في هذا المقطع المتلفز على شاشة «الحرة» من أبوظبي، يخرج المهندس محمد شحرور منتفخ الأوداج، يلوّح بيديه في وجه المذيع والمشاهدين، ليطلق في 16 ثانية فقط ما ظنه «التحدي القاضي» لهدم السنة النبوية، قائلاً بنصه الحرفي:
(أنا بتحداك! أنا تحديت والتحدي قائم للآن: أعطيني.. القرآن فيه 6232 آية، أعطيني 30 آية شارحهم النبي! 30 آية ها! من 6232! أعطيني 30 آية النبي شارحهم!)
وهذا المقطع القصير وحده وثيقة تاريخية مسجلة بالصوت والصورة، تفضح جهل الرجل التام بالقرآن وعلومه، وتبرهن بالدليل المادي القاطع أنه لم يفتح في حياته قط كتاباً واحداً من أمهات كتب الحديث أو التفسير المسند قبل أن يتسور على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم!
ولكي نعرّي هذا الدجل أمام كل عاقل بالأرقام والمصادر وأرقام الصفحات والأحاديث، نفكك هذا التحدي البائس في ست محطات قاضية:
أولاً: الفضيحة الأولى في الثانية السادسة.. المتحدي بالقرآن يجهل عدد آيات المصحف الذي بين يديه ويهدم نظريته في «مواقع النجوم»!
قبل أن يتحدى شحرورُ المسلمين في تفسير القرآن، سقط في أول جملة نطق بها حين كرر مرتين: (القرآن فيه 6232 آية.. من 6232)!
وهنا نسأل أتباع شحرور: افتحوا المصحف الشريف المطبوع المتداول بين أيديكم في العالم الإسلامي كله (مصحف المدينة النبوية ومصحف الأزهر برواية حفص عن عاصم على العد الكوفي المروي عن أبي عبد الرحمن السلمي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه)، وهو المصحف ذاته الذي يقتبس منه شحرور أرقام الآيات في جميع كتبه، واجمعوا عدد آياته؛ ستجدونها (6236 آية) لا (6232 آية)! فالرجل الذي نصّبه الإعلام الممول «مجدداً لتأويل القرآن» أسقط بجهله أربع آيات من عدّ المصحف الذي يقرأ منه!
ثانياً: الحصار القرآني الذي ألجأ شحرور إلى هذا الهروب.. أكثر من 35 آية قرآنية تدمغ شحرور وتثبت أن تفسير القرآن وبيانه وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم!
لماذا يصرخ شحرور وتلاميذه اليوم (يوسف أبو عواد وباسم الجمل في منصة «مجتمع»، ومحمد عناد سليمان، وحسين سعدون): «أين تفسير النبي للقرآن؟»!
إنها حيلة «الهروب إلى الأمام» بعد أن حاصرهم علماء أهل السنة بطوفان من آيات القرآن الكريم نفسه التي تقطع بأن الله عز وجل أنزل الكتاب على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وكلفه ببيانه وتفصيله وتعليمه للناس، وجعل طاعته وتحكيمه شرطاً في أصل الإيمان؛ وهاك منظومة القرآن المحكمة التي يهرب منها شحرور:
نصّ الله عز وجل بلام التعليل القاطعة على أن علة إنزال الذكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم هي أن يتولى هو تبيينه للناس:
﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ النحل: 44
فأسند الله «الإنزال» إلى ذاته العلية ﴿أَنزَلْنَا﴾، وأسند «التبيين» إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ﴿لِتُبَيِّنَ﴾؛ والمبيِّن غير المبيَّن بالضرورة العقلية واللغوية.
وجمع الله في السورة نفسها بين لام التعليل وأقوى صيغ الحصر والقصر (ما النافية وإلا الاستثنائية):
﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ النحل: 64
«... والله جل وعلا ولّى رسوله صلى الله عليه وسلم تفسير كلامه، وبيان ما أنزل إليه لخلقه، حيث قال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ النحل: 44، ومن أمحل المحال أن يأمر الله جل وعلا النبي المصطفى أن يبين لخلقه مراده حيث جعله موضع الأمانة عن كلامه، ويفسر لهم حتى يفهموا مراد الله جل وعلا من الآي التي أنزلها الله عليه، ثم لا يفعل ذلك رسول رب العالمين وسيد المرسلين، بل أبان عن مراد الله جل وعلا في الآي، وفسر لأمته ما يهم الحاجة إليه، وهو سننه صلى الله عليه وسلم».
فمن زعم كشحرور أن النبي صلى الله عليه وسلم مات ولم يشرح القرآن لأمته، فقد اتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيانة الأمانة وعصيان أمر ربه الذي أنزل الكتاب لأجله!
وفي سورة القيامة تكفل الله بأن يكون بيان نبيه للقرآن وحياً معصوماً، فقال سبحانه:
﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ القيامة: 16-19
ففرّق الله بحرف الترتيب والتراخي ﴿ثُمَّ﴾ بين «قرآنه» (أي قراءة ألفاظه) وبين «بيانه» (أي تفصيل أحكامه ومعانيه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم)! وكما أن ﴿جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ وقع من الله بإحفاظه لنبيه وإجرائه على لسانه، فكذلك ﴿بَيَانَهُ﴾ وقع من الله بتعليمه لنبيه وإجرائه على لسانه وسنته.
