً لشعبية ذلك الخصم؟ عجز هذا التحالف عن الحسم يشهد على فشل التحالف، ولا يشهد للحوثي بشيء.
المحور الثالث: المقارنة بسوريا و”ردع العدوان”
يستدل الأستاذ بأن إيران لم تستطع شيئاً أمام عملية “ردع العدوان” في نوفمبر 2024. وهذه المقارنة، عند التحقيق، حجة عليه لا له، من أربعة أوجه:
الوجه الأول: إيران لم تفشل في سوريا تسع سنوات متصلة. من 2015 إلى 2024 نجحت إيران وميليشياتها مع الطيران الروسي في إبقاء نظام الأسد، وسحقت حلب في ديسمبر 2016، واستعادت معظم المدن. فالمثال السوري نفسه يثبت أن الدعم الخارجي قادر على إبقاء سلطة مرفوضة شعبياً سنوات طويلة.
الوجه الثاني: انهيار النظام في 11 يوماً (27 نوفمبر إلى 8 ديسمبر 2024) لم يحدث في فراغ، بل جاء بعد أن أنهكت الحرب الإسرائيلية حزب الله وقتلت قيادته العليا، وبعد أن استنزفت حرب أوكرانيا روسيا، وأُضعفت الميليشيات الإيرانية بالضربات المتتالية. انكسرت أعمدة الأسد الخارجية أولاً، فانهار.
الوجه الثالث، وهو الأهم: الثوار في سوريا امتلكوا ما لا يملكه خصوم الحوثي في اليمن؛ قيادة عسكرية موحدة، وقراراً مستقلاً، وسنوات من الإعداد في إدلب، وتصنيعاً محلياً للمسيرات، وكليات عسكرية، ورؤية لما بعد النصر. أما القوى اليمنية المناهضة للحوثي فممزقة بين الإصلاح والمؤتمر والانتقالي والسلفيين وقوات الساحل، ومرتهنة لقرار الرياض وأبوظبي، وكل طرف يخشى انتصار الآخر أكثر مما يخشى الحوثي. الفرق بين المشهدين ليس في شعبية الحوثي، بل في وحدة قرار خصومه واستقلاله.
الوجه الرابع: النظام الأسدي لم تكن له قاعدة تجنيد عقائدية كافية، فاحتاجت إيران إلى استيراد مقاتلين أجانب (فاطميون من أفغانستان، وزينبيون من باكستان، وميليشيات عراقية، وحزب الله). أما في اليمن فالحوثي يملك خزاناً بشرياً محلياً يجنده بالتعبئة والإكراه، فلم تحتج إيران إلى إرسال رجال، بل إلى إرسال الخبرة والسلاح. وهذا يقودنا إلى السؤال التالي.
المحور الرابع: “لا توجد ألوية إيرانية تقاتل معه”
غياب الألوية الإيرانية ليس دليلاً على غياب إيران، بل هو جوهر العقيدة العسكرية الإيرانية نفسها. فيلق القدس لم يُصمم ليحارب بجيوش إيرانية، بل لبناء وكلاء محليين يقاتلون نيابة عن طهران، وهو النموذج الذي طُبق في لبنان مع حزب الله منذ 1982. لا توجد ألوية إيرانية في جنوب لبنان، فهل يعني هذا أن حزب الله مستقل عن طهران؟
أما الحضور الإيراني في اليمن، فلن أستشهد عليه بقرارات مجلس الأمن ولا ببيانات البنتاغون، حتى لا يقال إننا نصدق رواية العدو. سأكتفي بما قاله الإيرانيون والحوثيون أنفسهم، بألسنتهم وفي وكالاتهم ومواقعهم الرسمية:
اعتراف صريح من فيلق القدس: في أبريل 2021، قال رستم قاسمي، المساعد الاقتصادي لقائد فيلق القدس ووزير النفط الإيراني الأسبق، في مقابلة متلفزة، إن الحرس الثوري زوّد الحوثيين بالسلاح في بداية الحرب، ودرّبهم على “تكنولوجيا صناعة السلاح”، وإن ما يصنعونه اليوم من صواريخ ومسيرات صُنع بفضل هذه الخبرة الإيرانية. واعترف كذلك بوجود مستشارين عسكريين إيرانيين في اليمن. وحين نفت الخارجية الإيرانية كلامه لم يتراجع، بل هاجمها علناً واتهمها بالتخلي عن “سياسات الثورة”، وذكّرها بتصريحات سابقة لرئيس الأركان الإيراني اللواء محمد باقري تقر بالدعم الاستشاري للحوثيين.
