سؤال من شحروري في البوت: لماذا تصلون الصلاة الحركية وأين نجدها في القرآن
الصلاة صلة وفقط وليست حركات
تأملتُ في شأن دعواك، فرأيتُ عجباً من تهافتها؛ تدّعي أن الصلاة صلة، وتلك لعمري كلمة حقٍّ أردتَ بها باطلاً صريحاً! فنحن لا ننكر أن الصلاة صلةٌ عظمى بين العبد وربه، وروحٌ تفيض بالخشوع والإنابة، ولكن خطيئتك أنك اتخذت هذا المعنى الشريف ذريعةً لتبطل به كيفية الصلاة، وتهدم صفتها الظاهرة التي أحكمها التنزيل!
فشتان شتان بين «معنى الصلاة وغايتها» في القلوب، وبين «صفتها وكيفيتها» في حركة الأبدان والجوارح؛ فالصلة الباطنة غاية، والركوع والسجود والقيام هيئة تعبدية فرضها الله وجعلها وعاءً لتلك الغاية.
لقد أردتَ أن تجعل حقيقة المعنى ممحاةً لصفة الأداء، متستراً بتلاعب لغوي بارد يزعم أن الصلاة مجرد شعور وجداني بلا ركوع ولا سجود ولا حركة؛ وما قصدتَ تعظيم الصلة بربك، بل أردتَ إسقاط التكليف، والفرار من كلفة خضوع الجباه في التراب!
أفرأيتَ رجلاً يحاكم خصمه إلى كتاب ثم يكذب بصريح آياته؟! تعال نقيم عليك حجة القرآن الذي تزعم الاكتفاء به، لنرى كيف يهدم دعواك حجراً حجراً، ويكشف أن خصومتك الحقيقية ليست مع الفقهاء ولا كتب الحديث، بل مع صريح التنزيل الذي تحاول ليّ عنقه فراراً من كلفة التكليف وخضوع الجوارح.
أولاً: القرآن نفسه ينطق بالحركات والهيئات الجسدية: تزعم أن الصلاة تأمل مجرد وحالة شعورية باطنة، فما تصنع بأوامر القرآن القاطعة في حركات البدن؟ أمر بالركوع والسجود والقيام نصاً لا يحتمل التأويل؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]، وقال سبحانه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]. فهل القيام، والركوع، والسجود، مجرد أفكار سابحة في الذهن، أم هي هيئات جسدية وأفعال جوارح تخر لله خاشعة؟!
بل جعل الله هذه الحركات البدنية عبادة متوارثة عبر الأنبياء؛ فقال تعالى لمريم عليها السلام: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: 43]، وذم المستكبرين عن الفعل الحركي للبدن فقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: 48]. ثم انظر إلى ما هو أبلغ في دمغ باطلك: أثبت القرآن للصلاة أثراً مادياً حسياً يُرى بالعين في أجساد الصالحين: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: 29]؛ فبالله عليك، هل الخواطر القلبية والصلة المجردة تترك أثراً مادياً على الجباه والوجوه، أم أن السجود الفعلي بملامسة الأرض خضوعاً للباري هو الذي يترك ذلك الأثر؟!
ثانياً: شروط الصلاة المادية في القرآن تبطل دعوى التجريد: لو كانت الصلاة مجرد صلة روحية، لما علقها القرآن بشروط بدنية، ومكانية، وزمانية تجعل زعمك هباءً منثوراً:
الطهارة المائية للأعضاء: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6]. فأخبرني بربك: هل تُغسل الروح بالماء؟ ولماذا يأمرك الحكيم الخبير بصب الماء على أطرافك وغسل وجهك ورجليك إن كنت ستقوم لمجرد جلسة تأمل باطنة؟!
الوجهة المكانية الصارمة: قال سبحانه: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144]. الصلة الروحية لا يحدها جدار ولا تحتاج اتجاهاً جغرافياً، وإلزام العباد بإدارة وجوه أبدانهم شطر بقعة بعينها على وجه الأرض دليل قاطع على أنها عبادة جسدية مكانية.
