لم يكد يمضي يوم واحد على حادثة الكرك في الأردن، حتى خرج الشحروري يوسف أبو عواد بمنشور يكشف المعدن الحقيقي لأدعياء «التنوير والتسامح والقراءة المعاصرة»؛ فلم يكتف الرجل باستغلال الحادثة لتمرير عقيدته الشحرورية الفاسدة، بل قفز فورا فوق الدماء ليمارس وظيفته الأثيرة: «الوشاية الأمنية والتحريض المباشر» على العلماء والدعاة وأصحاب الصفحات الإسلامية الكبرى الذين وصفهم في منشوره بـ«مستشيخين يتابعهم الملايين عبر وسائل التواصل الاجتماعي»، وكلنا يعلم علم اليقين من يقصد بهذه العبارة، ومن هم الذين أقضوا مضجعه وكشفوا دجله للملايين!

لقد جربنا هذا الشخص وجماعته في ميدان النقاش العلمي والحجة القرآنية واللغوية، فما وجدنا عنده علما ولا برهانا ولا قدرة على الصمود أمام آية واحدة أو معجم واحد، بل لم نجد منه ومن فريقه إلا أسلحة العاجزين المفلسين: تقديم البلاغات الكيدية لحذف المقاطع التي تفضح جهله، والتهديد برفع القضايا والملاحقات القانونية، ثم اليوم يستثمر حادثة جنائية وأمنية ليحرض السلطات على خصومه الفكريين، طمعا في أن يتخلص من الأصوات السنية التي فضحت دعوته للزندقة والتحريف، فتفرغ له الساحة لبث سمومه بلا محاسب ولا رقيب!
إن أول جملة كتبها يوسف أبو عواد («رحم الله الشهداء الأبرياء…») تفضحه من جهتين قاتلتين: جهة نقضه الفاضح لقاموسه الشحروري في نفي الشهادة عن قتلى المسلمين، وجهة مصادمته لآيات القرآن المحكمات!
أولا: فضيحة التناقض في مصطلح «الشهداء» (حلال لقتلى النصارى، حرام على قتلى المسلمين!):
طوال سنوات، يخرج يوسف أبو عواد ورفاقه في منصة «مجتمع» تبعا لأستاذهم محمد شحرور (في كتابه «الإسلام والإيمان» و«الكتاب والقرآن» ص 695)، ليعلنوا أن «التراث الفقهي» زوّر معنى كلمة «الشهيد والشهداء»، ويزعمون أن «الشهيد» في القرآن لا يعني المقتول أبدا، بل يعني حصرا «الشاهد الحاضر بالسمع والبصر أو العالم الخبير»!
بل في الحلقة المنشورة على قناة «مجتمع» نفسها بعنوان «الإسلام والإيمان منظومة القيم لمحمد شحرور» (الدقيقة 45:30 إلى 48:18)، وفي حلقات أبي عواد («الكتاب والقرآن ج1» الدقيقة 42:41، و«كل نفس ذائقة الموت» الدقيقة 25:16)، أعلنوا نصا أن: «الشهيد وفق التنزيل الحكيم ليس له علاقة بالقتل، وأن الفهم التراثي سلّع هذه العبارة، حتى لو كان شخص يمشي في الشارع وتأتيه طلقة يقولون عنه شهيد، وتوزع بطائق الشهداء وكارتات الغفران على مزاجك! وحتى آية: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: 69] لم ترد بمعنى القتل، بل بمعنى الشاهد على عصره»!
لو قرأنا جملتك الأولى بقاموسك الشحروري الذي تبيع به الوهم في برنامج «مفاهيم»، لصارت جملتك هكذا:
“رحم الله العلماء المشاهدين للمختبرات الذين قضوا في حادثة الكرك”!
أرأيتم حجم النفاق الفكري؟! حين يتعلق الأمر بقتلى المسلمين ومجاهديهم الذين تُقصف بيوتهم أو يُقتلون في سبيل الله، والذين قال الله فيهم: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: 140]، وفسرهم في السورة نفسها بقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]، يستكثر الشحارير عليهم اسم «الشهداء» ويسخرون منه ويسمونه «تزويرا تراثيا وكارتات غفران»؛ فإذا تعلق الأمر بقتلى النصارى، خلع أبو عواد قاموسه الشحروري عند باب الكنيسة ووزع عليهم بطاقات «الشهداء» التراثية بلا خجل ولا حياء!