“طلبنا منهم ففعلوا”: في أغسطس 2018، نشرت وكالة “فارس” المقربة من الحرس الثوري كلاماً للعميد في الحرس ناصر شعباني يقول فيه: “طلبنا من اليمنيين استهداف ناقلتي النفط السعوديتين، وقد فعلوا ذلك”، ووصف الحوثيين وحزب الله بأنهما “العمق الاستراتيجي” لإيران. ثم حذفت الوكالة المقطع بعد الضجة، واكتفى المتحدث باسم الحرس بالقول إن الكلام نُقل “ناقصاً ومشوهاً”، ولم يقل إنه كذب. ومن يقرر الهدف والتوقيت هو صاحب القرار، ومن ينفذ هو الوكيل.
من فم الحوثي نفسه: في 13 أغسطس 2019، استقبل خامنئي في طهران وفداً حوثياً يرأسه الناطق باسم الجماعة محمد عبد السلام، الذي سلّمه رسالة خطية من عبد الملك الحوثي. وبحسب ما نشره الموقع الرسمي للمرشد، قال عبد السلام إنهم يعدّون ولاية خامنئي امتداداً لولاية رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب. وفي الزيارة نفسها صارت إيران الدولة الوحيدة في العالم التي تقبل “سفيراً” للحوثيين في عاصمتها. يعني نحن أمام جماعة تعلن بنفسها أن ولاءها العقدي لخامنئي، فهل نحتاج بعدها إلى شاهد من الخارج؟
سفير يدخل عاصمة محاصرة: في أكتوبر 2020، أعلنت الخارجية الإيرانية نفسها وصول سفيرها حسن إيرلو إلى صنعاء، والمطار مغلق والأجواء تحت الحصار. ولم تشرح طهران كيف دخل ولا بأي طريق، وبقي هناك يدير المشهد حتى نُقل مريضاً إلى طهران ومات فيها في ديسمبر 2021. وحين تستطيع دولة إدخال سفيرها إلى عاصمة محاصرة جواً وبحراً، فلا يصعب عليها إدخال ما هو أصغر منه.
“العاصمة الرابعة”: في سبتمبر 2014، بعد سقوط صنعاء بأيام، أعلن النائب الإيراني علي رضا زاكاني، المقرب من المرشد، أن صنعاء صارت العاصمة العربية الرابعة التي تلتحق بالثورة الإيرانية بعد بغداد ودمشق وبيروت. وفي أكتوبر من العام نفسه، احتفى علي أكبر ولايتي، مستشار خامنئي للشؤون الدولية، بانتصارات “أنصار الله”، وقال إن علاقة إيران بهم تعود إلى السنوات الأولى للثورة الإيرانية. يعني القصة لم تبدأ مع “العدوان السعودي” عام 2015 كما يقولون، بل قبله بعقود.
السلاح يتكلم بلهجة طهران: وأخيراً، دليل لا يحتاج إلى وسيط: قارن بنفسك صور العروض العسكرية الحوثية بعروض الحرس الثوري. صاروخ “بركان” نسخة من “قيام” الإيراني، وصاروخ “قدس” الجوال نسخة من الصاروخ الإيراني “351”، وصاروخ “طوفان” نسخة من “قدر”، والمسيرات بالتصميم نفسه، تتغير الأسماء وتبقى البصمة. فهل يُعقل أن ورشة في كهوف صعدة توصلت وحدها إلى التصاميم نفسها التي احتاجت إيران عقوداً لتطويرها؟
إذن، الحوثي لم يكن يحتاج إلى ألوية إيرانية، لأنه حصل على ما هو أخطر منها: تقنية الصواريخ والمسيرات، وخبرة غرف العمليات، والتدريب الاستخباري، وشبكات التهريب. الرجال عنده، والعقل والسلاح والقرار من طهران، وهذا باعترافهم هم.