وفرّق الله عز وجل في أربعة مواضع محكمة بين وظيفة «تلاوة الآيات» (مجرد البلاغ اللفظي الذي يحصر شحرور مهمة الرسول فيه) وبين وظيفة «تعليم الكتاب» و«تعليم الحكمة»:
- ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ البقرة: 129.
- ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ البقرة: 151.
- ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ آل عمران: 164.
- ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ الجمعة: 2.
فلو كانت وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم مجرد تلاوة الألفاظ من غير شرح ولا تفسير، لكان قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ بعد قوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ لغواً وتكراراً فارغاً!
وأمر الله بذكر ما يُتلى في بيوت النبي صلى الله عليه وسلم من الشيئين معاً:
- ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ الأحزاب: 34، وامتن بإنزالهما معاً:
- ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ﴾ النساء: 113، وقوله:
- ﴿وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ﴾ البقرة: 231.
وأوجب الله طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والأخذ بكل ما آتانا والانتهاء عما نهانا عنه، وأقسم بنفسه جل جلاله على نفي الإيمان عمن لم يحكّمه ويسلّم لقضائه وبيانه في عشرات الآيات:
- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ النساء: 59.
- ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ النساء: 65.
- ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ النساء: 80.
- ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ النساء: 64.
- ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ النساء: 83.
- ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ النساء: 105.
- ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ النساء: 115.
- ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ الحشر: 7.
- ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ الأعراف: 157، وقوله بعدها: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ الأعراف: 158 (فجمع له في الآيتين وصفي «الرسول» و«النبي» معاً وأسند إليه الأمر والنهي والتحليل والتحريم ووجوب الاتباع، فسقطت خرافة شحرور في التفريق بين النبي والرسول!).
- ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ النور: 54، وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ النور: 56، وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ النور: 63، وقوله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ النور: 51.
- ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ الأحزاب: 36، وقوله: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الأحزاب: 21، وقوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ الأحزاب: 6، وقوله: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ الأحزاب: 66.
- ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ النجم: 3-4، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ محمد: 33، وقوله: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ آل عمران: 31، وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ المائدة: 92، وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ التغابن: 12، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الحجرات: 1.
ثالثاً: صدمة الأرقام والمصادر التراثية.. كم آية وحديثاً في التفسير النبوي حوتها دواوين الإسلام التي لم يفتحها شحرور في حياته قط؟!
يظن المشاهد البسيط حين يسمع شحرور يصرخ: (أعطيني 30 آية شارحهم النبي!) أن كتب السنة والتفسير تخلو من ثلاثين آية فسرها النبي صلى الله عليه وسلم! والحقيقة أن هذا السؤال فضيحة مدوية تثبت أن شحرور يتحدث عن كتب لم يفتح غلافها يوماً واحداً؛ وهاك الجرد الإحصائي الموثق بالأرقام والمجلدات:
رابعاً: كسر التحدي عيناً بعين.. شحرور تحدى بـ (30 آية) فسرها النبي صلى الله عليه وسلم، فهاك (36 آية) فسرها النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين والسنن بأرقام الأحاديث!
حتى لا يبقى لمحمد شحرور ولا لببغاء واحد من أتباعه عذر، نقبل تحديه اللفظي الضيق (وهو أن يتلو النبي صلى الله عليه وسلم الآية ويشرح لفظها ومعناها نصاً)، وبدل الثلاثين آية التي تحدى بها، نضع في أعناق أتباعه (36) آية قرآنية فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بلفظه الصريح أو ببيانه العملي في «صحيح البخاري» و«صحيح مسلم» والسنن، مرقمةً بأرقام أحاديثها:
خامساً: مغالطة «المذكرة المدرسية».. وكيف سمّى إمام المفسرين الطبري أصحاب هذه الشبهة بـ«أهل الغباء» قبل 1100 عام!
ربما يقول تابعٌ مخدوع لشحرور: «ولماذا لم يمسك النبي صلى الله عليه وسلم المصحف من سورة الفاتحة إلى سورة الناس ويكتب معجماً يشرح فيه كل آية وكل كلمة من الـ 6236 آية؟!».
والجواب الذي يدمغ هذه السفسطة من ثلاثة أوجه:
أن هذا السؤال مبني على «مغالطة المذكرة المدرسية»؛ فالصحابة الكرام (أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم) كانوا عرباً أقحاحاً نزل القرآن بلسانهم الفطري: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ الشعراء: 195، فلم يكونوا بحاجة إلى أن يجلس النبي صلى الله عليه وسلم ليملي عليهم «قاموساً مدرسياً» يشرح لهم فيه أن «الليل» هو وقت الظلام، وأن «النهار» هو وقت الضياء، وأن «الأرض» هي ما يمشون عليه، وأن «الجوع» ضد الشبع!