ثانيا: المحاكمة إلى آيات القرآن المحكمات (الفرق بين حرمة الغدر في الدنيا وحكم الآخرة):
إن الإسلام يفرق بنور الوحي بين مقامين لا يخلط بينهما إلا جاهل أو مدلس:
الأول: عصمة الدماء وحرمة الغدر بالمستأمنين وأهل الذمة والعهود في الدنيا؛ وهذا محرم قطعا في القرآن: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: 33]، ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: 8]، وتصدقه السنة الصحيحة في البخاري التي ينكرها أبو عواد: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة»!
والثاني: حكم الآخرة والترحم والاستغفار وإطلاق وصف «الشهداء»؛ فهذا حكم عقدي أخروي قطع الله فيه بأن الرحمة الأخروية والجنة والشهادة خاصة بأهل التوحيد والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: 113]، وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: 73]، وقال عز وجل: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]، وقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: 156-157]؛ فبينما حرم الإسلام الغدر في الدنيا وخص الرحمة الأخروية والشهادة بأهل التوحيد، عكس أبو عواد الأمرين معا: فوزع صكوك الشهادة والترحم على من مات على غير التوحيد، وحرض في الوقت نفسه على ظلم المؤمنين الموحدين!
ثالثا: سقوط قناع «كف الأذى» والتحريض الفرعوني على «من يتابعهم الملايين»:
لم يكتب أبو عواد منشوره حزنا على الدماء، بل ليدس في سطره الثالث غايته الحقيقية بالتحريض على «مستشيخين يتابعهم الملايين عبر وسائل التواصل الاجتماعي»؛ سالكا مسلك كل المبطلين الذين إذا عجزوا عن الحجة استعدوا السلطان على أهل الحق واتهموهم بالإفساد في الأرض: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 127]!
والفضيحة الأخلاقية أن يوسف أبو عواد نفسه هو القائل بلسانه في حلقات «مجتمع»: «الدين الذي شرعه الله هو كف الأذى عن الغير، ولا يحق لك أن تدين أي شخص إلا إذا آذى غيره»! فإذا كان الدين عندك هو «كف الأذى» وعدم إدانة المخالف الفكري، فما تسمي تحريضك الأمني العلني على العلماء والدعاة وأصحاب الصفحات المليونية الذين لم يقتلوا أحدا ولم يحرضوا على قتل أحد، وإنما ردوا على خرافاتك بالحجة والقرآن؟!
وأي أذى أشد من البهتان الذي قال الله فيه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58]؟! لقد انكشف المستور: فـ«التسامح وكف الأذى» عند الشحارير خاص بمن يطعن في القرآن والسنة؛ أما الدعاة الذين يدافعون عن الوحي ويتابعهم الملايين، فهؤلاء في شريعة أبي عواد يجب استئصالهم بالبلاغات والقضايا والوشاية الأمنية!
فإن قال أبو عواد: «أنا لم أقصد الذين يردون علي، بل قصدت المتطرفين الذين يحرضون على القتل»!
قلنا له: كذبت بقرينة لفظك نفسه؛ فالمتطرفون التكفيريون الخوارج الذين يستحلون الدماء المعصومة منبوذون مطاردون لا يملكون صفحات علنية «يتابعها الملايين عبر وسائل التواصل الاجتماعي»، وإنما الذي يتابعه الملايين علنا هم علماء أهل السنة ودعاتهم ومنصات الذب عن الكتاب والسنة الذين قضوا مضجعك وكسروا شوكتك وفضحوا بضاعتك؛ وأهل السنة هم أول من حارب الغلو والخوارج بعلم الكتاب والسنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في وصف الخوارج في الصحيحين: «يدعون أهل الأوثان ويقتلون أهل الإسلام»!
وإن كنت تملك دليل إدانة ضدهم فأخرجه بدلا من التحريض والوشاية! هات لنا مقطعا واحدا، أو منشورا واحدا، أو جملة واحدة لأولئك العلماء والدعاة وأصحاب الصفحات المليونية الذين غمزتهم في منشورك، يدعون فيها إلى قتل الأبرياء أو الغدر بالمستأمنين أو نقض العهود! إن كانت لديك بينة واحدة فأبرِزها للناس بالصوت والصورة والتاريخ: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 111]؛ أما أن تلقي التهم الجنائية الجزافية بلا دليل ولا برهان لتنتقم ممن هزموك في ميدان الحجة والعلم، فهذا صنيع المفلس الكذاب الذي قال الله في أمثاله: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: 13]!