المحور الخامس: لماذا عجزت القبائل عن طرد الدخيل؟
هذا السؤال يتصور القبيلة اليمنية جيشاً نظامياً ينتظر إشارة ليتحرك، ويتصور الحوثي ميليشيا نزلت من جبال صعدة ببنادقها الشخصية. والواقع خلاف ذلك تماماً.
أولاً: الحوثي لم يواجه القبائل وحده
الحوثي لم يكن ليتجاوز حدود صعدة لولا تحالفه مع الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، الذي وضع في يده ألوية الحرس الجمهوري والقوات الخاصة، وهي عشرات الألوية المدربة، مع مخازن السلاح الاستراتيجي للدولة، ومنها ترسانة الصواريخ الباليستية، وشبكة الدولة الإدارية والأمنية والمالية. القبائل لم تكن تواجه ميليشيا، بل كانت تواجه جيش دولة كاملاً اختُطف لصالح ميليشيا.
ولذلك سقطت حاشد، أكبر الاتحادات القبلية في اليمن، أمام الحوثي في فبراير 2014، وفجّر الحوثيون منزل الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر في الخمري رمزاً لكسر القبيلة. لم يسقط بيت الأحمر لأن حاشد أحبت الحوثي، بل لأن صالح خان حلفاءه القدامى وألقى بثقل الدولة مع الحوثي.
ثانياً: القبيلة مؤسسة تضامن لا جيش موحد
القبيلة في اليمن مؤسسة اجتماعية للحماية والتكافل، ليست قيادة أركان. أفرادها يملكون السلاح الخفيف، لا الدبابات ولا المدفعية الثقيلة ولا شبكات الاتصال العسكري. وقد أتقن الحوثي التعامل معها بثلاثة أسلحة:
الشراء: استمالة بعض المشايخ بالمال والمناصب.
الإرهاب: تفجير منازل الرافضين (وقد وثقت منظمات حقوقية يمنية تفجير مئات المنازل)، واعتقال المشايخ ونفيهم وقتلهم.
التفكيك: ضرب القبائل ببعضها، وإحلال “المشرف الحوثي” محل الشيخ والعرف القبلي.
القبيلة التي يُفجَّر بيت شيخها ويُختطف أبناؤها ثم تُجبر على السكوت، ليست قبيلة موالية، بل قبيلة رهينة.
ثالثاً: الدرس المصري في الستينيات
نشر الرئيس عبد الناصر في اليمن ما بين خمسين وسبعين ألف جندي في ذروة تدخله (1962 إلى 1967)، وخسر نحو 26 ألف قتيل بحسب تقديرات شائعة، وسُميت تلك الحرب “فيتنام عبد الناصر”. ولم يستطع الجيش المصري حسم المعركة ضد الملكيين في الجبال. فهل كان ذلك دليلاً على أن اليمنيين يريدون عودة الإمامة؟ الجواب في التاريخ: الجمهورية انتصرت، والإمامة سقطت، ورفضها اليمنيون. العجز العسكري عن الحسم في جغرافيا اليمن لا يقول شيئاً عن الشعبية.
رابعاً: حيث غابت الحاضنة، انهار الحوثي بسرعة
والدليل المعاكس الحاسم: حين اجتاح الحوثي الجنوب في مارس 2015 حيث لا حاضنة له، طُرد في أسابيع. انطلقت عملية “السهم الذهبي” في يوليو 2015، فتحررت عدن في منتصف يوليو، ثم قاعدة العند ولحج وأبين وشبوة خلال أسابيع قليلة. فلماذا انهار هناك بهذه السرعة؟ لأنه كان هناك ما هو عليه حقاً: غازٍ بلا حاضنة. أما في الشمال فقد مكّنه سلاح الدولة المختطف، والجغرافيا الجبلية، وشبكة النفوذ السلالي والتعبئة العقائدية، من تثبيت قبضته.