ولهذا قسّم إمام المفسرين أبو جعفر ابن جرير الطبري (ت 310هـ) في مقدمة تفسيره «جامع البيان» (1/ 68-69، ط. التركي) آيات القرآن من حيث طريق العلم بتأويلها إلى ثلاثة أقسام حاصرة:
قسم لا يُدرك علم تأويله إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم (وهو تفصيل المجملات التشريعية، والفرائض، والمقادير، والشروط، والحدود، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتفسير ما أشكل)؛ وهذا القسم قد بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته بالقول والفعل والتقرير.
وقسم استأثر الله بعلم وقته وحقيقته الغيبية (كوقت قيام الساعة).
وقسم يعلم تأويله كل ذي علم باللسان الذي نزل به القرآن، من إقامة إعرابه ومعرفة المسميات بأسمائها (فلا يحتاج العربي الفصيح إلى نص نبوي خاص ليعرف معنى السماء والأرض والصدق والكذب).
أن البيان النبوي للقرآن لم ينحصر في الشرح اللفظي النظري، بل شمل «التفسير العملي التطبيقي المتواتر»؛ فحين أنزل الله آيات الصلاة والحج والزكاة والصيام (وهي مئات الآيات في المصحف)، شرحها النبي صلى الله عليه وسلم بفعله وقوله معاً؛ فصلّى على المنبر وقال: «أيها الناس، إنما صنعت هذا لتأتموا ولتعلموا صلاتي» (البخاري 917، ومسلم 544)، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (البخاري 631)، وحج أمام نحو مئة ألف صحابي وقال: «لتأخذوا مناسككم» (مسلم 1297)، وفصّل فرائض الزكاة وأنصبتها كما في كتاب أبي بكر الصديق: «هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين» (البخاري 1454، ومفرقاً في 1448-1455). فكل ركعة وسجدة وطواف وزكاة يؤديها المسلمون اليوم هي «تفسير النبي صلى الله عليه وسلم لآيات القرآن»!
الصاعقة التراثية من الإمام الطبري وشيخ الإسلام ابن تيمية:
وقرر شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه «بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية» (ص 330-332) أن «الصحابة بلغوا عن النبي صلى الله عليه وسلم لفظ القرآن ومعانيه جميعاً»، وجعل من زعم «أنه لم يبين لهم معاني القرآن» بمنزلة من زعم أنه لم يبين لهم معنى الصلاة والزكاة، «مما يزعم القرامطة أن له باطناً يخالف الظاهر»!
«ولو كان تأويل الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يفسر من القرآن شيئاً إلا آياً بعدد، هو ما يسبق إليه أوهامُ أهلِ الغباءِ من أنه لم يكن يفسر من القرآن إلا القليل من آيه واليسير من حروفه، كان إنما أُنزل إليه صلى الله عليه وسلم الذكرُ ليترك للناس بيان ما نُزّل إليهم، لا ليبين لهم ما أُنزل إليهم. وفي أمر الله جل ثناؤه نبيَّه صلى الله عليه وسلم ببلاغ ما أنزل إليه، وإعلامه إياه أنه إنما نزّل إليه ما أنزل ليبيّن للناس ما نُزّل إليهم، وقيام الحجة على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بلّغ وأدّى ... ما ينبئ عن جهل من ظنّ أو توهّم أن معنى الخبر ... أنه لم يكن يبيّن لأمته من تأويله إلا اليسير القليل منه».
فانظر كيف سمّى إمام المفسرين قبل أحد عشر قرناً شبهةَ شحرور وتلاميذه بـ«أوهام أهل الغباء»!
سادساً: لماذا يستميت شحرور في نفي تفسير النبي صلى الله عليه وسلم؟ لكي يفرض على الأمة تفسيراته الفاضحة وجهله المخزي بالعربية!
إن شحرور وأتباعه حين يصرخون: «النبي لم يشرح القرآن»، لا يقولون ذلك ليكتفوا بظاهر المصحف؛ بل لأنهم يريدون إزاحة تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم المعصوم، ليضعوا مكانه تفسير المهندس محمد شحرور.
هذا الرجل الذي يتحدى الأمة في تفسير القرآن لا يقيم جملة عربية واحدة بلا لحن فاضح.
هذه هي بضاعة محمد شحرور الذي سمّاه تقرير مؤسسة «راند» الأمريكية في عداد «الحداثيين» الذين أوصى بدعمهم أولاً ونشر كتبهم بتكلفة مدعومة ومنحهم المنابر، لهدم السنة النبوية وتفكيك الشريعة من الداخل.. رجلٌ يجهل عدد آيات المصحف الذي بين يديه، ويجهل وجود (548) حديثاً مرفوعاً في «كتاب التفسير» بصحيح البخاري و(1337) حديثاً مرفوعاً صحيحاً في دواوين السنة، ولا يفرق بين المرفوع والمجرور في أول سورة الرعد، ثم يخرج على الشاشات ليتحدى الأمة في بيان سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم!




