حتى تكتمل الحقيقة، وتبرأ الذمة، وتتضح الرؤية كاملة في هذا التوقيت الحرج: إن فضحنا لجرائم مليشيا الحوثي وكشف مشروعها الطائفي لا يعني أبداً، ولا يجوز أن يُفهم منه، منح صك براءة أو تبرئة ساحة للتحالف السعودي الإماراتي في اليمن؛ فالتاريخ والواقع يشهدان أن هذا التحالف يتحمل وزراً تاريخياً وجريمة كبرى في تمزيق اليمن، وتدمير بنيته، وخذلان أهله.
من يظن أن نقد الحوثي يقتضي تلميع حكام الرياض وأبوظبي هو واهم أو مدلس، فالباطل لا يُدفع بالباطل، ودماء أهل اليمن ومقدراتهم لم تكن رخيصة عند أحد كما كانت عند هؤلاء جميعاً.
دخل النظامان السعودي والإماراتي إلى اليمن عام 2015 تحت لافتة براقة اسمها “إعادة الشرعية وإنقاذ اليمن”، لكن الأيام والسنوات كشفت عن أجندة تخريبية لا تقل قبحاً عن أهداف الحوثي ذاته.
فبدلاً من دعم قيام دولة يمنية قوية ذات سيادة، عُمِد إلى مصادرة القرار اليمني المستقل، واحتُجزت القيادات اليمنية ورؤساء الدولة في فنادق الرياض كرهائن مسلوبي الإرادة، ومُنع الجيش من أبسط مقومات الحسم؛ بل حُوصر في الذخيرة والسلاح النوعي، وعُطّل تقدمه حين كان على مشارف صنعاء في نهم، وقُصفت قواته مراراً وتكراراً بضربات جوية وُصفت بـ “الخاطئة” كلما حاول كسر الحوثي واستعادة الأرض بصدق.
أما الدور الإماراتي في اليمن فكان طعنة غادرة ومباشرة في خاصرة الشعب اليمني وهويته؛ إذ لم تكن حرب أبوظبي ضد الحوثي يوماً، بل كانت حرباً على وحدة اليمن وموانئه وثرواته.
بنت الإمارات مليشيات مناطقية مسلحة موازية للدولة ومتمردة عليها لتمزيق النسيج الاجتماعي، واحتلت الجزر والموانئ الاستراتيجية كـ سقطرى وميون وميناء بلحاف لتصدير الغاز، وحولتها إلى قواعد ونقاط نفوذ مغلقة.
والأنكى من ذلك، إدارتها لشبكات من السجون السرية التي مارست أبشع ألوان التعذيب بحق الأحرار، وتنفيذها لموجة اغتيالات دموية ممنهجة طالت العشرات من خيرة أئمة المساجد، ودعاة أهل السنة، وقادة المقاومة المخلصين في عدن والجنوب، فقط لأنهم رفضوا التبعية والارتهان لمشاريع التقسيم.
ولعل ذروة الخسة والدناءة في هذا المسار التدميري، تتجلى في الحرب الاستئصالية التي شنتها الرياض وأبوظبي ضد القوى الإسلامية الوطنية في اليمن -وفي مقدمتها حزب الإصلاح (الإخوان المسلمون)-؛ تلك القوة الشعبية والميدانية الوحيدة التي كانت تملك العقيدة، والامتداد الجماهيري، والقدرة العسكرية والرمزية على كسر المشروع الحوثي واجتثاثه من جذوره.
تعامل التحالف مع هذا المكون بـ “فوبيا أيديولوجية” مريضة؛ ففضّل التواطؤ مع الشيطان الحوثي والتفريط في أمن الجزيرة العربية برمتها، على أن يرى تياراً إسلامياً سنياً حراً يقود اليمن وينتصر لإرادة شعبه.
