Close Menu
  • الرئيسة
  • الأسئلة والشبهات
  • مقالات مختارة
  • سيرة ذاتية
  • مواقع التواصل
  • الوسائط المتعددة
  • من نحن؟
  • للتواصل والدعم
Facebook X (Twitter) Instagram YouTube WhatsApp Telegram SoundCloud
Facebook X (Twitter) Telegram
شؤون إسلاميةشؤون إسلامية
  • الرئيسة
  • الأسئلة والشبهات
  • مقالات مختارة
  • سيرة ذاتية
  • مواقع التواصل
  • الوسائط المتعددة
  • من نحن؟
  • للتواصل والدعم
شؤون إسلاميةشؤون إسلامية
الأسئلة والشبهات

الرد العلمي القاطع على أكاذيب المستشرق جولدتسيهر ومحمد شحرور حول الإمام الزهري وفبركة الأحاديث للأمويين والعباسيين

الأحد, 18 أكتوبر 202629 Mins Read

السلام عليكم.هناك مزاعم كاذبة من مستشرقين ومنصرين أن الإمام الزهري كان يختلق الأحاديث لإرضاء الخلفاء الأمويين.
وزعم الملحد الزنديق شحرور عميل مؤسسة راند أن الإسلام الذي وصل إلينا تم تزويره بأوامر الخلفاء الأمويين والخلفاء العباسيين كي يثبتوا عروشهم.
فما تفاصيل الرد العلمي بالنقل والعقل؟ شكرا

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بك أخانا الكريم أحمد، وشكر الله لك غيرتك على دين الله وسنة نبيه ﷺ وحملة الشريعة من أئمة الهدى.

من أشدّ المفارقات إضحاكًا للعقلاء في هذا العصر أن يخرج علينا مستشرقٌ كـ «إجناس جولدتسيهر» أو حداثيٌّ كـ «محمد شحرور» ليزعم أن أئمة الحديث والفقه، الذين جُلِدَت ظهورُهم بالسياط، وحُمِلوا في الأغلال والقيود، ومات بعضهم في سجون السلاطين لأنهم أبَوا أن يغيروا حرفًا من دين الله، كانوا «عملاء للبلاط الأموي والعباسي» يختلقون الأحاديث لتثبيت عروش الملوك!
والأعجب من ذلك أن الذي يرمي جبالَ الأمة الأبرار بعمالة السلاطين هو «محمد شحرور» نفسُه، الذي تَربّى مشروعُه في أحضان الأنظمة الوظيفية، وتولّى النظامُ الإماراتي وأذرعُه الإعلامية تلميعَه والإنفاقَ المليوني على برامجه التلفزيونية في قنوات «أبوظبي» و«العربية» و«سكاي نيوز» ومنصات التغريب حتى مات في أبوظبي عام 2019م، وتولّت مراكزُ الأبحاث الغربية كمؤسسة «راند» (RAND) التوصيةَ بدعم تياره، وكُتِبت له الفصولُ والكتبُ ونُشِرت باسمه لتحريف شريعة الإسلام وهو عاجزٌ على الهواء عن قراءة آيةٍ واحدةٍ من ورقةٍ مكتوبةٍ أمامه دون أن يرفع المفعول به وينصب الفاعل! ثم يأتي هذا الصنيعُ المموَّلُ المدعومُ ليقرأ من مصحفٍ نُقِّطت حروفُه في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، وضُبِطت حركاتُه وتشكيلُه في العصر العباسي، ويتكئ على معاجم لغوية دُوِّنت في ظل الخلافة العباسية، ليتهم أئمةَ القرون الأولى بالتزوير للسلاطين، صدق فيه المثل العربي السائر: «رَمَتْنِي بِدَائِهَا وَانْسَلَّتِ»!

إن هذه الشبهة المزدوجة (فرية المستشرقين والمنصّرين على الإمام ابن شهاب الزهري، وفرية محمد شحرور حول تزوير الأمويين والعباسيين للإسلام) تتهاوى من جذورها حين نضعها تحت مجهر القرآن الكريم أولًا، ثم تحت مطارق النقل التاريخي الموثق والبرهان العقلي القاطع؛ فلنفرز دعاواهم واحدةً واحدةً قبل أن نُطبق عليها بالحجة الدامغة:

1. الدعوى الأولى (فرية المستشرقين والمنصّرين على الإمام الزهري): زعمهم، تبعًا للمستشرق اليهودي المجري «إجناس جولدتسيهر» في كتابه (دراسات إسلامية)، أن إمام التابعين وحافظ عصره محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (50 إلى 124 هـ) كان يختلق الأحاديث إرضاءً لملوك بني أمية، مستندين في ذلك إلى فرْيتين:
أ. الفرية الأولى: أنه وضع للخليفة عبد الملك بن مروان حديث: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» لصرف الناس عن الحج إلى مكة المكرمة إبّان ثورة عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما!
ب. الفرية الثانية: بترهم وتحريفهم لقول الزهري: «كنا نكره كتابة العلم حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء فكتبناه، فرأينا ألا نمنعه أحدًا من المسلمين».

2. الدعوى الثانية (فرية محمد شحرور ومنكري السنة): زعمهم أن الإسلام والسنة والفقه التي وصلت إلى الأمة قد جرى تزويرها وصناعتها بأوامر الخلفاء الأمويين والعباسيين لتثبيت عروشهم، بينما يغضّون الطرف عن حقيقة مشروع شحرور نفسه الذي صُنِع ولُمِّع بأموال الأنظمة المعاصرة ودعم مراكز الأبحاث الغربية كمؤسسة «راند» (RAND) وأعداء الأمة لتحريف الإسلام من داخله.

أولًا: الحسم القرآني القاطع: هل يفرّط الله في حفظ دينه وبيان رسوله ﷺ ليصنعه الملوك؟

قبل أن نفتح كتب التاريخ والرجال، فإن هذه الفرية في حقيقتها ليست طعنًا في الإمام الزهري أو البخاري أو الشافعي فحسب، بل هي تكذيبٌ صريحٌ لعشرات الآيات القرآنية التي قطعت بحفظ الذكر وبيانه، وأوجبت طاعة الرسول ﷺ إلى قيام الساعة، وزكّت جيل الصحابة والتابعين لهم بإحسان:

1. تكفل الله بحفظ الذكر وحفظ بيانه النبوي، واستحالة تحول دين الله إلى صناعة ملوك:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، وقال سبحانه في بيان وظيفة النبي ﷺ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]، وقال عز وجل: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: 19]، وقال سبحانه: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 42]، وقال جل شأنه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 32، 33].
وحفظُ المُبَيَّن يستلزم عقلًا وشرعًا حفظَ بَيانه؛ فكيف يأمرنا الله بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت، ويحيلنا في تفصيلها على بيان رسوله ﷺ، ثم يترك ذلك البيانَ نهبًا للتزوير الأموي والعباسي أربعة عشر قرنًا؟!

