دخل عليّ أحدهم متشنجاً، ليواجهني باعتراضٍ ظنه قاطعاً؛ قال: «لماذا تُخوّفون الناس وتملؤون صدورهم بالرعب؟ الدكتور الفايد قال صراحةً إنه لا يوجد دليلٌ واحد على عذاب القبر في كتاب الله، فلماذا تصرون على تخويفنا من أمرٍ لا نجده في القرآن؟».
نظرتُ في سؤاله، فلم أرَ فيه طالباً للحق بقدر ما رأيتُ ضحيةً جديدة من ضحايا ضجيج هذا الفاسد!
ولأن هذا النقاش كان نموذجاً مكرراً لشبهةٍ خبيثة بات يرددها هؤلاء كالببغاوات في كل مجلس ومنصة، آثرتُ أن أجمع ردي عليه في هذا المقال الطويل؛ بعد أن أعدتُ صياغته وبناءَه بأسلوبٍ بلاغيٍّ وبيانيٍّ رصين، يجمع بين قوة الاستدلال القرآني، وصرامة الإلزام العقلي، ودفء الموعظة المنصفة؛ ليكون تذكرةً للغافل، وعاصماً للمسترشد، وبياناً شافياً يكشف زيفَ من اتخذوا القرآنَ حجاباً لردّ بيانه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
وقد ابتدأتُ خطابي معه بمحاكمة هذا المنطق المعكوس، فقلتُ له: تقول مستنكراً: «لماذا تُخوّفون الناس؟» وكأن الذي يُحذّرك من الهلكة قد أساء إليك!
عجباً لمن يُنبّهه الطبيبُ الحاذق إلى موطن الداء ويُحذّره من عاقبة السم فيرميه بالقسوة، بينما يرى فيمن يُهوّن عليه الخطر ويُسكّت ألمه صديقاً رحيماً!
الذي يُخوّفك اليوم لتنال الأمان غداً، خيرٌ لك ممن يمنحك أماناً كاذباً لتلقى العطب غداً؛ وكتابُ الله الذي تدعو إلى لزومه لم ينزل بشارةً محضةً تُعطّل جانب الحذر وتُسكّن القلوب على التقصير، بل نزل بميزان العدل: بشيراً لأهل الإيمان والطاعة بالجنة والرضوان، ونذيراً لأهل الكفر والعناد بالنار والخسران، وموقظاً لأهل الغفلة والعصيان من سوء المآل؛ غير أن النفسَ إذا غلبها الهوى وأرادت الإقامةَ على ذنبها بلا كدر، استثقلت صوتَ النذير وسمّت النصيحةَ «تخويفاً».
وقد وصف الله تنزيله فقال: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾.
فلا تحسبن هذا الإنذارَ الذي تضيق به تهمةً نتبرأ منها؛ ولا تظنن -في المقابل- أن القرآن نزل لمجرد التخويف وبث الرهبة، فحاشا لكتاب ربنا ذلك؛ بل أصلُ التنزيل وغايتُه الكبرى أنه كتابُ هدى، ورحمة، ونور، وشفاء لما في الصدور.
وإنما كان «التخويف» في كتاب الله وسيلةً لا غاية، ودواءً يُستعمل لإيقاظ القلوب لا أصلاً تُحبس فيه النفوس؛ افتح المصحف لترى أن الله جل جلاله لم يُخوّف عباده ليعنتهم أو ييئسهم، بل تولى تخويفهم في مواضع الوعيد إشفاقاً عليهم، ليسوقهم بسوط الحذر إلى رحاب رحمته وجنته.
اقرأ قوله تعالى بعد أن بسط مشاهد الوعيد: ﴿ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ۚ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾؛ فسمّاه سبحانه «تخويفاً» بصريح اللفظ، وجعله جسراً موصلاً إلى تقواه؛ فكيف يستنكر مسلمٌ ما سمّاه الله به في محكم التنزيل؟
واقرأ قوله جل شأنه: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾، وقوله في كشف عاقبة المعاندين: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾.
