من أخطر آفات الوعي في زماننا أن تُحاكم القضايا من نهايتها، وأن يُختزل مسارٌ طويل من الدماء والمآسي في بضعة مشاهد استعراضية وشعارات صاخبة يراها الناس اليوم عبر شاشات الأخبار.
إن كثيراً من المسلمين الصادقين، وبخاصة من جيل الشباب الواعد، يقعون اليوم ضحية هذا التغييب والجهل بالبدايات؛ فكثير من أبنائنا كانوا صغار السن حين انقضت هذه المليشيا على اليمن في انقلاب عام 2014، أو حالت كثافة الأحداث والضخ الإعلامي الموجه دون معرفتهم بحقائق ما جرى في قرى ومدن هذا البلد المنكوب. لقد فُتحت أعينهم على القصة من صفحتها الأخيرة، فرأوا جماعة ترفع لافتات محاربة إسرائيل، وتعاموا -أو جُهّلوا- عن حقيقة أنها جماعة أقامت بنيانها فوق أشلاء اليمنيين، وزرعت الموت في بيوتهم، وفجرت مساجدهم، وسفكت دماء خيرة علمائهم ومعلميهم.
لذلك، نضع هذه الحقائق الصادمة بين يدي كل منصف يبتغي وجه الله، لا لنملي عليه موقفاً، بل لنوقظ الوعي ونحث كل شاب عاقل ألا يسلم عقله للدعاية؛ خذوا هذه الوقائع، والأسماء، والأرقام، وابحثوا عنها في السجلات الموثقة وتقارير المنظمات الحقوقية وأرشيف الأخبار، وتحققوا بأنفسكم لتشهدوا الحقيقة مجردة.
إن دماء المسلمين في ميزان الله واحدة لا تتجزأ؛ لا يقبل الله فيها مفاضلة عرقية ولا مذهبية، ولا تبريراً سياسياً كاذباً. إن دمعة الطفل اليمني الذي قُتلت أمه بقذيفة حوثية، لا تقل حرمة ولا وجعاً عن دمعة طفل غزة الذي قُتلت أمه بقذيفة صهيونية؛ والقلب الذي يحترق لمجازر المحتل في فلسطين ثم يصمت عن مذابح المليشيا في اليمن والشام والعراق، هو قلب مريض، رهن بوصلته الأخلاقية والعقدية لأصنام السياسة وأهوائها. القاتل المجرم هو القاتل المجرم؛ سواء ارتدى خوذة صهيونية، أو تلحف بصرخة طائفية.
إليك السجل الأسود لجرائم مليشيا الحوثي ضد شعب الإيمان والحكمة منذ انقلابها المشؤوم عام 2014 إلى يومنا هذا؛ قائمة دامغة من الوقائع والأرقام التي لا يستطيع كائن على وجه الأرض أن يدحضها أو يفر من ثقلها:
أولاً: جريمة تفجير المنازل ودور العبادة
تفجير ما يزيد على 1500 منزل لمواطنين، وشيوخ قبائل، ودعاة، وسياسيين، بنسفها بالديناميت وتسويتها بالأرض أمام أعين النساء والأطفال كوسيلة إرهاب وانتقام نفسي همجي لا يمارسها إلا الاحتلال.
قصف وتفجير عشرات المساجد ودور القرآن والحديث؛ بدءاً من حصار مركز دماج السلفي عام 2014 وتهجير آلاف الطلاب وعائلاتهم قسراً، وصولاً إلى تفجير مساجد كتاف، وعمران، ومأرب، وصنعاء، وتحويل بيوت الله إلى مجالس لتناول القات وثكنات عسكرية.
اغتيال الشيخ السبعيني صالح حنتوس في منزله بريمة بعد حصاره وقصفه، وتفجير منزل شقيقه والتنكيل بأسرته فقط لأنه رفض التوقف عن تحفيظ القرآن الكريم.
ثانياً: زراعة الألغام العشوائية
زراعة أكثر من مليوني لغم وعبوة ناسفة مموهة في المزارع، وآبار المياه، والمدارس، وطرقات القرى؛ في أكبر جريمة زراعة ألغام فردية يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية.
حصد أرواح وإصابة ما يزيد على 10 آلاف مدني، أغلبهم من النساء والأطفال والمزارعين، مخلفة جيشاً من مبتوري الأطراف الذين حُرموا من الحركة الطبيعية داخل قراهم.
ثالثاً: حصار المدن وقنص الأبرياء
فرض حصارًا خانقًا على مدينة تعز لأكثر من تسع سنوات متواصلة؛ قُطعت فيه الشرايين الرئيسية للمدينة، ومُنع عنها الغذاء والدواء وأنابيب المياه، وحُوّلت حياة مئات الآلاف من سكانها إلى معاناة يومية شاقة.
نشر القناصة الحوثيين على تلال تعز والحديدة لاصطياد المدنيين العُزّل بدم بارد؛ حيث وثقت المنظمات استشهاد مئات الأطفال والنساء وهم يجلبون أوعية الماء أو في طريقهم إلى المدارس.