2. الأمر الإلهي المطلق بطاعة الرسول ﷺ والرد إليه في كل نزاع (وهو تكليف بالمحال لو زُوِّرت سنته!):
قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]، وقال سبحانه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80]، وقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: 59]، وقال جل وعلا: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]، وقال سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: 164]، وقال: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: 113].

3. تزكية الله لجيل الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وتحريم اتباع غير سبيل المؤمنين:
الإمام الزهري وأقرانُه هم ساداتُ التابعين الذين تلقَّوا الدين مباشرةً عن أصحاب رسول الله ﷺ، وقد زكّاهم الله في كتابه إلى يوم القيامة فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التوبة: 100]، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]، وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]، وقال عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]، وقال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور: 55]، وقال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: 181].

4. القانون القرآني الصارم في التثبت والعدالة وأداء الشهادة بلا كتمان ولا خوف من سلطان:
أصلُ علم الإسناد والجرح والتعديل الذي حمل لواءه الإمام الزهري هو تطبيقٌ حرفي لأمر الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]، وقوله سبحانه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: 2]، وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282]، وقوله عز وجل: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122]، وقوله في تحريم الكتمان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159]، وقوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283]، وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187]، وقوله في وصف العلماء الربانيين الصادقين: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: 39].

ثانيًا: قراءة الآيات بقاموس شحرور وجولدتسيهر

يزعم المهندس محمد شحرور والمستشرقون أن «الإسلام والسنة والفقه التي نقلها التابعون وأئمة القرون الأولى هي دينٌ مُزَوَّرٌ صُنِع بأوامر الخلفاء الأمويين والعباسيين لتثبيت عروشهم».
فلنأخذ هذه القاعدة الشحرورية بلفظها، ولنضعها في الآيات التي وعد الله فيها بحفظ دينه وتمكينه وتزكية نقَلته، لنرى أيَّ مسخٍ مضحكٍ يصير إليه الخطاب الإلهي على مذهب شحرور:

1. في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: 100]؛ لو صحّت فرية شحرور وجولدتسيهر لصارت الآية على قاموسهم:
“والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بتزوير الدين واختلاق الأحاديث في قصور دمشق وبغداد لتثبيت عروش الملوك رضي الله عنهم ورضوا عنه”!!

2. وفي قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44] مع قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]؛ لو صحّ زعم شحرور لصارت الآية على قاموسه:
“وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس بيانًا سيموت بموتك ويستبدل به الأمويون والعباسيون دينًا مزورًا، وما آتاكم ديوان عبد الملك بن مروان والمأمون من أحاديث مختلقة فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا”!!

3. وفي قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور: 55]؛ لو صحّ هذيان شحرور لصارت الآية على قاموسه:
“وليمكنن لهم دينهم المزوَّر الذي اخترعه ملوك بني أمية وبني العباس وظلت الأمة الإسلامية مخدوعةً به أربعة عشر قرنًا حتى ظهر محمد شحرور على شاشات أبوظبي في أواخر القرن العشرين ليكتشف المؤامرة”!!

فانظروا، رحمكم الله، إلى هذه الكوميديا العقلية! إلهٌ يعِدُ بنصر دينه وإظهاره على الدين كله وحفظ ذكره وبيانه، ثم يعجز، حاشاه، عن حماية هذا الدين في أول قرنٍ من تاريخه، فيختطفه ملوكُ بني أمية وبني العباس ويزوّرون صلاته وزكاته وحجه وفقهه، ولا ينتبه أحدٌ في الأرض لهذه الخديعة الكبرى طوال 1400 سنة حتى يهبط الوحيُ على «جولدتسيهر» في بودابست وعلى «شحرور» في استوديوهات أبوظبي!
تعالى الله وتقدّس كلامُه وحكمتُه وصدقُ وعده عن هذا الهذيان والافتراء علُوًّا كبيرًا! بل الحق المبين أن الله حفظ كتابه وحفظ بيان نبيه ﷺ، وسخّر لحفظه جهابذةً من العلماء الأثبات الذين فحصوا كل حرفٍ وكل راوٍ بميزانٍ لم تعرف البشرية له مثيلًا.

ثالثًا: النقض العلمي التفصيلي (نقلًا وعقلًا) لفرية المستشرقين والمنصّرين على الإمام ابن شهاب الزهري

روّج المستشرق اليهودي المجري «إجناس جولدتسيهر» في كتابه (دراسات إسلامية)، وتلقّف عنه المنصّرون والحداثيون كالببغاوات دون تمحيص، أن الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (50 إلى 124 هـ) كان يضع الأحاديث لخدمة الخلفاء الأمويين. وقد تصدى أئمة التحقيق في العصر الحديث، وعلى رأسهم العلامة الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله في كتابه (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي)، والعلامة المحدث الدكتور محمد مصطفى الأعظمي رحمه الله في كتابه الفذ (دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه) وكتابه الإنجليزي في الرد على جولدتسيهر وشاخت، فنسفوا هذه الأسطورة الاستشراقية بسبعة براهين قاطعة:

البرهان الأول: مَن هو الإمام الزهري؟ إجماع أئمة الشرق والغرب (بمَن فيهم خصوم الأمويين!) على إمامته وورعه وحفظه:
هو أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشي الزهري المدني (50 إلى 124 هـ)، أحد أعلام التابعين الذين أدركوا عشرةً من أصحاب رسول الله ﷺ (كأنس بن مالك، وسهل بن سعد الساعدي، ومحمود بن الربيع، والسائب بن يزيد رضي الله عنهم)، وتفقه على أئمة المدينة السبعة (سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وسالم بن عبد الله بن عمر رحمهم الله).
1. قال الإمام عمرو بن دينار رحمه الله (ت 126 هـ): «ما رأيتُ أحدًا أنصَّ للحديث من الزهري، وما رأيتُ أحدًا أهونَ عليه الدرهمُ والدينارُ من الزهري؛ إن كانت الدنانير والدراهم عنده إلا بمنزلة البَعَر!» (سير أعلام النبلاء 5/335).
2. وقال الإمام مالك بن أنس رحمه الله: «بقي ابن شهاب وما له في الدنيا نظير».
3. وقال الليث بن سعد رحمه الله: «ما رأيتُ عالمًا قط أجمعَ من ابن شهاب».
4. وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: «الزهري أحسنُ الناس حديثًا وأجودُهم إسنادًا».
ولم يطعن في أمانته وصدقه عالمٌ واحدٌ من علماء الجرح والتعديل على اختلاف مذاهبهم وأقطارهم، ولو كان يضع الحديث للأمويين لفضحه علماء المدينة والعراق والحجاز الذين كانوا يعادون بني أمية!

