السلام عليكم اريد الاستفسار عن موضوع: هل من يحفظ القرآن الكريم يجوز له التشهير بإسمه على موقع الفيسبوك ؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
هنيئاً لمن أكرمه الله بإتمام حفظ كتابه، فهذه من أعظم النعم وأجلّ الكرامات في الدنيا والآخرة.
الجواب على هذا الاستفسار يرتكز على أصلٍ عظيم في الشريعة، وهو “النية”؛ فالإعلان عن حفظ القرآن الكريم على مواقع التواصل الاجتماعي كـ (فيسبوك) وغيرها ليس محرمًا في ذاته، بل تحكمه نية صاحب الفعل، وينقسم الأمر إلى حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون الإعلان مشروعاً ومحموداً
يجوز للمسلم أن ينشر خبر حفظه للقرآن، بل قد يُؤجر على ذلك، إذا صحت نيته في أحد الأوجه التالية:
التحدث بنعمة الله: أن يكون القصد شكر الله والاعتراف بفضله أمام الناس. يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11].
تحفيز الآخرين وتشجيعهم: أن ينشره بنية تشجيع أقرانه وأصدقائه على الإقبال على كتاب الله وحفظه، وقد بيّن النبي ﷺ فضل ذلك بقوله: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ» (رواه مسلم).
إدخال السرور على الوالدين والمعلمين: وشكرهم علانية على جهدهم معه.
عرض النفع: كأن يُعلن عن نفسه بنية أن يتقدم لتعليم غيره أو تحفيظهم.
الحالة الثانية: أن يكون الإعلان محذوراً ومذموماً
يُصبح النشر خطراً ومحرماً إذا دخلت فيه حظوظ النفس، وتحديداً:
الرياء وحب الظهور: أن ينشر الخبر طلباً للمدح، أو ليقول الناس عنه “حافظ” أو “شيخ”، أو ليحصد الإعجابات والثناء. وهذا يُحبط العمل والعياذ بالله.
وقد جاء التحذير من ذلك شديداً ومخيفاً؛ ففي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن أول من تُسعر بهم النار يوم القيامة، ذكر النبي ﷺ منهم: «وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ».
وقال الله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110].
نصيحة لحافظ القرآن:
الإخلاص عزيز، والنفس البشرية ضعيفة وتحب الثناء. ولذلك، يُنصح من أتم الحفظ بما يلي:
تفتيش القلب: قبل الضغط على زر “النشر”، اسأل نفسك بصدق: “لماذا أنشر هذا؟”. إن وجدت النية خالصة لله فامضِ، وإن وجدت فيها التفاتاً للمدح فالتوقف والستر أولى وأسلم لدينك.
صياغة الإعلان بتواضع: إذا قررت النشر، فاجعل العبارة مكسوة بالتواضع والافتقار لله، كأن تطلب من الناس الدعاء لك بالثبات والإخلاص، بدلاً من عبارات الفخر الشخصي.
الحذر من العين: القرآن نعمة، والنفوس تتفاوت، ومن الحكمة أحياناً كتمان بعض النعم استعانةً على حفظها، إلا عمّن يفرح لك بصدق.
نسأل الله تعالى أن يبارك لمن حفظ كتابه، وأن يجعله حجة له لا عليه، وأن يرزقنا وإياكم الإخلاص في القول والعمل، وأن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته.