ولا ينسى التاريخ تلك البدايات المخزية عام 2014 حين غضت العواصم الخليجية الطرف عن زحف المليشيا من صعدة نحو عمران وصنعاء لإسقاط “الإصلاح”، وهي الفضيحة التي جرت على لسان عرّابيهم صراحة، كاعترافات اللواء السعودي المتقاعد أنور عشقي الذي أقر علانية بتمويل ودعم الحوثيين واستخدامهم كأداة لضرب الإخوان المسلمين، قبل أن يرتد السحر على الساحر.
واستمرت هذه السياسة الخبيثة طيلة سنوات الحرب؛ فحُوصرت تعز ومأرب، ومُنعت الأسلحة النوعية عن جبهات المقاومة، واستُؤجر المرتزقة الأجانب لاغتيال قادة الإصلاح وأئمة المساجد في عدن، بل وقُصفت قوات الجيش الوطني على مشارف العاصمة المؤقتة بضربات الطيران الإماراتي، كل ذلك لضمان ألا ينتصر حماة الهوية الإسلامية. وبسبب هذا الحقد الأعمى، قُوّضت القوة الصلبة القادرة على حسم المعركة، وسُلّم اليمن لقمة سائغة لنفوذ طهران وأذرعها.
والأنكى من ذلك كله ما نشهده مؤخراً؛ فبعد أن تحركت السعودية لتقليص نفوذ حليفتها (الإمارات) ومحاولة طرد أدواتها من بعض المناطق، ازداد تآمرها على اليمنيين وتحول التنافس الخليجي إلى صراع خبيث يدفع ثمنه أهل اليمن؛ حتى باتت أرض اليمن مجرد ساحة لتصفية الحسابات بين العاصمتين.
ولعل الشواهد الميدانية تشير بوضوح إلى أن الانكسارات والانسحابات المريبة الأخيرة في منطقة الساحل لم تكن إلا خيانة وتواطؤاً دبرتهما أذرع الإمارات نكايةً بالسعودية وإحراجاً لها، بعد أن أحرجتها وطردتها!
الحقيقة الصادمة التي يجب أن يعيها الجميع هي أن سياسات الرياض وأبوظبي كانت الخدمة الذهبية الكبرى التي قُدمت للحوثي على طبق من ذهب؛ فقد أداروا المعركة بجبن وغباء استراتيجي، وفضلوا إضعاف القوى اليمنية الحية وإبقاء اليمن ممزقاً ومحاصراً، خوفاً من قيام يمن حر وقوي على حدودهم، مما مكن الحوثي من ترسيخ سلطته وتثبيت أركان حكمه في الشمال.
باختصار: تقاسم الطرفان تدمير هذا البلد العزيز؛ مليشيا طائفية تسحق الهوية في الداخل، وتحالف إقليمي يمزق السيادة ويصادر القرار من الخارج.
نقولها بلسان الحق المجرد الذي لا يخاف في الله لومة لائم: إن اليمن وشعبه الكريم المكلوم يقع بين فكي كماشة غادرة؛ مشروع صفوي حوثي يستأصل الهوية والدماء، وتحالف خليجي وظيفي يفتقر إلى المروءة ويتاجر بالأرض والمقدرات.
والبراءة من الاثنين فرض دين وأمانة تاريخ، ولن ينال اليمن كرامته إلا بأيدي أبنائه الأحرار الذين يرفضون السجود لملالي طهران، كما يرفضون الركوع لقصور الرياض وأبوظبي.
اللهم إنا نبرأ إليك من كل خائن ومجرم ووصيّ تاجر بدماء أهل اليمن ومزق أرضهم، ونسألك يا قوي يا عزيز أن تقتص من كل من تآمر عليهم واستباح حرماتهم في طهران والرياض وأبوظبي، وأن تشغل الظالمين بالظالمين.
اللهم انصر شعب اليمن المكلوم، واجبر كسرهم، وارفع عنهم كيد المتربصين، واجمع كلمتهم على الهدى والتوحيد، وهيئ لهم قيادة راشدة مخلصة تحفظ كرامتهم وسيادتهم وتطهر أرضهم من كل عبث ودخيل، إنك ولي ذلك والقادر عليه.