البرهان الثاني: الفضيحة التاريخية الكبرى لجولدتسيهر في حديث «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» (استحالة السن والزمان والمكان!):
اعتمد جولدتسيهر على خبرٍ ساقطٍ بلا إسناد أورده المؤرخ الشيعي الإخباري «أحمد بن أبي يعقوب اليعقوبي» (ت 292 هـ) في تاريخه، يزعم فيه أن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، حين سيطر عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما على مكة، منع أهل الشام من الحج إلى مكة، وبنى قبة الصخرة في بيت المقدس ليطوف الناس حولها بدل الكعبة (!)، واستشهد لهم بحديث رواه له ابن شهاب الزهري: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى» (رواه البخاري 1189، ومسلم 1397).
وهذه الكذبة تنفجر في وجه جولدتسيهر واليعقوبي بحساب التواريخ المجرد:
1. استحالة السن والإقامة: وُلد الإمام الزهري سنة 50 هـ (وقيل 51 هـ، وقيل 56 هـ، وقيل 58 هـ). وبدأت خلافة عبد الله بن الزبير في مكة سنة 64 هـ، وتولى عبد الملك بن مروان الحكم في الشام سنة 65 هـ، وقُتِل ابن الزبير رضي الله عنه في مكة سنة 73 هـ.
ومعنى ذلك أن الزهري حين بدأ النزاع بين عبد الملك وابن الزبير سنة 65 هـ كان غلامًا صغيرًا عمره ما بين 7 سنوات و15 سنة، وكان مقيمًا في المدينة المنورة التي كانت خاضعةً لحكم عبد الله بن الزبير نفسه (وواليها مصعب بن الزبير ثم جابر بن الأسود بن عوف الزهري من قِبل ابن الزبير)، ولم تكن خاضعةً لعبد الملك بن مروان أصلًا! فهل يستعين خليفةُ الشام بصبيٍّ صغيرٍ يعيش في دولة عدوّه بالمدينة ليضع له حديثًا يغير به شعائر الإسلام؟!
2. تاريخ أول لقاء بين الزهري وعبد الملك بن مروان: ثبت بالقطع التاريخي (كما حققه الذهبي في سير أعلام النبلاء 5/330، وابن عساكر في تاريخ دمشق، والأعظمي في دراساته) أن الإمام الزهري لم يرحل من المدينة إلى دمشق ولم يلتقِ بعبد الملك بن مروان لأول مرة إلا نحو سنة 81 هـ أو 82 هـ؛ أي بعد مقتل عبد الله بن الزبير واستتباب حكم مكة لعبد الملك بن مروان بنحو تسع سنوات كاملة!
فنسأل كل صاحب عقل: لماذا يطلب عبد الملك بن مروان من الزهري سنة 82 هـ أن يضع له حديثًا لصرف الناس عن مكة بسبب فتنة ابن الزبير، وابنُ الزبير قد قُتِل سنة 73 هـ ومكةُ تحت سلطان عبد الملك نفسه منذ تسع سنين، وعبدُ الملك نفسُه قد حجّ إلى مكة سنة 75 هـ وولّى عليها أمراءه؟!

البرهان الثالث: نصّ الحديث نفسه ينقض فرية جولدتسيهر من داخلها:
لو كلّف المستشرقُ أو المنصّرُ نفسَه قراءةَ الحديث المؤلف من اثنتي عشرة كلمة، لرأى أنه يقول: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى»!
1. أولًا: الحديث يضع «المسجد الحرام» بمكة المكرمة في طليعة المساجد الثلاثة التي تُشَدُّ إليها الرحال! فلو كان عبد الملك يريد منع الناس من الذهاب إلى المسجد الحرام بمكة، أكان يأمر بوضع حديث يأمر بشد الرحال إلى المسجد الحرام؟!
2. ثانيًا: الحديث يتحدث عن حكم السفر للصلاة في المساجد، ولا علاقة له البتة بنسخ فريضة الحج التي كفر بالإجماع من زعم انتقالها من الكعبة إلى غيرها لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]؛ فلو أعلن عبد الملك بن مروان للناس إلغاء الحج إلى الكعبة والطواف بقبة الصخرة، لكفّره أهلُ الشام وجنودُه قبل أهل الحجاز ولأسقطوا عرشه في يومٍ واحد!

البرهان الرابع: صاعقة الأسانيد: الحديث ثابت في الصحيحين والسنن من طرق عديدة ليس فيها الزهري أصلًا!:
يوهم جولدتسيهر والمنصّرون القارئَ بأن حديث «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» قد تفرد به الزهري! والحقيقة الحديثية التي تدمغهم بالجهل أو التدليس أن هذا الحديث رواه ستة من الصحابة الكرام، وثبت في (صحيح البخاري) و(صحيح مسلم) و(موطأ مالك) و(مسند أحمد) من طرق مستقلة تمامًا لا يمرّ حرفٌ منها بابن شهاب الزهري:
1. طريق قَزَعَةَ مولى زياد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: رواه عنه عبد الملك بن عمير الكوفي، ومجالد بن سعيد، كلاهما عن قزعة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وهو مخرّج في (صحيح البخاري 1189 و1995) و(صحيح مسلم 827 و1397)؛ وليس في هذا الإسناد ابنُ شهاب الزهري لا من قريب ولا من بعيد!
2. طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وطريق محمد بن إبراهيم التيمي، وطريق يزيد بن الأصم، كلهم عن أبي هريرة رضي الله عنه: مخرّجة في (صحيح مسلم 1397) و(مسند أحمد) و(سنن النسائي) دون أن يمر أيٌّ منها بطريق الزهري!
3. طريق بصرة بن أبي بصرة الغفاري رضي الله عنه: في (موطأ مالك) و(مسند أحمد) و(سنن النسائي) من غير طريق الزهري!
4. طريق عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم: بأسانيد مستقلة عن الزهري!
فهل استأجر عبد الملك بن مروان هؤلاء الصحابة والتابعين جميعًا في الكوفة والمدينة ومكة ومصر ليرووا هذا الحديث قبل أن يبلغ الزهري الحلم؟!