المحور السادس: بلا طيران، فلماذا الاستنجاد بالغرب؟
أولاً: نعم، استنجدوا.. فماذا يثبت ذلك؟
لن أنكر ما هو معلوم. الحكومة اليمنية والسعودية طلبتا الدعم الأمريكي أكثر من مرة، وآخرها في سبتمبر 2026 حين اتصل رئيس مجلس القيادة رشاد العليمي بالرئيس ترامب طالباً الدعم بعد سقوط المخا وتقدم الحوثي نحو باب المندب، وسبقه ولي العهد السعودي بطلبين متتاليين لضربات أمريكية. وأنا لا أبرر هذا الاستنجاد، بل أعده دليلاً إضافياً على ما قلته من البداية: إن المعسكر المناهض للحوثي فاقد لاستقلال قراره، ومرتهن لغيره، وهذا من أكبر أسباب فشله.
لكن تعالوا نسأل: ماذا كان جواب واشنطن؟ رفضت. رفضت طلب العليمي، ورفضت طلبي ابن سلمان، واكتفت بتقديم معلومات استخبارية. ولماذا رفضت؟ لأن الحوثيين، بحسب ما نُقل، جلسوا مع المسؤولين الأمريكيين في مسقط وقدموا لهم ضمانات بسلامة السفن الأمريكية. وقبل ذلك، في مايو 2025، وبوساطة عُمانية، أوقف ترامب حملته الجوية بعد أن تعهد الحوثيون بعدم استهداف السفن الأمريكية، وبقي اليمنيون تحت القصف والحصار.
فالاستنجاد إذن يقول ثلاثة أشياء، ليس منها شعبية الحوثي:
يقول إن خصوم الحوثي ممزقون ومرتهنون، وهذا نقد لهم لا شهادة له. والثوار في سوريا طلبوا الدعم التركي والخليجي والأمريكي سنوات طويلة، فهل كان ذلك دليلاً على أن الأسد محبوب؟
يقول إن الحوثي يتلقى هو أيضاً الدعم من إيران وحزب الله منذ عقدين، باعتراف قادة الحرس الثوري أنفسهم. فإن كان طلب الدعم الخارجي دليلاً على قوة الخصم وشعبيته، فليُطبق المعيار على الطرفين.
والأهم من ذلك: يكشف أن “الشيطان الأكبر” الذي يصرخ الحوثي بموته كل جمعة، هو نفسه من رفض ضربه بعد أن طمأنه الحوثي على سفنه. تنتهي “مقاومة” الحوثي حيث تبدأ مصالح أمريكا، ويبقى سلاحه موجهاً إلى تعز والمخا ومأرب. فالغرب لم يأت يوماً لإسقاط الحوثي، بل ليرسم له حدوداً، فلما التزم بها تُرك يفعل باليمنيين ما يشاء.
ثانياً: الحرب غير المتماثلة
تعطيل الملاحة في مضيق باب المندب لا يحتاج إلى طائرة “رافال”. مسيرة لا تتجاوز كلفتها عشرين ألف دولار، أو زورق مفخخ، أو لغم بحري، يكفي لإرباك شركات الشحن ورفع أسعار التأمين، في حين يُطلق عليها صاروخ اعتراض بمليوني دولار. هذه معادلة كلفة تُرهق أي قوة عظمى، ولا علاقة لها بالشعبية ولا بالشرعية. وتنظيم القاعدة في عملية المدمرة “كول” في عدن عام 2000 أعطب مدمرة أمريكية بزورق صغير، فهل كان ذلك دليلاً على أن القاعدة تحظى بشعبية الأغلبية؟
ثالثاً: قلب السؤال
إن كان طلب الدعم الخارجي دليلاً على قوة الخصم وشعبيته، فالحوثي نفسه يتلقى السلاح والتقنية والتدريب من إيران وحزب الله منذ عقدين، فهل نستنتج من ذلك أن خصومه أقوياء ويحظون بالشعبية؟ والثوار في سوريا طلبوا الدعم التركي والقطري والخليجي، فهل كان ذلك دليلاً على شعبية الأسد؟ طلب الدعم سلوك طبيعي لكل أطراف الحروب، ولا يُستدل به على شعبية العدو.
المحور السابع: كيف نقيس الشعبية إذن؟
إن لم يكن الصمود العسكري مقياساً للشعبية، فما المقياس؟ هذه مؤشرات واقعية يمكن لأي باحث تتبعها:
صناديق الاقتراع: لم يخض الحوثي انتخابات حرة واحدة منذ نشأته. بل انقلب في 21 سبتمبر 2014 على مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الذي شارك فيه بنفسه، ثم أصدر “الإعلان الدستوري” في 6 فبراير 2015، وحل البرلمان، ووضع الرئيس والحكومة تحت الإقامة الجبرية.