رابعاً: مذبحة الطفولة
تجنيد أكثر من 30 ألف طفل قسراً وفق التقارير الحقوقية، والزج بهم كدروع بشرية ووقود في محارق الجبهات، وإعادتهم إلى أمهاتهم في صناديق خشبية بعد استغلال فقر عائلاتهم.
استغلال “المراكز الصيفية” كمعسكرات تعبئة طائفية ممنهجة لغسل عقول مئات الآلاف من أطفال اليمن، وتلقينهم أفكار اللعن والتكفير وثقافة الكراهية، وتدريبهم على السلاح لضرب نسيج المجتمع اليمني من جذوره.
خامساً: الإعدامات الميدانية ومسالخ التعذيب
إعدام تسعة من أبناء تهامة الأبرياء دفعة واحدة في ميدان التحرير بصنعاء عام 2021 بتهم ملفقة بعد محاكمة صورية؛ ومن بينهم القاصر المعاق عبد العزيز الأسود الذي كُسر عموده الفقري تحت التعذيب وحُمل إلى منصة الإعدام محمولاً على الأكتاف في مشهد يهتز له الضمير الإنساني.
إدارة مئات السجون السرية التي يُمارس فيها أبشع ألوان التعذيب النفسي والجسدي، والتي أدت إلى استشهاد أكثر من 300 معتقل تحت سياط التعذيب والإهمال الطبي المتعمد.
اختطاف وإخفاء آلاف السياسيين والأكاديميين والصحفيين والناشطين، وابتزاز أسرهم مالياً، وتغييبهم لسنوات في ظلمات الزنازين دون أدنى مسوغ قانوني.
سادساً: هتك الأعراض وانتهاك حرمة البيوت
استحداث ميليشيا نسائية مسلحة تُعرف بـ “الزينبيات” لاقتحام المنازل الآمنة، وترويع النساء والأطفال، واعتقال الناشطات والنساء المعارضات.
توثيق اختطاف وتعذيب أكثر من 1500 امرأة في سجون سرية خاصة، في سابقة خطيرة ومستهجنة تنتهك كافة الأعراف والتقاليد والقيم الأخلاقية لليمنيين.
سابعاً: التجويع الممنهج ونهب الأقوات والمرتبات
قطع مرتبات مئات الآلاف من الموظفين والمعلمين وعمال الصحة في مناطق سيطرتهم منذ عام 2016، بينما تذهب مليارات الإيرادات العامة والجبايات لتمويل حروب المليشيا وثراء قياداتها ومشرفيها.
نهب وبيع المساعدات الإغاثية المقدمة من برنامج الأغذية العالمي في السوق السوداء، وحرمان ملايين الجياع منها، واستخدام لقمة العيش كسلاح لتركيع المحتاجين وإجبارهم على إرسال أبنائهم للقتال.
فرض جبايات جائرة تحت مسميات “الخُمس” والمناسبات الطائفية، ونهب أراضي وممتلكات المواطنين والتجار بالقوة الجبرية.
ثامناً: تجريف الهوية وعقيدة أهل السنة
إحلال الفكر الطائفي المستورد من طهران في المناهج الدراسية، وفرض الصرخة والطقوس الدخيلة على المدارس والجامعات.
منع إقامة صلاة التراويح في عدد كبير من مساجد العاصمة والمحافظات الواقعة تحت سيطرتهم، وتغيير أئمة وخطباء المساجد بقوة السلاح وإحلال عناصر طائفية مكانهم.
إفراغ المناطق من كبار علماء ودعاة أهل السنة؛ إما بالقتل، أو الاعتقال، أو المطاردة والتهجير، لفرض لون مذهبي واحد بالقوة والقهر.
هذا غيض من فيض من جرائم الحوثي وهذه هي حقيقة مشروعه؛ فليأتِ المتاجرون بالدين، وباعة الوهم، والمتأيرنون الذين رهنوا ضمائرهم للمشروع الإيراني، ليردوا على جريمة واحدة من هذه الجرائم، أو ليخبرونا: كيف تخدم زراعة مليوني لغم بين أقدام أطفال اليمن قضية تحرير القدس؟ وكيف ينصر حصار أهالي تعز المستضعفين في غزة؟
إن من يصفق للجلاد في صنعاء بحجة عداوته لأمريكا، كمن يصفق للجلاد في تل أبيب بحجة عداوته للإرهاب المزعوم؛ كلاهما يقتات على دماء الأبرياء، وكلاهما شريك في الظلم، ودماء أهل اليمن ستبقى حجة على كل من خذلهم وبرر قاتلهم، يوم تجتمع الخصوم عند قاضي السماء والأرض.

هناك مسألة قد يستغربها البعض في العنوان عندما قلنا: صهيوني في ثوب مسلم!