البرهان الخامس: شيخ الزهري في الحديث هو «سعيد بن المسيب» أصلبُ معارضٍ لبني أمية!:
من الذي روى عنه الزهري هذا الحديث؟ لقد رواه الزهري بقوله: «أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ…» (صحيح البخاري 1189).
وإمام التابعين سعيد بن المسيب رحمه الله عاش في المدينة المنورة حتى توفي سنة 94 هـ (أي إنه عاش بعد موت عبد الملك بن مروان نفسه، المتوفى سنة 86 هـ، بثماني سنوات كاملات!). وكان سعيد بن المسيب أشهرَ عالمٍ في الأمة بصلابته في وجه بني أمية، وقد جلده والي عبد الملك بن مروان على المدينة (هشام بن إسماعيل المخزومي) خمسين سوطًا وألبسه تبانًا من شعر وطاف به؛ لأنه رفض البيعة للوليد وسليمان ابني عبد الملك!
فكيف يجرؤ الزهري على اختلاق حديث لصالح عبد الملك بن مروان وينسبه كذبًا إلى شيخه سعيد بن المسيب، وسعيدُ بن المسيب حيٌّ يُرزق في مسجد المدينة وحوله مئات التلاميذ من حفاظ الأمة؟! ألم يكن سعيد بن المسيب وتلاميذه سيفضحون الزهري في اللحظة نفسها لو كذب عليه؟!

البرهان السادس: كشف التزوير في بتر مقولة الزهري: «أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء»:
اقتطع جولدتسيهر والمنصّرون جملةً من كلام الزهري أوردها ابن سعد في (الطبقات الكبرى 2/389) ومعمر بن راشد في (الجامع الملحق بمصنف عبد الرزاق 11/258) هي قوله: «أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء»، ليوهموا السامع أن الأمراء أكرهوه على اختلاق الأحاديث!
فلنقرأ النص الكامل غير المبتور كما رواه معمر عن الزهري قال:
«كُنَّا نَكْرَهُ كِتَابَةَ الْعِلْمِ، حَتَّى أَكْرَهَنَا عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ الْأُمَرَاءُ، فَرَأَيْنَا أَلَّا نَمْنَعَهُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ»!
والسياق أوضح من شمس النهار:
1. كان الزهري وكثيرٌ من علماء التابعين في أول الأمر يعتمدون في التحديث على الحفظ والرواية الشفهية، ويكرهون تدوين الأحاديث في دفاتر مكتوبة خشية أن يتكل الناس على الصحف ويتركوا الحفظ.
2. فلما أمر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله بتدوين السنة، وطلب هشام بن عبد الملك من الزهري أن يُملي أحاديث مكتوبة لأولاده، اضطر الزهري إلى كتابة العلم وتدوينه في الكتب بعد أن كان يمتنع عن الكتابة ويقتصر على التحديث الشفهي.
3. فلما كتب الزهري تلك النسخ لأبناء الأمراء، أدركته خشيةُ الله من تخصيص الأمراء بالنسخ المكتوبة دون عامة الناس، فأعلن: «فَرَأَيْنَا أَلَّا نَمْنَعَهُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ»، وفتح باب الإملاء الكتابي لطلاب العلم جميعًا حذرًا من وعيد قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159].
فالحديث كله عن تدوين العلم المحفوظ في قراطيس مكتوبة بدل الاقتصار على المشافهة، فقلبه تزويرُ المستشرقين إلى «اختلاق الأحاديث»!

البرهان السابع: شجاعة الزهري الصادعة في وجوه خلفاء بني أمية وروايته لما يدمغهم:
لو كان الإمام الزهري يبيع دينه لإرضاء الخلفاء الأمويين، فكيف نفسر مواقفه التاريخية الثابتة بالأسانيد الصحيحة في وجوههم؟
1. صفعته المدوية للخليفة الأموي هشام بن عبد الملك في قصره دفاعًا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
ثبت في (سير أعلام النبلاء 5/339) و(فتح الباري 8/453) عن معمر بن راشد وحجاج بن أبي منيع أن الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك سأل الزهري في مجلسه عن قوله تعالى في حادثة الإفك: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 11]: «مَن الذي تولى كِبْرَه منهم؟» (وكان هشام يريد أن يقول الزهري: هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه كما كان يروّج بعضُ غلاة الشام!).
فقال الزهري بملء فيه: «هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ!»
فغضب الخليفة هشام وقال له: «كذبتَ! هو علي بن أبي طالب!».
فانتفض الإمام الزهري كالأسد في وجه الخليفة الأموي الجالس على عرشه وصاح به:
«أَنَا أَكْذِبُ لَا أَبَا لَكَ؟! فَوَاللَّهِ لَوْ نَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنَّ اللَّهَ أَحَلَّ الْكَذِبَ مَا كَذَبْتُ! حَدَّثَنِي عُرْوَةُ، وَسَعِيدٌ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ، وَعَلْقَمَةُ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ!».
بالله عليكم: رجلٌ يصيح في وجه أقوى ملوك بني أمية: «أَنَا أَكْذِبُ لَا أَبَا لَكَ؟! فَوَاللَّهِ لَوْ نَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنَّ اللَّهَ أَحَلَّ الْكَذِبَ مَا كَذَبْتُ!» ذبًّا عن عرض أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أيتهمه عاقلٌ بأنه كان يكذب على رسول الله ﷺ ليرضي بني أمية؟!
2. رواية الزهري للأحاديث التي تفضح البغي وتُعلي شأن آل البيت:
الإمام الزهري نفسه هو الذي روى الأحاديث الصحيحة في فضائل علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، وهو الذي روى حديث: «وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» (الذي يصم الفئة التي قتلت عمارًا في صفين بالبغي!)، وهو الذي روى حديث علي بن أبي طالب أن النبي ﷺ طرقه وفاطمة ليلًا فقال: «ألا تصليان؟»؛ بل إن الزهري واجه الخليفة الأموي الوليد بن يزيد بنصيحة غليظة حتى توعده الوليد بالقتل وقال الزهري إنه همّ باللحاق بأرض الروم هربًا بدينه لو بقي الوليد!