إن التخويف في القرآن دواءٌ يوقظ الغافلَ عن رقدته قبل أن تزلّ به القدم؛ وقاعدةُ النجاة قائمةٌ على أن من خاف مقامَ ربه في دار التكليف، فاز بالأمان يوم الفزع الأكبر، ومن عاش مسترسلاً في أمان الغفلة، تداركته الحسرة حين لا ينفع الندم.
واستحضر قول ربك العظيم: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾؛ فكيف يرجو العبدُ فوزَ الجنتين وهو يفرُّ من الخوف المحمود الذي جعله الله شرطاً لبلوغهما وباباً لرضوانه؟
وقد زعمتَ، تَبَعًا لمن تقرأ لهم أو تشاهد مقاطعهم -أمثال المدعو محمد الفايد وغيره- أن عذاب القبر ونعيمه لا أصل لهما في كتاب الله. واعلم أن هذا المتبوع الذي يقطعك عن سنة نبيك، ما هو بفايدٍ لك، بل فاسد الفكر والمعتقد، ويريد أن يوردك المهالك! وهذا زعم من قرأ القرآن بعين هواه، لا بعين الباحث عن هداه. ألستَ تحتج بالقرآن وحده؟ فافتح المصحف، واقرأ كلام الله بلا وساطة أحد.
اقرأ قوله تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. تأمل هذه الآية بمحضِ عقلك الذي تتبجح به، ما دمتَ قد عطّلتَ بصيرتك، ونبذتَ وراء ظهرك ما سارت عليه أمةُ الإسلام وأجمع عليه سلفُها طوال أربعة عشر قرناً؛ فالنصُّ القرآني الصريح كافٍ لنسف مذهبك بالعقل والمنطق المجرد.
الآية فرّقت بوضوحٍ لا يقبل التأويل بين عذابين متمايزين في زمنين مختلفين: عذابٌ أول: هو «عرضٌ على النار غدواً وعشياً»، وعذابٌ ثانٍ: هو «إدخالٌ في أشد العذاب» حين تقوم القيامة.
فسلْ عقلك الصريح الذي تحتكم إليه: متى يقع هذا العرضُ المستمر الذي يسبق قيامَ الساعة؟
أفي دار الدنيا التي فارقوها وبادوا فيها غرقاً، أم في حياة «البرزخ» التي تكابر وتُنكر عذابَها؟
فإن لم يكن البرزخ، فدلّنا على زمنٍ ثالثٍ بين موتهم وبين قيام الساعة، وإلا فأنت تكذّب صريحَ ما تنطق به الآية.
واقرأ قوله جل شأنه في المنافقين: ﴿سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾، لتقف على التقسيم القرآني الدقيق الذي لا يدع مجالاً للمكابرة؛ فعذابٌ أول في الدنيا بالخزي والغم، وعذابٌ ثانٍ في ظلمات البرزخ، ثم جاءت «ثم» التي تفيد التراخي لتفصل بين عذاب القبر وبين ردهم إلى العذاب العظيم يوم القيامة. فما هو العذاب الثاني الذي يسبق البعث إن لم يكن عذاب البرزخ؟!
وتأمل كذلك ما حلّ بقوم نوح إذ قال سبحانه: ﴿مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾؛ حيث جاءت «فاء التعقيب» في لسان العرب لتفيد السرعة والمباشرة، وتخبرك أن النار تلقّفت أرواحهم فور غرقهم في الماء دون تراخٍ زمني، وقبل قيام الحساب الأكبر في الآخرة؛ فأين تذهب بهذا البيان القرآني الجلي، وكيف تعطل دلالات لغة التنزيل المحكمة لتنكر ما نطقت به الآيات صراحة؟
وافتح عينيك على مشهد الاحتضار وقبض الأرواح في سورة الأنعام، حيث يقول الله تعالى كاشفاً حقيقة ما يجري للظالمين عند الموت: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾؛ تأمل دلالة كلمة «اليوم» في لسان العرب؛ فالملائكة تبسط أيديها بالضرب والإهانة وتقول للمحتضر الظالم لحظة نزع روحه: «اليوم تُجزون عذاب الهون»، وظرف الزمان «اليوم» صريحٌ في وقوع العذاب فور خروج الروح، لا بعد آلاف أو ملايين السنين عند قيام الساعة ونفخ الصور؛ فهل يُعقل أن تخاطبهم الملائكة بعذابٍ يقع «اليوم» ثم يُرجأ هذا العذاب إلى يوم القيامة؟ بل هو عذاب البرزخ الذي يبدأ في ذلك اليوم المشهود.