بل الحقيقة الساطعة أن يوسف أبو عواد ومنصته ومنهجهم الشحروري نفسه هو أحد أخطر المصانع التي تفرخ الغلو والتطرف في واقعنا المعاصر، وأنهم هم الشركاء الفعليون في صناعة التطرف من أربعة أوجه قاطعة:
الأول: أن العلماء الثقات والدعاة الربانيين هم صمام الأمان الحقيقي للمجتمعات؛ فهم الذين يضبطون عاطفة الشباب بضوابط الفقه وأصول الشريعة، ويعلمونهم حرمة الدماء المعصومة وعقود الأمان والذمة، ويبينون لهم أن إقامة الأحكام والحدود منوطة بسلطان الدولة والقضاء لا بفوضى الأفراد. فإذا جاء يوسف أبو عواد وجماعته فشككوا الشباب في العلماء الثقات، وسموهم «كهنوتا ومستشيخين»، وصرفوا الناس عن مجالس العلم الموثوقة؛ فإنهم يفرغون الساحة من المرجعية العلمية العاصمة، ويتركون الشباب الحائر فريسة سهلة في أحضان دعاة الغلو والتكفير وأهل الضلال الذين يصطادون في غياب العلماء!
الثاني: أن القاعدة المنهجية التي يؤسسها أبو عواد والشحارير في عقول الشباب هي عين القاعدة التي تفرخ الخوارج والغلاة! فما هي أصل فتنة الخوارج منذ «ذي الخويصرة» وحروراء إلى جماعات الغلو المعاصرة؟ أصلها هو «عزل القرآن عن السنة النبوية المفسرة له وعن فهم الصحابة وأصول الفقه، وتفسير آيات المصحف بالهوى الشخصي وبترها من سياقاتها»! فإذا خرج أبو عواد كل يوم ليقول للشاب: «لا ترجع إلى السنة النبوية، ولا تعترف بأصول الفقه ولا بإجماع العلماء، وافهم القرآن برأيك المباشر»؛ فما الذي يمنع خارجيا متطرفا من أن يأخذ قاعدة أبي عواد هذه بحذافيرها، فيقتطع آية قتال من سياقها كما يقتطع أبو عواد آيات الأحكام من سياقها، ويرفض أحاديث البخاري التي تحرم قتل المعاهدين والذميين لأن أبا عواد علمه أن البخاري أسطورة، ثم يستحل الدماء باسم «قراءته المباشرة للقرآن بلا سنة ولا فقهاء»؟!
الثالث: أن قيام الشحارير بهدم تاريخ الإسلام كله، وتخوين الصحابة الكرام، وتصوير التراث الإسلامي على أنه تاريخ دموي مزور؛ يولد في نفوس الشباب أزمة هوية طاحنة وارتدادا نفسيا عنيفا، يدفع فريقا منهم إلى الإلحاد والانسلاخ، ويدفع فريقا آخر في ردة فعل عكسية هوجاء إلى أحضان جماعات الغلو والتطرف التي تتاجر بالغيرة الدينية في غياب الضابط العلمي الرصين!
الرابع: أن الغلاة الخوارج والشحارير المنحلين وجهان لعملة واحدة، يتخادمان معا لضرب الإسلام السني المعتدل؛ فكلاهما يطعن في علماء الأمة الثقات، وكلاهما يهدم حجية السنة والإجماع وأصول الفقه، وكلاهما يبتر آيات القرآن من سياقها، هذا ليبيح الدماء المعصومة، وذاك ليبيح الفواحش والمحرمات ويحرض على الدعاة والمصلحين، ليحاصروا معا أمة الإسلام الوسط التي قال الله فيها: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]!
عجبا لهؤلاء القوم! ألم يكفهم الدعم الإماراتي السخي عبر منصة «مجتمع» وأخواتها، والامتيازات المالية والإعلامية المفتوحة لهم، ورضا الدوائر الغربية عنهم منذ تزكية مؤسسة «راند» لأستاذهم شحرور، والحرية المطلقة الممنوحة لهم لهدم ثوابت الإسلام في الفضائيات والمنصات؟! كل هذا لم يشبع نهمهم، بل يريدون فوق ذلك كتم كل صوت منافس يفضح كيدهم ويعري أميتهم أمام الأمة!
فلا البلاغات الكيدية ستحميك يا أبا عواد، ولا التهديد بالقضايا سينقذك، ولا المتاجرة بالدماء والتحريض على العلماء وأصحاب الصفحات المليونية سيستر عوارك؛ فالحجة القرآنية ماضية في كشف كل حرف تحرفه: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 18].