رابعًا: النقض العلمي التفصيلي (نقلًا وعقلًا) لفرية محمد شحرور حول تزوير الأمويين والعباسيين للإسلام

أما فرية المهندس محمد شحرور وأتباعه من أن «الإسلام والسنة والفقه وصلت إلينا مزوَّرةً بأوامر الخلفاء الأمويين والعباسيين لتثبيت عروشهم»، فتهدمها ثمانية براهين تاريخية وعقلية وواقعية لا يقوم أمامها باطل:

البرهان الأول: سجلّ السياط والقيود والسجون: أئمة السنة والفقه كانوا ضحايا السلاطين لا عملاءهم!:
لو كان الفقه والحديث صناعةً أموية وعباسية لتثبيت عروش الخلفاء، لكان أئمة الحديث والفقه هم وزراء البلاط والمدلَّلين في قصور الخلفاء! ولكن التاريخ الموثق يصفع شحرور بالحقيقة الدامغة؛ إذ ما من إمامٍ من أئمة السنة والفقه الكبار إلا وقد ناله الأذى أو الجلد أو السجن أو القتل؛ لأنه رفض تطويع حرفٍ من الشريعة لأهواء السلاطين:
1. إمام التابعين سعيد بن المسيب رحمه الله (ت 94 هـ): جُلِد خمسين سوطًا وحُبِس في عهد الأمويين لرفضه البيعة المكرَه عليها.
2. الإمام سعيد بن جبير رحمه الله (ت 95 هـ): قتله الحجاج بن يوسف الثقفي صبرًا لصدعه بالحق في وجه الظلم.
3. الإمام أبو حنيفة النعمان رحمه الله (ت 150 هـ): ضُرِب وحُبِس في أواخر العهد الأموي، ثم حبسه وجلده الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور في بغداد حتى توفي في الحبس؛ لأنه رفض أن يلي القضاء للدولة العباسية!
4. الإمام مالك بن أنس رحمه الله (ت 179 هـ): ضُرِب بالسياط في المدينة المنورة سنة 147 هـ على يد والي العباسيين (جعفر بن سليمان) ومُدَّت يداه حتى انخلعت كتفاه؛ لأنه أفتى وحدث بحديث: «لَيْسَ عَلَى مُسْتَكْرَهٍ طَلَاقٌ» الذي يُبطل البيعة السياسية المأخوذة بالإكراه لأبي جعفر المنصور! وحين عرض عليه الخليفة العباسي أن يعمم كتابه (الموطأ) بسلطة الدولة ويلزم الناس به، رفض الإمام مالكٌ ذلك بشدة!
5. الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله (ت 204 هـ): حُمِل مقيدًا بالحديد من نجران إلى بغداد في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد!
6. الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله (ت 241 هـ): حُبِس ثمانيةً وعشرين شهرًا في قيوده، وجُلِد بالسياط بين يدي الخليفة العباسي المعتصم حتى أُغمي عليه وتهرأ لحمُه؛ لأنه رفض بدعة «خلق القرآن» التي تبنّاها ثلاثة خلفاء عباسيين (المأمون والمعتصم والواثق)، وقال لهم: «أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ»!
7. الإمام محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله (ت 256 هـ): نُفِيَ وأُخرِج من وطنه بخارى ومات غريبًا في خرتنك؛ لأنه رفض طلب والي بخارى العباسي (خالد بن أحمد الذهلي) أن يحمل كتابه (الجامع الصحيح) إلى قصر الإمارة، وقال كلمته الخالدة: «أَنَا لَا أُذِلُّ الْعِلْمَ، وَلَا أَحْمِلُهُ إِلَى أَبْوَابِ السَّلَاطِينِ»!

والمفارقة التاريخية الفاضحة لشحرور وأتباعه: مَن الذي تحالف مع قصور الخلفاء العباسيين (المأمون والمعتصم والواثق) وحرّض السلطان على ضرب العلماء وسجنهم وقتلهم بحد السيف (كما قُتل الإمام أحمد بن نصر الخزاعي، ومات الإمام البويطي صاحب الشافعي والإمام نعيم بن حماد في الحديد والسجون رحمهم الله)؟!
إنهم المعتزلة العقلانيون أسلافُ شحرور الفكريون! فالعقلانيون المؤوِّلون هم الذين احتموا بسيف السلطان العباسي، بينما وقف أئمة الحديث والسنة بصدورهم العارية في وجه إرهاب الدولة!

البرهان الثاني: متون كتب السنة والفقه نفسها تصرخ بتجريم الجبابرة وتقويض طغيان الملوك:
لو كانت دواوين السنة (البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومسند أحمد) قد صُنعت بأمر الخلفاء الأمويين والعباسيين لتثبيت عروشهم، فكيف امتلأت هذه الكتب نفسها بالأحاديث التي تزلزل عروش الظلمة وتجعل كلمة الحق في وجه السلطان الجائر أفضل الجهاد؟!
1. أليس في كتب السنة حديث: «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» (رواه أبو داود 4344، والترمذي 2174، وابن ماجه 4011)؟
2. أليس فيها حديث: «سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَرَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَقَتَلَهُ» (رواه الحاكم وصححه)؟
3. أليس في الصحيحين حديث: «لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» (رواه البخاري 7257، ومسلم 1840)؟
4. أليس في السنن والمسانيد حديث سفينة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ» (رواه أبو داود 4646، والترمذي 2226)؟! والثلاثون سنة انتهت عام 40 هـ بتنازل الحسن بن علي رضي الله عنهما، أي أن الحديث ينص صراحةً على أن حكم الأمويين والعباسيين «مُلْكٌ» وليس «خلافة نبوة»! فهل يأمر الخلفاء الأمويون والعباسيون بتزوير حديثٍ يعلن للأمة أن حكمهم ليس خلافة نبوة؟!