ثم اقرأ قوله سبحانه في سورة الطور، بعد أن أنذر الكفار بيوم القيامة وأهواله فقال: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ * وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَٰلِكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ فتأمل هذا اللفظ القرآني الحاسم: «عذاباً دُونَ ذلك»؛ و«دون» في لغة التنزيل تعني العذاب الذي يسبق ذلك اليوم الأكبر ويكون قبله، فما هو هذا العذاب الذي أعده الله للظالمين قبل يوم القيامة إن لم يكن عذاب البرزخ في قبورهم؟ ولهذا فسرها حَبْرُ الأمة عبد الله بن عباس وجماهير المفسرين من السلف بأنه عذاب القبر؛ لأن النص صريح في إثبات عذابٍ يقع «دون» عذاب الساعة، أي يسبقه في الزمان والرتبة.
وانظر إلى سورة الواقعة كيف فَصّلت مصائر الخلق تفصيلاً قاطعاً عند لحظة خروج الروح: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾، ثم بيّن الله سبحانه ما يلقاه المحتضر فور تلك اللحظة؛ فإن كان من المقربين فله «رَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ»، وإن كان من أهل التكذيب: ﴿فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾؛ والـ «نُزُل» في لسان العرب هو أول ما يُستقبل به النزيل فور وصوله، فجعل الله للمكذبين نزلاً من حميمٍ يبدأ فور بلوغ الروح الحلقوم ودخولها عالم البرزخ، تمهيداً لـ «تصلية الجحيم» الكبرى يوم الحساب الأكبر؛ فهل تكون هذه الضيافة من العذاب في عدمٍ مطلق، أم في حياة البرزخ التي يُكابر فيها متبوعك الفايد وأضرابه من أصحاب الأهواء؟
واعلم -رحمك الله وشرح صدرك بنور الهداية- أننا ما بسطنا لك هذه الآيات لتستوحش من ربك أو يمتلئ قلبك قنوطاً؛ فحاشا لله أن يكون البرزخُ سياطاً للعذاب المحض، بل كما جعل الله في القبر هواناً ونكالاً لأهل الظلم والتكذيب، فإنه سبحانه قد أعدّ فيه لأهل الإيمان والصدق نعيماً موصولاً، وفسحةً من النور، وسلاماً يغمر الروح بأعظم مما تتخيله العقول.
إن المؤمن الذي عَمَر قلبه بتعظيم الله ولزوم طاعته، لا يلقى في البرزخ إلا الرأفة والكرامة؛ فيكون قبره روضةً من رياض الجنة، ينال فيها الراحةَ الكبرى من عناء الدنيا وأوصابها، ويبيت على فرش الكرامة تحفّه نسائم الرضوان، محاطاً ببشارة ملائكة الرحمة التي تطمئنه عند فراق الدنيا: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
فما سُقنا إليك نذيرَ الوعيد إلا لتتقيه فتنجو منه، ولتكون من أهل ذلك النعيم الوارف؛ فإن رحمة الله سبقت غضبه، ومن أقبل عليه بقلبٍ سليم، وجد رباً كريماً رحيماً، يبسط يده بالرحمة، ويجعل أولَ منازل الآخرة للمؤمنين برداً وسلاماً وبدايةً لفرحٍ لا ينقطع أبداً.