التصويت بالأقدام: نزح الملايين من مناطق الحوثي، واتجه جزء ضخم منهم إلى مأرب، فتضاعف عدد سكانها أضعافاً حتى صارت تحتضن أكبر تجمع للنازحين في اليمن بحسب تقديرات السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية. الناس يفرون من الحكم الذي يكرهونه، لا من الحكم الذي يحبونه.
حاجته لتجنيد الأطفال: من يتابع المشهد في مناطق الحوثي يرى بعينه أطفال في عمر الدراسة يُساقون إلى الجبهات، وصورهم تملأ الجدران بعد أن يعودوا في التوابيت. و”المراكز الصيفية” التي يتباهى بها الحوثي كل عام ليست مدارس لتعليم الصغار، بل معامل تعبئة تغسل عقولهم بالصرخة والملازم، ثم تدفعهم إلى المحارق.
وأنا أرى أن هذه أوضح شهادة على حقيقة شعبية الحوثي. الحركة التي يؤمن بها الرجال ويقفون معها عن قناعة لا تحتاج إلى أخذ الأطفال من حضن أمهاتهم ومن مقاعد الدراسة. حين يلجأ تنظيم إلى تجنيد الصغار، فهذا يعني أن الكبار رفضوه، أو أنه لم يعد يثق بهم.
الجباية لا الرضا: والحال نفسه في المال. الحوثي يجبي من الناس كل شيء: الضرائب، والجمارك، والزكاة، والإتاوات على التجار، والرسوم على كل حركة وسكنة، ثم جاء بـ”الخمس” ليقتطع خُمس ثروات اليمن العامة والخاصة لصالح من يسمونهم “بني هاشم”، فقسم اليمنيين إلى سادة يأخذون وعامة يدفعون.
ومع كل هذه الأموال المتدفقة، رواتب الموظفين منقطعة منذ سنوات، والمعلم يبيع أثاث بيته ليعيش، والطبيب يهاجر، والأسر تتسول لقمتها. والحوثي نفسه يقر بانقطاع الرواتب ويطالب بها في كل تفاوض، كأن الأموال التي يجبيها كل يوم لا علاقة لها بالأمر!
فأين تذهب؟ الجواب واضح لكل يمني: إلى الجبهات، وإلى جيوب المشرفين، وإلى بيوت “السادة” التي تتطاول في صنعاء بينما يجوع حولها الناس. والقاعدة عندي بسيطة: السلطة التي يرضى بها الناس تخدمهم، والسلطة التي تغتصبهم تحلبهم.
انتفاضة ديسمبر 2017: حين دعا علي عبد الله صالح في 2 ديسمبر 2017 إلى الانتفاض على الحوثي، قُتل بعد يومين في 4 ديسمبر، وسُحقت انتفاضة صنعاء خلال أيام، وأعقبتها حملة اعتقالات واسعة. هكذا يتعامل الحوثي حتى مع حليفه الذي فتح له مخازن الدولة؛ فكيف بخصومه؟ هذه ليست صورة حكم يستند إلى رضا الناس، بل حكم يستند إلى القبضة الأمنية.
حصار تعز: مدينة يسكنها الملايين، يحاصرها الحوثي منذ 2015، ويقنص أطفالها ونساءها، ويزرع الألغام في طرقها، ويقصف أحياءها حتى اليوم. لو كان الحوثي مقبولاً لدى أهل تعز لدخلها مستقبَلاً، لا محاصِراً منذ إحدى عشرة سنة.
المحور الثامن: ما معنى “الدخيل”؟
يرد البعض بأن الحوثيين يمنيون أباً عن جد، فكيف يكونون دخلاء؟ والجواب: نعم، أفراد الحوثي يمنيون، وهذا لا خلاف فيه. لكن “الدخيل” وصف للمشروع لا للأشخاص. فالجيش الذي قمع شعبه في سوريا كان سورياً، وهذا لم يمنحه شرعية. والانتماء لتراب البلد لا يمنح أحداً حق فرض نفسه بقوة السلاح على بقية أهله.