البرهان الثالث: الاستحالة العقلية والسياسية والجغرافية (العداوة الدموية بين الأمويين والعباسيين وتعدد الدول):
يحاول شحرور أن يجمع «الأمويين والعباسيين» في جملةٍ واحدة وكأنهما شركةٌ مساهمةٌ واحدة! والحقيقة التاريخية التي يعرفها طلاب المدارس أن العباسيين أقاموا دولتهم سنة 132 هـ على جماجم الأمويين ودمائهم، وطاردوهم في كل بقعة، بينما فرّ عبد الرحمن الداخل وأسس دولةً أموية معاديةً للعباسيين في الأندلس، وأسس الأدارسة العلويون دولةً في المغرب الأقصى، والرستميون في الجزائر، والأغالبة في تونس، والزيدية في اليمن وطبرستان!
1. فلو كان الأمويون في دمشق قد زوّروا الإسلام والسنة والفقه، لَما أبقى أعداؤهم العباسيون، الذين نبشوا قبورهم وحاربوا كل أثرٍ لهم، حرفًا واحدًا من ذلك «الإسلام الأموي المزور»!
2. ولو كان العباسيون في بغداد قد اخترعوا أحاديث أو فقهًا جديدًا، لفضحهم علماء الأندلس (الخاضعة لحكم الأمويين أعداء العباسيين) وعلماء المغرب والمدينة ومصر وخراسان!
فكيف اتفق علماءُ قرطبة في الأندلس، والقيروان في تونس، والفسطاط في مصر، والمدينة ومكة في الحجاز، والكوفة وبغداد في العراق، وبخارى ونيسابور في المشرق، رغم الحروب الطاحنة بين حكامهم، على نفس الصلوات الخمس، ونفس عدد الركعات، ونفس أنصبة الزكاة، ونفس مناسك الحج، ونفس أحاديث (الموطأ) و(الصحيحين)؟! إن اتفاق الأقطار المتعادية سياسيًّا على نقل هذه السنة والفقه برهانٌ عقلي قاطع على أنها موروثةٌ من المنبع النبوي الأول قبل نشوء تلك الدول كلها!

البرهان الرابع: التواتر العملي الجيلي الذي يستحيل تزويره بأمر سلطان:
شرائع الإسلام الكبرى (كيفية الصلوات الخمس وأوقاتها وعدد ركعاتها، صوم رمضان، مقادير الزكاة، تفاصيل الحج، أحكام النكاح والطلاق والبيوع والمواريث) لم تكن محفوظةً في خزانة سرية داخل قصر الخليفة في دمشق أو بغداد حتى يستطيع ملكٌ أن يزوّرها بالليل، بل كانت ممارسةً عمليةً يوميةً يؤديها ملايين المسلمين خمس مراتٍ في اليوم في آلاف المساجد من الصين وخراسان شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا!
فأيُّ عقلٍ يصدق أن ملايين المسلمين في القارات الثلاث، ومنهم أبناء الصحابة وأحفادهم، ناموا ذات ليلةٍ على إسلام النبي ﷺ، ثم استيقظوا في الصباح فغيّروا صلاتهم وزكاتهم وحجهم وفقههم بأمر خليفة أموي أو عباسي دون أن تسجل كتب التاريخ أو الفرق أو المعارضين ثورةً واحدةً على تبديل أركان الدين؟!

البرهان الخامس: ارتداد السهم إلى نحر شحرور: مَن الذي نقّط المصحف وشكّله ودوّن معاجم اللغة؟!:
هنا الحجة القاصمة التي تخرس شحرور وأتباعه إلى الأبد:
نسأل شحرور وكل من يردد مقولته:
1. في أي عصرٍ وبأمر مَن جرى نَقْطُ المصحف الشريف (وضع النقاط على الحروف لتمييز الباء من التاء والثاء، والجيم من الحاء والخاء، والراء من الزاي)؟
لقد تم ذلك في العصر الأموي بأمر الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان وواليه الحجاج بن يوسف على يد التابعيين الجليلين نصر بن عاصم الليثي ويحيى بن يعمر العدواني رحمهما الله!
2. وفي أي عصرٍ جرى تشكيل المصحف بالحركات (الفتحة والضمة والكسرة والسكون) التي يبني عليها شحرور تحليلاته، وتدوين القراءات القرآنية المتواترة، وتأليف كتب النحو ومعاجم اللغة العربية (كمعجم العين للخليل بن أحمد الفراهيدي، والكتاب لسيبويه، ومقاييس اللغة لابن فارس الذي ينقل عنه شحرور في كل كتاب)؟
لقد تم ذلك كله في العصرين الأموي والعباسي، وبأيدي علماء الرواية والإسناد أنفسهم!
فإن كانت السلطة الأموية والعباسية قد زوّرت الدين وسخّرت العلماء لتثبيت عروشها كما يزعم شحرور، فبأي منطقٍ يثق شحرور بنقط المصحف وتشكيله وبمعاجم اللغة التي دُوِّنت في ظل الخلافة الأموية والعباسية، ويكفر بالسنة النبوية والفقه اللذين نُقِلا بنفس الأسانيد وفي نفس العصور؟!
فإن قال: «المصحف واللغة محفوظان بتلقي الأمة وتواترها واستحالة تواطؤ العلماء على تزويرهما»، قلنا له: «وهو عين البرهان الذي حُفِظت به سنة رسول الله ﷺ وبيانه التشريعي والعملي، فشهدتَ على نفسك بالتناقض والانهيار!».

البرهان السادس: صرامة علم الجرح والتعديل في فضح الكذابين والمتزلفين للسلاطين:
لم يترك علماء الحديث بابًا واحدًا للكذب على رسول الله ﷺ، سواء أكان الكاذب يتزلف لسلطان أم يروج لبدعة أم يطلب دنيا، إلا وفضحوه على رؤوس الأشهاد تطبيقًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6].
ومن أشهر الأمثلة التاريخية على ذلك ما وقع لـ «غياث بن إبراهيم النخعي» حين دخل على الخليفة العباسي «المهدي» ورآه يعجبه الحمام، فحدثه بحديث: «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر» وزاد فيه من عنده كلمة: «أو جناح» إرضاءً للخليفة! ففطن المهدي نفسه لكذبه وقال: «أنا حملتُه على ذلك»، وأمر بذبح الحمام، ودمغ علماءُ الجرح والتعديل غياثَ بن إبراهيم بالكذب والوضع، وأسقطوا روايته كلها إلى يوم القيامة! فكيف يُقال بعد ذلك إن علماء الحديث كانوا يقبلون أحاديث البلاط؟!

