تقول إحدى الأخوات: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عندما يرفض الاب صله بنته لمحارمها هل يجب عليها طاعته ام ان تصلهم عادي دون اخباره هل هو حرام خروجها دون اخبارهم ام لا؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
عجيبٌ أمرُ هذه الدنيا، تُحيرنا أحيانًا بين بابين من أبواب الجنة: برّ الأب، وصلة الرحم!
وكأن المؤمن يمشي على حد السيف، يخاف أن يميل هنا فيقع في العقوق، أو يميل هناك فيقع في القطيعة.
اسمعي أيتها الكريمة، الشريعة التي أمرتكِ ببرّ أبيكِ هي ذاتها التي أمرتكِ بصلة رحمكِ، والشرع لا يتناقض، بل يضع لكل حقٍّ ميزانًا.
اعلمي أولًا أن قطيعة الرحم معصيةٌ كبرى، والقاعدة المحكمة: “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق” (رواه البخاري ومسلم).
فإذا أمركِ أبوكِ بقطع محارمكِ بالكلية، فلا طاعة له في القطيعة؛ لأن حق الله في الصلة مقدَّم. ولكن، كيف تصلينهم دون أن تقعي في إثم العقوق ومخالفة أمر والدك؟
هنا يأتي التفريق الدقيق بين الصلة، وبين الخروج من البيت: خروج البنت من بيت أبيها خفيةً وبدون علمه بابُ شرٍّ وفتنة لا يُقرّه شرعٌ ولا عقل، والأب له ولايةٌ وقوامةٌ على بيته، وطاعته في عدم الخروج من البيت إلا بإذنه واجبة. فإن منعكِ من زيارتهم بدنيًا، فأطيعيه ولا تخرجي.
أما صلة الرحم في زماننا، فلا تُشترط فيها الزيارة بالبدن، بل تحصل بالسؤال عبر الهاتف، والمراسلة، والكلمة الطيبة، والاطمئنان على أحوالهم.
وتواصلكِ معهم بهذه الوسائل من وراء علم أبيكِ ليس عقوقًا ولا حرامًا، بل هو الحكمة بعينها؛ تُرضين ربكِ بصلة رحمك، وتدفعين غضب أبيكِ بستر الأمر عنه. وكتمانُ ما يُهيّج المشاكل في البيت ليس من الكذب المذموم، بل هو سياسةٌ شرعية لحفظ الود ودفع الشقاق.
الأب يا أختي كالسقف يحمي البيت، والرحم كالجذور التي تمتد في الأرض؛ فلا تهدمي السقف لتسقي الجذور، بل اسقيها بماءٍ خفيٍّ لا يضر السقف. ولا تنسي أن الأب قد يمنع لعلةٍ يراها، أو أذى يخشاه، أو خلافٍ قديم أثقل صدره؛ فاحفظي مقامه، ولا تواجهيه بالعناد.
من أطاع الله في الخفاء، كفاه الله مؤونة الجهر. أسأل الله أن يجمع شملكم، ويُلين قلب أبيكِ، ويفتح لكِ أبواب البر حيثما وُجهتِ.




