يقول شخص إنما يخشى الله من عباده العلماء يقصد بها علماء العلم التجريبي وليس علماء الدين، وأصلا لا جود لعلماء الدين؟
هذا الطرح الذي يزعم أن الآية ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ نزلت في علماء الفيزياء والأحياء فقط، ثم يبني على ذلك نتيجة فاسدة وهي “لا وجود لعلماء الدين”، هو من أشهر مغالطات القراءة المعاصرة والشحرورية.
تأمل -أرشدك الله- في هذا الطرح المتهافت الذي تُروّجه عصابات “القراءة المعاصرة” وأذناب “الشحرورية”؛ حين يزعمون أن قوله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ إنما نزل في علماء الفيزياء والأحياء وعلوم المادة حصراً، ليبنوا على هذه المقدمة الفاسدة نتيجةً أشد فساداً، وهي الزعم بأنه: “لا وجود لشيء اسمه علماء دين”!
إن هذه الشبهة ليست سوى حيلةٍ عاجزة، ومراوغة مكشوفة تعتمد على “الاستقطاع السياقي” و”العبث بالمصطلحات”؛ وغايتها الخبيثة إقصاء الراسخين في فهم الوحي، ليخلو لهم الجو، فيُنصّبوا أنفسهم مرجعياتٍ بديلةً تعبث بكتاب الله بلا حسيب ولا رقيب.
ولنسف هذا التلاعب البائس، دعنا نفكك شبهتهم تحت مجهر الوحي وصريح العقل:
أولاً: المعنى القرآني لآية الخشية
لقد تعلق هؤلاء بأوهى من بيت العنكبوت؛ فزعموا أن الآية الكريمة في سورة فاطر قد سُبقت بآياتٍ تتحدث عن المطر، والنبات، والجبال، واختلاف ألوان الدواب والأنعام (وهي مجالات العلم التجريبي)، فاستنتجوا بجهلهم أن “العلماء” هنا هم علماء الكونيات حصراً. وهذا لعمري حقٌ أُريد به أبطل الباطل! فالآية الكريمة لم تقل: “إنما يعرف الكون العلماء”، بل جعلت المعيار والغاية هي: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ﴾. فالعبرة بالثمرة المقطوفة، ألا وهي “الخشية”.
فهل عالم الفيزياء أو الأحياء الملحد، الذي يُفني عمره في دراسة الجبال والحيوانات وهو جاحدٌ لخالقه، داخلٌ في هذه الآية؟! قطعاً لا، لأنه فاقدٌ لخشية الله. فالعلم المحمود هنا هو كل “ما أورث خشية الله ومعرفته”، سواء كان طريق هذه المعرفة التفكر في آيات الله الكونية (المخلوقات)، أو التأمل في آياته الشرعية (الوحي).
ثانياً: الأنبياء هم سادة العلماء المذكورين
ثم ألقِ عليهم هذا الإلزام المفحم: إذا كان لفظ “العلماء” في كتاب الله محصوراً في أصحاب العلم التجريبي الدنيوي، فهل كان محمد ﷺ، وإبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم السلام علماء في الكيمياء والذرة والفيزياء؟! أم كانوا أعلم أهل الأرض بالله وأخشاهم له بوحيه ورسالته؟! وقد قطع النبي ﷺ هذا النزاع بقوله الصريح: «أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً». فالعلم بالله وبأسمائه وصفاته وشرعه هو أصل العلم وأسّه الذي يُورث الخشية.
ثم وجه بصرك إلى هؤلاء الذين يرددون هذه الشبهة في الفضائيات ومواقع التواصل؛ هل تجد فيهم عالماً واحداً في الفيزياء أو الأحياء أو الفلك؟! كلا ورب الكعبة، بل هم ثلةٌ من المأجورين لحساب مؤسساتٍ تتغذى بأموال أعداء الملة، ولن تجد في صفوفهم عالماً تجريبياً واحداً يخشى الله!