البرهان السابع: رمتني بدائها وانسلت: شحرور ربيب التمويل الإماراتي والدعم الغربي، الذي كُتِبت له الكتب ونُشِرت باسمه، يتهم أئمة الهدى بعمالة السلاطين!:
إن أوقح ما في دعوى محمد شحرور وأتباعه أنهم يتحدثون عن «سلطة السلاطين»، بينما مشروع شحرور نفسه لم يقم على قدميه ولم ينتشر إلا بأموال الأنظمة الوظيفية المعاصرة ورعاية أعداء الأمة:
1. التمويل والتلميع الإماراتي الرسمي: مَن الذي احتضن محمد شحرور، وأغدق عليه ملايين الدولارات، وفتح له استوديوهات تلفزيون «أبوظبي» الرسمي على مدار سنوات طويلة في برنامجي (النبأ العظيم) و(لعلهم يعقلون)، وسخّر له قنوات «العربية» و«سكاي نيوز عربية» والمنتديات الثقافية وجوائز الكتب في أبوظبي ودبي، حتى أقام هناك ومات في أبوظبي في ديسمبر 2019م، ثم واصلت المنصات الممولة (كمنصة «مجتمع» وغيرها) ترويج أباطيله بعد موته؟! أليس هو النظام الإماراتي الذي سخّر أمواله لمحاربة ثوابت الإسلام وتجفيف منابعه وتلميع كل طاعن في السنة النبوية؟!
2. الكتب التي كُتِبت لشحرور ونُشِرت باسمه وهو عاجز عن إقامة سطر بالعربية: يعلم كل باحثٍ فحص مشروع شحرور أن الرجل كان مهندسَ تربةٍ وأساساتٍ درس في موسكو، فلما أرادوا صناعة مشروع «الكتاب والقرآن» سنة 1990م، قام «جعفر دك الباب» بكتابة الفصل التأسيسي اللغوي (المنهج اللغوي في الكتاب) داخل كتاب شحرور، ثم توالت اللجان ودار «الساقي» والمراكز الممولة على تصنيف الكتب وصياغتها وتنقيحها ونشرها باسم محمد شحرور (حتى إنهم طبعوا باسمه كتاب «تصور الإنسان عن الله» سنة 2023م بعد وفاته بأربع سنين!).
والدليل الفاضح على أن من يكتب لشحرور تلك التنظيرات اللغوية غيرُ شحرور المتحدث، أنه حين كان يخرج بنفسه أمام الكاميرات ليقرأ آيةً مكتوبةً أمامه على الورق، كان يرتكب كوارث نحويةً يضحك منها صبيان الكتاتيب؛ فقرأ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: 14] برفع «ورسولُه» مرارًا (فجعل الرسولَ عاصيًا!)، وقرأ قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] بنصب لفظ الجلالة «اللهَ» (فجعل الخالقَ مفعولًا به!)، وقرأ ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ﴾ [البقرة: 127] بنصب الفاعل «إبراهيمَ»، وقرأ ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ﴾ [الرحمن: 43] بنصب الخبر «جهنمَ»؛ حتى إن العلامة اللغوي الدمشقي يوسف الصيداوي رحمه الله حين فحص أوائل صفحات كتاب شحرور أصدر كتابه الشهير (بيضة الديك)، فأحصى في عشر صفحات فقط من كلام شحرور من الفضائح اللغوية ما احتاج تصحيحه إلى 264 صفحة!
فكيف يجرؤ رجلٌ تُكتَب له الكتب وتُصاغ له الفصول بأموال الأنظمة ودور النشر الممولة لتحريف شريعة الإسلام، وهو لا يُحسن قراءة الفاعل والمفعول به في المصحف، على أن يتهم الإمام الزهري ومالكًا والشافعي وأحمد والبخاري بأنهم كتبوا لإرضاء السلاطين؟!

البرهان الثامن: الحقيقة الموثقة حول مؤسسة «راند» (RAND) وتقاطعها التام مع مشروع شحرور:
أما علاقة مشروع شحرور بمؤسسة «راند» (RAND Corporation) الأمريكية للأبحاث الاستراتيجية المرتبطة بالبنتاغون؛ فالحقيقة الموثقة في تقارير مؤسسة «راند» الرسمية المنشورة باللغة الإنجليزية، ولا سيما تقريرها الشهير الصادر عام 2003م بعنوان: (Civil Democratic Islam: Partners, Resources, and Strategies) للباحثة «شيريل بينارد» (Cheryl Benard)، وتقريرها الصادر عام 2007م بعنوان: (Building Moderate Muslim Networks)، أنها قسّمت المسلمين إلى أربعة تيارات، وأوصت صناع القرار في الغرب والأنظمة الحليفة لهم بتمويل وترويج فئة سمّتها «الحداثيين» (Modernists)، وحددت مهمتهم الوظيفية بدقة في: «ضرب قدسية التراث الفقهي والحديثي، وفصل القرآن عن السنة النبوية وتفسيرات الصحابة والقرون الأولى، وإعادة تأويل النص القرآني تاريخيًّا وحداثيًّا لتبديل أحكام الشريعة في الأسرة والحدود والولاء والبراء».
وهذه الوصفة الأمريكية الاستراتيجية هي التي نُفِّذت بحذافيرها عبر ضخ الأموال الإماراتية والغربية لتلميع محمد شحرور ونشر كتبه وتفريخ منصات «القراءة المنحرفة المسماة زورًا بالمعاصرة»؛ فهم بحقٍّ غلمانُ السلاطين ومقاولو مراكز الأبحاث الاستعمارية في هذا العصر، الذين يرمون أئمة الإسلام الأحرار بدائهم وعمالتهم!

خامسًا: الإلزام القاصم: «ما البديل؟»

بعد أن تهاوت دعاوى جولدتسيهر وشحرور بالنقل والعقل والواقع، نضع أمام كل من يردد هذه الشبهة سؤالًا واحدًا لا مهرب منه: ما البديل؟
إذا كان الإسلام والسنة والفقه الذي وصل إلى الأمة عبر التابعين وأئمة المذاهب وأصحاب الصحاح قد «زُوِّر بأوامر الخلفاء الأمويين والعباسيين»:
1. فأين كان «الإسلام الصحيح» طوال أربعة عشر قرنًا؟ هل فرّط الله، سبحانه وتعالى عن ذلك علُوًّا كبيرًا، في حفظ دينه الذي وعد بحفظه في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، فترك مليارَي مسلمٍ عبر القرون يصلّون صلاةً أمويةً مزورة، ويصومون صومًا عباسيًّا مزورًا، ويزكّون ويحجّون بشريعة الملوك حتى ظهر محمد شحرور من استوديوهات أبوظبي في نهاية القرن العشرين؟!
2. وكيف يصلّي شحرور وأتباعُه الظهرَ أربعًا، والمغربَ ثلاثًا، والفجرَ ركعتين، ويقفون بعرفة في التاسع من ذي الحجة، ويطوفون بالبيت سبعًا؟ أمن المصحف وحده أخذوا هذه الأعداد والتفاصيل أم من النقل المتواتر الذي مرّ عبر العصرين الأموي والعباسي؟!