التوقيت الصارم: قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]. التأمل والذكر متاحان للعبد في كل لحظة ونَفَس، لكن الفرائض البدنية رُبطت بمواقيت محددة لا تبرأ الذمة إلا بأدائها فيها.
المشهد الحركي العسكري في صلاة الخوف: اقرأ قوله تعالى وسط اشتعال المعركة: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: 102]. طوابير تُنظم، وأسلحة تُحمل، وطائفة تسجد فيحميها إخوانها، ثم تتراجع ليتقدم غيرها فيصلي.. كيف يجرؤ عاقل أن يزعم أن هذا التبديل الحركي المعقد والتنظيم الجسدي الصارم وسط تطاير الرماح هو مجرد صلة روحية؟! ألم يكن بوسع المقاتل أن يتصل بربه في قلبه وهو ثابت في موقعه متترس بسلاحه دون كل هذا التبديل الحركي التفصيلي؟!
ثالثاً: تهافت التلاعب اللغوي بجذر الكلمة: أما تعللك بأن الصلاة في أصل اللغة ترجع إلى الصلة أو الدعاء، فهو تدليس مكشوف وسفسطة يعلم تهافتها صغار الطلبة؛ فإن المعنى الشرعي في لسان الوحي مقدم على أصل الوضع اللغوي المجرد، والشارع الحكيم ينقل الألفاظ من دلالتها اللغوية العامة إلى حقائق شرعية خاصة لا تقبل التبديل. تأمل معي في الحج: هو في لغة العرب مجرد القصد؛ فهل يجوز لمتحذلق أن يقول: الحج مجرد أن أقصد بيت الله بقلبي ولا داعي للطواف، ولا للسعي، ولا للوقوف بعرفة؟! وهل الزكاة التي هي النماء والطهارة لغةً تعني مجرد نقاء السريرة دون إخراج أموال وحساب مقادير؟! إن القرآن إذا سمى الفعل صلاة ورتب عليه الوضوء، والقيام، والركوع، والسجود، فقد حدد حقيقته الشرعية التي لا يملك مخلوق أن يفرغها من محتواها ليجعلها مجرد أوهام ذهنية.
رابعاً: من أين جاءت التفاصيل؟ القرآن ذاته هو الذي بنى منظومة الاتباع النبوي: وهنا نصل إلى جوهر الداء!
القرآن أمر بإقامة الصلاة وذكر أركانها الكبرى وهيئاتها (الوضوء، القبلة، المواقيت، الركوع، السجود)، لكنه أحال الأمة في تفاصيل عدد الركعات، وصيغ التكبير والتشهد، وترتيب الأفعال، إلى بيان النبي صلى الله عليه وسلم، وأوجب ذلك بنصوص قاطعة عبر طبقات محكمة:
طبقة البيان النبوي: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]؛ فصلاته صلى الله عليه وسلم هي البيان العملي التطبيقي لمجمل أمر القرآن.
طبقة التعليم الزائد على مجرد التلاوة: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: 129]؛ فلو كانت وظيفته مجرد تسليم المصحف المقروء لكان عطف التعليم على التلاوة حشواً ولغواً يتعالى عنه كلام الله.
طبقة الأخذ المطلق عنه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7].
طبقة الطاعة وكمال التأسي: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، و﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]؛ فكيف يأتسي بالرسول في الصلاة من ينبذ هديه العملي ويقول حسبي القرآن؟!
ثم أين تذهب من حجة التواتر العملي القاطع؟ مئات الملايين من المسلمين اليوم، في كل صقع وقارة، من جاكرتا شرقاً إلى نواكشوط غرباً، باختلاف أعراقهم وألسنتهم عبر أربعة عشر قرناً، يصلون الفجر ركعتين والظهر أربعاً، ويركعون ويسجدون على نسق واحد متطابق نقلوه عن الصحابة عن نبيهم.. أفتزعم أن هذه الأمة التي قال الله فيها: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قد اجتمعت كلها، من عهد الصحابة إلى اليوم، على مؤامرة لاختراع صلاة حركية مكذوبة وتناست صلاتها الحقيقية، وعجز القرآن عن إرشاد الأجيال المتعاقبة، حتى جاء أصحاب الأهواء والقراءات الحداثية في القرن الحادي والعشرين ليكتشفوا أن الأمة كلها كانت على ضلال وأن الصلاة مجرد صلة ذهنية؟!