ومن أنكر عذابَ القبر، لزمه بالضرورة أن يُنكر نعيمَه وبشارته؛ فيحرم نفسه من رجاء هذا الفضل العظيم والكرامة السابغة في أول منازل الآخرة، ويُصيّر البرزخَ عدماً بارداً وظلاماً موحشاً، مخالفاً بذلك ما نطق به صريحُ التنزيل وما اطمأنت إليه قلوبُ المؤمنين عبر القرون. وما أوقع هؤلاء في هذا الإنكار الشنيع إلا ردُّهم للسنة النبوية المطهرة التي فصّلت مشاهدَ هذا النعيم وحقائقَ ذلك العذاب؛ فظنوا بجهلهم أنهم بالاكتفاء بظواهر أفهامهم للقرآن يستغنون عن مبيّنه المعصوم ﷺ، فوقعوا في التناقض والاضطراب؛ إذ كيف يُفهم كتابُ الله بمعزلٍ عمن أُنزل عليه؟
ثم اعلم أن الربَّ الذي أنزل هذا الكتاب، هو القائل لرسوله المصطفى ﷺ: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾؛ فجعل للنبي وظيفةً تشريعيةً جليلة سمّاها «التبيين»، وهي رتبةٌ زائدة على مجرد البلاغ ونقل الألفاظ؛ فلو كان القرآن مستغنياً بنفسه عن الشرح والتفصيل، ومستقلاً عن البيان النبوي، لكان جعلُ الرسول مُبيِّناً له لغواً يتنزه عنه كلام الحكيم العليم.
وقد مارس النبي ﷺ هذا البيان النبوي بأجلى صوره؛ ففصّل مجملات الشريعة، وشرح أحكامها، وبيّن أحوالَ البرزخ ونعيمَ القبر وعذابه بأحاديث متواترة مقطوعٍ بصحتها، وكان يقرن هذا البيان النبوي بالعمل المتصل، فيستعيذ من عذاب القبر دبرَ كل صلاة يُصليها بالمسلمين.
وههنا أسألك سؤالاً عملياً يقطع دابر المكابرة: أنت تصلي الظهر أربعاً والمغرب ثلاثاً، وتُخرج زكاتك بنصابٍ معلوم، وتركع وتسجد بهيئةٍ مخصوصة، فمن أين جئت بتفصيل ذلك كله وهو غير مذكورٍ في القرآن؟
لا مهرب لك من الإقرار بأنك أخذته من النقل المتواتر عن الصحابة الذين حفظوا تفاصيل الصلاة والبيان النبوي ونقلوه للأمة. والمفارقةُ الفاضحة التي تسحق مذهبك: أن أولئك العدول الذين نقلوا لك عددَ الركعات وهيئةَ الركوع والسجود وتفاصيلَ حركات الصلاة خطوةً بخطوة، هم أنفسهم بأعيانهم وأسانيدهم الذين نقلوا لك أن النبي ﷺ كان يدعو في آخر تلك الصلاة بعينها قائلاً: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر»؛ فبأيِّ ميزانٍ تقبل نقلهم العملي في «حركات الصلاة» المجردة، وتردُّ نقلهم الصريح في «دعاء الصلاة» وطلب النجاة من عذاب البرزخ؟ أفتأخذ حركاتِ البدن وتترك حقيقةَ المناجاة وما نطق به لسانُ المعصوم في الموقف نفسه؟ إن هذا تحكّمٌ بالهوى؛ فإما أن تقبل البيان النبوي كله فتؤمن بعذاب القبر وتستعيذ منه كما صلى رسول الله ﷺ، وإما أن ترده كله فتعجز عن أداء ركعةٍ واحدة على وجهها الذي فرضه الله.
فإن راوغتَ وهربتَ من هذا الإلزام العقلي وقلتَ -مقتفياً أثرَ متبوعك الفايد في التزهيد في شعائر الإسلام والتنفير من أركانه-: «أنا لا ألتزم بهذه الصلاة أصلاً ولا أصليها»، فقد أهويتَ بنفسك في دركٍ أشنع وأعظم ضلالاً؛ إذ كيف تدّعي تعظيمَ القرآن وأنت تضرب بأعظم فرائضه عُرض الحائط؟!
إن كتابَ الله الذي تزعم الاكتفاءَ به قد أمر بالصلاة في أكثر من ثمانين موضعاً، وقرنها بالإيمان في محكم التنزيل فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾، وجعل تركَها أولَ أسباب سَوق المجرمين إلى النار إذ يقول في محكم آياته: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾.