ولنغلق عليهم مخارج الجولة الثانية قبل أن ينطقوا بها:
1. فإن قالوا: «ولكن الإمام الزهري دخل على خلفاء بني أمية وصحب عمر بن عبد العزيز وهشام بن عبد الملك!».
قلنا: دخولُ العالم التقي على السلطان ليعظه ويعلّم الناس ويحمل الحاكم على العدل (كما صحب الزهريُّ الخليفةَ العادل عمر بن عبد العزيز، وكما صدع في وجه هشام بن عبد الملك بقوله: «أنا أكذب لا أبا لك؟!») شرفٌ وجهادٌ لا مَطعن فيه! وإنما المطعن والخزي فيمن عاش في كنف الأنظمة المحاربة للشريعة في عصرنا، وتقاضى الملايين من أموالها، وكُتِبت له الكتب لتحريف قطعيات القرآن وإسقاط السنة النبوية!
2. وإن قالوا: «ألم يقع وضعٌ وكذبٌ في الحديث لأغراض سياسية في العصر الأموي والعباسي؟».
قلنا: بلى، حاول الزنادقة والغلاة والقصاصون والمتزلفون أن يكذبوا، ولكن الله الذي تكفّل بحفظ دينه قيّض لهم جهابذة النقد (كالزهري، وشعبة بن الحجاج، ومالك، وعبد الله بن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والبخاري، ومسلم رحمهم الله)، فطاردوا كل كذابٍ باسمه، وفرزوا الصحيحَ من السقيم والموضوع حرفًا بحرف، وأفردوا الكتب في «الموضوعات» و«الضعفاء والمتروكين»؛ فكان وجود تلك المحاولات وانكشافُها أكبرَ برهانٍ على يقظة الحرس النبوي وحفظ الله لسنة نبيه ﷺ!

الخاتمة

شتّانَ والله بين إمامٍ قرشيٍّ جليلٍ كابن شهاب الزهري رحمه الله، يقف في بلاط أعظم ملوك الأرض في زمانه (هشام بن عبد الملك) فيصيح في وجهه غضبًا للحق وذبًّا عن عرض علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «أَنَا أَكْذِبُ لَا أَبَا لَكَ؟! فَوَاللَّهِ لَوْ نَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنَّ اللَّهَ أَحَلَّ الْكَذِبَ مَا كَذَبْتُ!»، وبين أئمةٍ كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والبخاري رحمهم الله احتملوا السياطَ والقيودَ والنفيَ لئلا يتغير حرفٌ من شريعة محمد ﷺ، وبين مستشرقٍ حاقدٍ يقتات على بتر النصوص وتزوير التواريخ، أو مهندسٍ معاصرٍ عُجِنت مشاريعُه بأموال أبوظبي وتوصيات «راند»، وكُتِبت له الكتبُ لتحريف دين الله وهو لا يُقيم إعراب آيةٍ في المصحف، ثم يرمي جبالَ الأمة وحَمَلةَ وحيها بتهمة التزوير للسلاطين؛ وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 18].

اسأل عن الإسلام

أرسل سؤالك عن الإسلام، وستصلك الإجابة بإذن الله

واتساب تليجرام

لدعم مشاريع القناة

نعمل على منظومة متنوعة من السلاسل المعرفية والمواقع والأدوات والخدمات المجانية؛ لتقريب العلم النافع، ودعم الدعوة، وتقديم حلول تقنية تخدم المسلمين.

دعم سريع وآمن للدعم عبر باتريون عضوية القناة مشاريع القناة

مقالات متعلقة

﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾: كيف تدمغ سورة الجمعة وصحيح السنة فرية إنكار خطبة النبي؟

الثلاثاء, 13 أكتوبر 2026

رسالة مفزعة: امرأة تصلي وتصوم ثم تتهم الخالق بالظلم لأجل الحور العين وتتحداني.. وهذا جوابي على تحديها.

الأحد, 27 سبتمبر 2026

الصلاة صلة وليست حركات!!.. كيف نسف القرآن حيلة الشحارير؟

الأحد, 13 سبتمبر 2026
شؤون إسلامية

قناة توعوية لنشر قضايا المسلمين وأخبارهم حول العالم ومواجهة الحملات التي تستهدف تشويه صورة الإسلام وتحريفه. رأينا نعرضه ولا نفرضه، وقولنا مُعلم وليس بملزم.

دعم مشاريع القناة

مساهمتكم تعيننا على تشغيل المشاريع وتطوير الأدوات والخدمات الدعوية المجانية.

تبرع الآن
باتريون عضوية يوتيوب

دفع آمن عبر Stripe
البطاقة البنكية · Apple Pay · Google Pay · Link

وسائل التواصل
أحدث المقالات
  • الرد العلمي القاطع على أكاذيب المستشرق جولدتسيهر ومحمد شحرور حول الإمام الزهري وفبركة الأحاديث للأمويين والعباسيين
  • ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾: كيف تدمغ سورة الجمعة وصحيح السنة فرية إنكار خطبة النبي؟
  • يتهمون المسلمين بالإرهاب، وكتابهم يقول: طوبى لمن يضرب الأطفال بالصخرة
  • الرد على تساؤلات الأستاذ أحمد مولانا حول ميليشيا الحوثي وصمودها وشعبيتها في اليمن!
  • رسالة مفزعة: امرأة تصلي وتصوم ثم تتهم الخالق بالظلم لأجل الحور العين وتتحداني.. وهذا جوابي على تحديها.
Facebook X (Twitter) Instagram YouTube WhatsApp Telegram SoundCloud
جميع الحقوق محفوظة لموقع شؤون إسلامية © 2026.

Type above and press Enter to search. Press Esc to cancel.