ثالثاً: نسف أكذوبة “لا وجود لعلماء الدين”
إن الادعاء بانتفاء وجود متخصصين في الشريعة (علماء دين) هو تكذيبٌ مباشر، ومصادمةٌ صريحة لآياتٍ محكمات تتلى من كتاب الله، نصت نصاً قاطعاً على حتمية التخصص في فهم الوحي:
فقف عند آية “التفقه في الدين” حيث يقول الجبار: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. فالقرآن ينص بوضوح جليّ على انقسام المجتمع إلى مجموعات، ويأمر بتفرغ طائفة لـ “التفقه في الدين” (لا في الطب ولا في الهندسة) ليعلموا غيرهم؛ فكيف تزعمون ألا وجود لهم والقرآن يأمر بإيجادهم؟!
وتأمل آية “أهل الذكر”: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. والذكر هو الوحي ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾؛ وأهله هم المتخصصون في حفظه وفهمه وبيانه. فالقرآن يقرر قاعدة التخصص، فمن لا يعلم يسأل من يعلم، وإسقاط هؤلاء هو هدمٌ للأمر القرآني.
وتدبر آية “الاستنباط”: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. والاستنباط هو الغوص لاستخراج المعاني والأحكام الدقيقة وتنزيلها على الوقائع، وهذا ما لا يطيقه العوام ولا علماء الذرة، بل ينهض به الراسخون في الشريعة.
ثم توّج ذلك بآية “الشهادة بالتوحيد”: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾. فهؤلاء الذين قُرنت شهادتهم بشهادة الله وملائكته على أعظم قضية في الوجود، هم سادة من عرفوا الله بأدلته الشرعية والكونية، وعلى رأسهم الأنبياء ثم ورثتهم من علماء الشريعة.
رابعاً: تفكيك الجذر الخفي للشبهة
ولك أن تسأل: لماذا يستميت الشحروري والحداثي في نفي وجود “علماء الدين”؟ الجواب: إنهم يلوّحون بفزاعةٍ غربية مستوردة اسمها “الكهنوت”.
ونحن -بفضل الله كمسلمين- نتفق أنه لا وجود في الإسلام لواسطةٍ بين العبد وربه، ولا يملك عالمٌ صكوك غفرانٍ ولا مفاتيح جنةٍ ونار. لكن القوم يخلطون بخبثٍ ومكر بين “الكهنوت المذموم”، وبين “التخصص العلمي المحمود” الذي تستقيم به حياة البشر!
فبالله عليك! إذا ألمّ بك مرضٌ فزعت إلى (عالمٍ بالطب)، وإذا رمت بناء دارٍ لجأت إلى (عالمٍ بالهندسة)؛ أفيُعقل أن يكون لأجسادنا متخصصون، وللطين والحجر متخصصون، ثم يُترك كلام الخالق العظيم، وسنة نبيه الكريم، وعلوم اللغة والقراءات والحديث وأصول الفقه، نهباً مستباحاً لكل من هب ودب، ليخوض فيه بلا خطامٍ ولا زمام ولا قواعد؟!
خامساً: النتيجة العملية لمشروعهم الهدام
إنهم حين يرفعون عقيرتهم قائلين: “لا يوجد علماء دين”، فوالله ما أرادوا رفع شأن علماء الفيزياء؛ بل غايتهم الماكرة عزل القرآن الكريم عن فهم الصحابة والتابعين وعلماء اللغة والتفسير والحديث، لكي يقفز القارئ المعاصر (كشحرور وأضرابه) ليعبث بالدين؛ فيفسر “الصلاة” بأنها مجرد صلة روحية، و”الزكاة” بأنها ضريبة مدنية، و”الحجاب” بأنه عادة تاريخية بالية، و”الخمر” بأنه مشروب حلال ما لم يبلغ شاربه حد السكر!
وختاماً أيها الموفق: إن من زعم أن القرآن لا يعترف بعلماء الشريعة، فقد كذّب آيات التفقه، وسؤال أهل الذكر، والاستنباط. فالقرآن يُجلّ العلم الكوني الذي يورث الخشية، ويعظم العلم الشرعي الذي يحفظ الوحي.
وما إقصاء علماء الدين في شرعة هؤلاء إلا خطوةٌ خبيثةٌ لتفريغ القرآن من مقاصده، وتعبيد الناس لأهواء القراء المعاصرين تحت لافتة “التدبر الحر”. فاحذروا دعاتهم، واكفروا بكهنوتهم المعاصر الذي يريد أن ينسف دينكم باسم العقل!