من زعم هذا فقد اتهم أمة الإسلام بالردة الجمعية، وجعل القرآن كتاباً عاجزاً عن هداية أتباعه لأعظم فرائضه حتى استنقذه المتأخرون!
ختامًا: إذا عطلت البيان النبوي، وأسقطت إجماع الأمة وتواترها، وزعمت أن الصلاة صلة وجدانية محضة، فإني ألزمك أمام عقلك وضميرك بثلاثة أسئلة لا فكاك لك منها:
أولاً: كيف ستطبق أمر الله الصريح: اركعوا واسجدوا؟
ثانياً: ولأي غاية ستغسل أطرافك بالماء إذا قمت إلى صلاتك لمجرد جلسة تأمل؟
ثالثاً: من أين ستعرف مقادير الزكاة، وحدود الصيام، ومناسك الحج إن طردت قاعدتك الفاسدة في سائر الشعائر؟!
إن حقيقة أمرك ليست اتباع القرآن، بل هي الهروب من كلفة العبودية؛ فالنفس تستثقل الانحناء للحق، وتستكبر أن تعفر جبينها في التراب ذلاً لخالقها، فتفر إلى لفظ هلامي تسميه صلة وتأملاً، لتصنع ديناً مفصلاً على مقاس الكسل والراحة، لا تكليف فيه، ولا قيام في برد، ولا ركوع يخضع الجسد.
لقد عطلت آيات الحركات الصريحة، وعطلت آيات الاتباع المحكمة، ولم تبقِ من القرآن إلا ما وافق هواك.
واقرأ على نفسك مآل هذا السبيل في محكم التنزيل: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115].
أسأل الله لك يا هذا أن ينير بصيرتك، وأن يعصم قلبك من هذا التيه، وأن ينجيك من حبائل المضلين وشِباكهم.
اللهم بصّر هذا السائل بحقيقة أمره، وافتح مغاليق قلبه لنور كتابك وسنة نبيك، وأعذه برحمتك من شؤم فتنة الشحارير الذين باعوا الوهم لروادهم، ولا تجعله صيداً في شباك محمد شحرور وتأويلاته الفاسدة التي أراد بها نزع هيبة القرآن والسنة من صدور المؤمنين، واعصمه من ترهات يوسف أبو عواد ومحمد الفايد، وأمثالهم ممن تجرؤوا على فريضة الصلاة، فلقنوا الناس هذه الضلالة، وسرقوا من الحائرين حلاوة السجود وبركة الركوع، واختلسوا منهم آخرتهم بثمن بخس من سراب الكلام!
اللهم إني أعيذه بك أن يقف بين يديك غداً صفر اليدين من صلاة أقامها، أو ركعة خضع بها، أو سجدة عفر فيها وجهه في التراب إجلالاً لعظمتك؛ متعللاً بسفسطة قوم خلعوا ربقة التكليف عن رقابهم، وتسموا بأسماء التجديد وهم يقطعون أمتن عرى الإسلام!
أسأل الله أن يحيي في صدرك مهابة الوقوف بين يديه، وأن يريك الحق حقاً فتقوم بين يدي ربك مع الراكعين الساجدين، وأن يريك الباطل باطلاً فتفر من هؤلاء المردين فرارك من النار.. فإنهم تالله لن يغنوا عنك من الله شيئاً إذا بلغت الحلقوم، ولن ينزل معك شحرور ولا أبو عواد ولا الفايد إلى ظلمة قبرك، ولن يجيب أحد منهم عنك يوم تُسأل عن أول ما يحاسب عليه العبد من دينه: صلاته!
اللهم ارزق هذا السائل إخباتاً لآياتك، وتواضعاً لأمرك، وخضوعاً يلين به صلبه في ركوعه وسجوده، وأعذه أن يموت وهو هاجرٌ لفرائضك، واجعله من التائبين المنيبين الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.