والمشروع الحوثي دخيل على اليمن من ثلاثة وجوه:
دخيل على العقيدة: ملازم حسين بدر الدين الحوثي، المعتمدة رسمياً لدى الجماعة، تطعن صراحة في أبي بكر وعمر وعثمان وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم، وتصف الفتوحات بالسبّة، وتعد كتب الحديث مدسوسة. وهذا غريب حتى عن الزيدية التاريخية التي عُرفت بتولي الشيخين. ولذلك ينبغي التفريق بين الزيدية مذهباً، والحوثية مشروعاً؛ وفي اليمن زيديون كثيرون رفضوا الحوثي ووقفوا مع الدولة.
دخيل في المرجعية: شعار “الصرخة” (الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل) منقول عن شعارات الثورة الخمينية، والتأثر الصريح بالثورة الإيرانية ظاهر في ملازم المؤسس وخطاباته. وإحياء “يوم الولاية” وفرضه على اليمنيين، والاحتفال بقادة الحرس الثوري، كلها طقوس مستوردة لم يعرفها اليمن.
دخيل على فكرة الدولة نفسها: فكرة “الاصطفاء السلالي” وحق فئة بعينها في الحكم والثروة تصادم جوهر ثورة 26 سبتمبر 1962 التي قامت على إسقاط هذه الفكرة بالذات، وتصادم كرامة اليمني المسلم الذي لا يعترف بطبقة سادة وطبقة أتباع.
المحور التاسع: وحدة المعيار
أعرف أن الأستاذ أحمد يرفض الانقلابات العسكرية على إرادة الشعوب، ويرفض حكم الأمر الواقع المفروض بالسلاح، وموقفه من انقلاب يوليو 2013 في مصر معروف ومشهود. ولذلك أسأله بكل صدق: إذا كان صمود السلطة وعجز خصومها عن إسقاطها دليلاً على قبولها الشعبي، فما مشكلتك إذن مع الانقلاب في مصر؟
النظام الذي جاء بعد 2013 صمد أكثر من ثلاث عشرة سنة، ويملك جيشاً أكبر بكثير من جيش الحوثي، وسحق معارضيه، ولم تستطع أي قوة إسقاطه. فهل نستنتج من ذلك أن المصريين اختاروه ويحبونه؟ وهل كان عجز المعارضة عن إسقاطه دليلاً على أنها “دخيلة” و”مكروهة”؟ أنا متأكد أن الأستاذ يرفض هذا الاستنتاج رفضاً قاطعاً. وإذا رفضه في القاهرة، فلا يصح أن يقبله في صنعاء. ونفس السؤال يُطرح عن انقلاب السودان، وعن تونس، وعن كل سلطة فرضت نفسها بالقوة ثم احتجت بطول بقائها.
والمفارقة أن الانقلابين يتشابهان إلى حد التطابق:
في مصر قيل إنها “ثورة 30 يونيو” الشعبية، وفي اليمن سمى الحوثي اجتياحه للعاصمة “ثورة 21 سبتمبر” الشعبية. كلاهما سرق اسم الثورة.
في مصر احتُجز الرئيس المنتخب وعُطل الدستور، وفي اليمن حاصر الحوثي الرئيس ووضعه تحت الإقامة الجبرية مع الحكومة، ثم أصدر “إعلاناً دستورياً” حل به البرلمان وصادر الدولة.
في مصر انقلب العسكر على مسار انتخابي، وفي اليمن انقلب الحوثي على مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الذي شارك فيه بنفسه ووقّع عليه.
وفي البلدين كان الإسلاميون أول الضحايا: في مصر المجازر والسجون والمطاردة، وفي اليمن تفجير مقرات الإصلاح ودور القرآن واختطاف قياداته وتهجير طلاب العلم من دماج.
بل الأعجب أن الأطراف الإقليمية نفسها التي دعمت انقلاب مصر عام 2013، هي نفسها التي وقفت تتفرج عام 2014 والحوثي يسحق الإصلاح ويجتاح عمران ثم صنعاء، لأنه كان يؤدي لها المهمة ذاتها: ضرب ما تبقى من ثورات الربيع العربي وقواه. الحوثي لم يكن ثورة على الثورة المضادة، بل كان أحد أذرعها في اليمن، حتى انقلب السحر على الساحر.