وقد يستغرب القارئ المتعجل هذا الوصف، أو يظنه ضرباً من المبالغة والتشنيع؛ لكن التأمل المنصف والعميق في جذور السلوك وممارسات الميدان يكشف أن “الصهيونية” ليست مجرد هوية عرقية أو بطاقة هوية تصدر في تل أبيب، بل هي عقلية استعلائية ومنظومة سلوكية إجرامية تقوم على احتقار الإنسان، واستباحة الدماء، ومصادرة الحقوق باسم تفوق موهوم. وحين نضع جرائم مليشيا الحوثي في اليمن بميزان المقارنة مع جرائم الاحتلال الصهيوني في فلسطين، نجد أنفسنا أمام نسختين متطابقتين في الجوهر والمنهج، لا يفصل بينهما سوى اللسان ونوع الثياب:
أولاً: عقيدة الاصطفاء والاستعلاء العرقي؛ فالصهيوني يبني مشروعه على خرافة “شعب الله المختار” الذي يملك حقاً إلهياً في استعباد الآخرين وطردهم من أرضهم، وكذلك الحوثي تماماً؛ إذ يبني حركته على خرافة “الحق الإلهي في الحكم” وحصر السيادة والكرامة في سلالة بعينها، مقسماً الشعب اليمني إلى “سادة مقدسين” يستحقون الأموال والجاه، وسواد أعظم من “الرعايا” الذين لا وظيفة لهم إلا دفع الإتاوات والموت وقوداً في الجبهات. إنه نفس منطق العنصرية العرقية وإن تدثر بنصوص دينية محرفة.
ثانياً: جريمة تفجير المنازل وسياسة العقاب الجماعي؛ فما تمارسه الجرافات والمتفجرات الصهيونية بحق منازل الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية كعقاب ووسيلة للإرهاب النفسي، مارسه الحوثي بحذافيره في كل قرية ومدينة يمنية دخلها؛ حيث نسف أكثر من ألف وخمسمائة منزل بالديناميت لمجرد أن أصحابها عارضوا مشروعه، متلذذاً برؤية الأنقاض فوق رؤوس الأطفال والنساء في مشهد لا تجده في العالم المعاصر إلا عند الاحتلال.
ثالثاً: حصار المدن وتجويع الشعوب؛ فالحصار الخانق الذي يفرضه الاحتلال على قطاع غزة، هو ذاته الحصار المطبق الذي فرضه الحوثي على مدينة تعز لعقد كامل؛ قطع الطرقات، ومنع شاحنات الأغذية والأدوية، وحرمان الناس من مياه الشرب، ونشر القناصة على التلال لاصطياد الأطفال والنساء أثناء جلبهم للماء. المنهج واحد: تركيع المجتمعات بكسر شوكتها الإنسانية وإماتتها جوعاً وعطشاً.
رابعاً: تجريد الضحية من الإنسانية وتلفيق التهم؛ فالاحتلال الصهيوني يدمغ كل فلسطيني يدافع عن أرضه بتهمة الإرهاب ليسهل قتله وإبادته دون وخز من ضمير، والحوثي يمارس التضليل ذاته؛ فيدمغ معلماً للقرآن طاعناً في السن مثل الشيخ صالح حنتوس بتهمة “التواطؤ مع إسرائيل” ليبرر قصف بيته وإعدامه أمام أسرته. كلاهما يصنع “شيطنة مسبقة” للمظلوم، ليمسح أثر الجريمة أمام جمهوره الغافل.
إن الشبه هنا ليس مجرد استعارة بلاغية، بل هو تشخيص واقعي لسلوك واحد؛ فالذي يقتل المسلمين، ويفجر مساجدهم، ويزرع ملايين الألغام في طرقاتهم، ويجوع مدنهم، ويهجر عائلاتهم، لا يمكن أن تغير حقيقته صرخة يطلقها بحنجرته أو لافتة يرفعها في مسيرة.
إن إطلاق لحية، وارتداء عمامة، والصراخ بشعار “الموت لأمريكا وإسرائيل” مئة مرة في اليوم، لن يجعل من القاتل مسلماً في ميزان الأخلاق؛ فمن تلبّس بأفعال الصهاينة واقتفى أثرهم في البطش بالمسلمين المستضعفين، هو صهيوني الروح والسلوك، وإن صلى وصام وزعم أنه يقاتل دفاعاً عن المحراب.
وختامًا: اعلم يا مغرور أن دماء أهل اليمن عند جبار السماوات والأرض ليست ماءً مهيناً يُراق في سوق المزايدات؛ فميزان العدل الإلهي لا يحابي ظالماً وإن تدثر بأثواب الصالحين. بئس الصنيع أن تجعل من جراح فلسطين دريئة تستر بها أنياب الغدر، وترفع لافتة القدس بيمينك بينما يسارك تقطر من دماء شعب الإيمان والحكمة.
إن صيحات الموت لإسرائيل لن تخرس أنين يتيم هدمتَ بيته، وإن من سلك مسلك الصهاينة في البغي والعدوان، حُشر معهم في ديوان الظلمة وإن ملأ الدنيا هتافاً بعداوتهم؛ فالديان لا يموت، وعند الله تجتمع الخصوم.