فأيُّ إسلامٍ تدّعيه وأنت لا تركع لله ركعة؟ وأيُّ اتباعٍ للقرآن تزعمه وأنت تُسقط عمودَ الدين الذي تواتر في آياته؟
إنك بهذا المسلك المشؤوم لم تتبع السنةَ ولم تتبع القرآن، بل نبذتَ الوحيين معاً وراء ظهرك، واتبعتَ هواك وشبهاتِ رجلٍ خاض في دين الله بجهلٍ فاضح فأوردك المهالك؛ فلا أنت ظفرتَ بنور الاتباع، ولا سلمتَ من وعيد سقر.
واعلم أن ما يجري على الألسنة من قول منسوب للنبي صلى الله عليه وسلم: «من مات فقد قامت قيامته»، وإن لم يصح إسنادُه حديثاً مرفوعاً، فإن معناه حقٌ ثابت في الصحيحين؛ إذ قيامة كل عبد إنما هي موته وانقطاع مهلته وبدء حسابه. وما هذه الاستماتة التي يبديها دعاتكم -كأمثال الفايد- لنفي البرزخ وإشغال الناس به، إلا حيلة نفسية مفضوحة؛ قومٌ انتكسوا وباعوا ضمائرهم لخصوم الملة، فطاردهم الرعب من قرب الحساب وكونه على مرمى نبضة واحدة تتوقف، فراحوا يغالطون ضمائرهم بإنكار الحفرة كمن يغمض عينيه عن الهاوية ظناً أنها تتلاشى. أما المؤمن الصادق فلا يفر من الحقيقة ولا يستبد به الهلع، لأنه مستمسك بحسن الظن بربه، قائم بما استطاع من أمره، يرجو فضله ويستبشر برحمته؛ وإنما يستوحش من القبر من علم من نفسه الخيانة وسوء المنقلب.
وبهذا أختم حديثي معك، فأطلب منك طلباً واحداً مشفقاً: أن تُخلّي قلبك من كِبر الجدال، وتجلس بين يدي كتاب ربك تائباً باحثاً عن النجاة، قبل أن يُغلق عليك بابُ التوبة وتلقى ما كنت به تكذّب.
إنما يتشبث بإنكار عذاب القبر ونعيمه من أسرف على نفسه بالخطايا، فاستثقل فكرةَ الحساب المباغت بعد خروج الروح، ورجا في قرارة نفسه أن يكون الموتُ عدماً بارداً ينام فيه نومةً لا استيقاظ بعدها؛ وهيهات أن تكون نهايةُ الإنسان فناءً أعمى يستوي فيه الظالمُ والمظلوم، والتقيُّ والفاجر في ترابٍ واحد بلا ميزانٍ ولا قصاص. كلا، بل الموتُ في عقيدة المسلم بوابةُ الحق والعدل الكبرى، وعتبةُ الانتقال إلى أول منازل الخلود؛ والدينُ الحق الذي حذّرك بصدقٍ من هوة العذاب في ظلمة الحفرة، هو الدينُ ذاتُه الذي شرح صدرك وبشّرك بأن روضةَ المؤمن في قبره تُفسح له مدَّ البصر، وتفيض عليه نوراً وسكينةً إلى يوم يُبعثون.
إن الصادقَ المصدوق الذي صدَقَك في أدقِّ شرائع دينك وتفاصيل دنياك، لا يمكن أن يُخبرك إلا بالحق المبين في أنباء الغيب وأحوال البرزخ؛ فبدل أن تُفني أنفاسَك المعدودة وأيامَ عمرك في مراءٍ عقيم لإنكار حقيقة القبر، بادر إلى تمهيده وفرشه بصالح العمل والتوبة الصادقة قبل أن تُسلَم إلى ضيقه وحيداً فريداً؛ فوالله متى أُدرج المعاندُ في كفنه، ووُسّد في حفرته، وانصرف عنه المشيعون، وباشر أولَ منازل الآخرة وروعها، فلن ينفعه حينئذ جدالٌ ولا لجاج، ولن يرفع عنه العذابَ أن يقول متعللاً: لم أجد ذلك في كتابي!