فالاتساق يقتضي تطبيق المعيار نفسه على الجميع: إما أن الانقلاب بالسلاح جريمة في كل مكان، وإما أنه وجهة نظر في كل مكان. أما أن يكون جريمة في القاهرة، ووجهة نظر تستحق التفهم والتحليل الهادئ في صنعاء، فهذا ما لا يستقيم مع عقل الأستاذ ولا مع تاريخه في نصرة الشعوب.
وكذلك معيار التبعية الخارجية: لا يصح أن يُوصم كل يمني تلقى دعماً من الرياض بالعمالة، بينما يُقدّم من يتلقى صواريخه وخبراءه وتعليماته من طهران بصفته وطنياً مستقلاً. إما أن يكون الدعم الخارجي قادحاً في الطرفين، أو لا يكون قادحاً في أحد.
وأقولها بوضوح: نقد السعودية والإمارات ودورهما الفاشل والمتآمر في اليمن واجب، ونحن من أشد الناس نقداً لهما. لكن فشل التحالف لا يمنح الحوثي شرعية، وتآمر الرياض لا يحول ميليشيا سلالية إلى حركة شعبية.
خاتمة: الأجوبة المختصرة على الأسئلة الخمسة
لماذا لم تحسم السعودية؟ لأنها لم تُرد الحسم الذي يُسلّم اليمن لقواه الوطنية، وتجنبت القتال البري واستأجرت غيرها، ومزقت الإمارات الرديف المحلي وقصفته، وأنقذ المجتمع الدولي الحوثي في الحديدة عام 2018، ثم انتقلت الرياض إلى التفاوض معه. فشل التحالف شهادة على التحالف، لا على شعبية الحوثي.
لماذا لا توجد ألوية إيرانية؟ لأن عقيدة فيلق القدس قائمة على صناعة الوكلاء لا إرسال الجيوش، والحضور الإيراني موثق. ومثال سوريا حجة على السؤال: إيران أبقت الأسد تسع سنوات، وانهار حين انكسرت أعمدته الخارجية، وحين امتلك خصومه قراراً موحداً مستقلاً يفتقده خصوم الحوثي.
لماذا عجزت القبائل؟ لأنها واجهت جيش دولة مختطفاً لا ميليشيا معزولة، بعد خيانة صالح، ولأن القبيلة مؤسسة تضامن لا جيش موحد، ولأن الحوثي أخضع مشايخها بالمال والتفجير والاعتقال، ولأن التحالف خذل من قاتل منها كقبائل حجور. وحيث غابت الحاضنة في الجنوب، طُرد الحوثي في أسابيع.
لماذا الاستنجاد بالغرب؟ الغرب جاء لحماية سفنه لا لنصرة اليمنيين، وانسحب حين ضمن مصالحه. والحرب غير المتماثلة بالمسيرات والزوارق لا تحتاج إلى طيران حربي، ولا تدل على شعبية أحد. وطلب الدعم سلوك كل أطراف الحروب، والحوثي أول من يتلقاه.
هل التقييم خاطئ؟ التقييم صحيح، والخطأ في المقياس. الصمود العسكري يثبت قوة التنظيم، ولا يثبت قبول الناس ولا أصالة المشروع. والمؤشرات الحقيقية للشعبية، من غياب الانتخابات، والنزوح الجماعي، وتجنيد الأطفال، والجباية القسرية، وسحق انتفاضة صنعاء، وحصار تعز، كلها تشهد أن الحوثي سلطة أمر واقع تحكم بالقهر لا بالرضا.
ختاماً، أشكر الأستاذ أحمد على طرح أسئلته بشجاعة، فالسؤال الجاد يستحق الجواب الجاد. وأرجو أن يكون في هذا البحث ما يوضح الصورة كما يعيشها اليمنيون أنفسهم، لا كما تبدو من خلف خرائط موازين القوى. فالمستبد لا يكتسب شرعيته من طول أمد استبداده، ولا من فشل خصومه، ولا من صمته الذي يفرضه على من تحت يده بالبندقية والسجن والتجويع.
مصطفى الشرقاوي




